كتب الأستاذ حليم خاتون: لبنان اليائس... ما العمل؟
أخبار وتقارير
كتب الأستاذ حليم خاتون: لبنان اليائس... ما العمل؟
حليم خاتون 30 أيلول 2021 , 19:27 م
كتب الأستاذ حليم خاتون:  أن يخرج من لبنان خلال شهرين فقط، ...أكثر من ١٠٠ ألف لبناني ولبنانية، هو أحد أهم الإشارات على اليأس الذي يتملك اللبنانيين كل يوم أكثر من اليوم الذي سبق... أن تُصدر إحدى م

كتب الأستاذ حليم خاتون: 

أن يخرج من لبنان خلال شهرين فقط، ...أكثر من ١٠٠ ألف لبناني ولبنانية، هو أحد أهم الإشارات على اليأس الذي يتملك اللبنانيين كل يوم أكثر من اليوم الذي سبق...

أن تُصدر إحدى مؤسسات الإحصاء أن عدد طلبات الهجرة التي تُقدم الى السفارات الأجنبية في لبنان يتجاوز ال٣٥ ألف طلب كل شهر، هو مؤشر على أن القوى السياسية في لبنان لن تجد قريبا إلا اتباعها من الغنم والقليل القليل من الفقراء الذين لا يملكون حتى أجرة المواصلات للذهاب الى السفارات ومتابعة طلباتهم للهجرة...

في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي ٤,٥٠٠,٠٠٠، يبلغ عدد المغادرين حوالي ٧٪ من إجمالي عدد السكان سنويا، معظمهم من ذوي الاعمار التي تتراوح بين ١٨ و ٤٥ سنة، هذا بلد سوف يواجه قريبا نفس الوضع الذي واجهته القارة الأفريقية إبان عصر تجارة العبيد...

باختصار، قريبا سوف نجد أنفسنا مع مجتمع من الأطفال الصغار والشيوخ... أي مجتمع غير قادر على العمل والإنتاج.

 مجتمع يعيش على الإعانات التي تأتيه من الذي هاجروا، وينشأ على قيم الإتكالية والنرجيلة والعزم على السفر وترك البلد بدوره...

من سوف يزرع؟ بالتأكيد ليس قادة الأحزاب ولا غنمهم الذين اعتادوا على سرقة المال العام وشراء الذمم من فتات ما نهبوا...

نظرة شمولية إلى الوضع، تقول إن معظم المهاجرين (أكثر من الثلثين ) هم من الشباب الذكور الذين سوف يؤسسون عائلات في الخارج من زيجات تؤمن لهم الجنسية والاستقرار...

هذا يعني تلقائيا خسارة جيل كامل من الأطفال الذين لن يعودوا إلى الوطن لأن انتماءهم الثقافي والفكري وحتى الوطني سوف يأخذ منحى آخر...

المأساة، أننا سوف نواجه عددا أكبر من النساء العازبات أو العوانس الذين لن يستطيعوا تكوين عائلات، مع ما قد يجره هذا من أزمات نفسية واجتماعية وحتى إنتاجية... مع خسارة ولادة جيل مهم للنمو...

بالطبع لا ضرورة للسؤال إذا ما كان أهل السلطة في وارد التفكير بهذه المشاكل ومحاولة إيجاد حلول لها...

عندما يتمكن اليأس من نسبة كبيرة من المواطنين في دولة ما، لن يلبث الأمر أن يدفع هذه الدولة إلى سن اليأس...

يأس في الإنتاج الفكري، يأس في الإنتاج الزراعي والصناعي...
يأس في كل المجالات...

هذا يعني وضع مشابه لما واجهته أوروبا بعد الحروب، وضع جعل من النساء هم الطبقة العاملة والمنتجة، بينما فسد مجتمع الرجال في البدء قبل أن يعي أنه أصبح هامشياََ، ولا كلمة له في البيت أو المؤسسة...

الذي لا يعرف هكذا أوضاع، ويستهين بها، عليه زيارة روسيا مثلا ليجد أن اليأس الذي تحكم بالرجال ما لبث أن امتد ليطال العائلات وحتى النساء أنفسهن...

حتى في المانيا، كثيرا ما تعاني القيم العائلية انطلاقا من واقع مشابه...

صدقوا او لا تصدقوا، لكننا لا نسير نحو مجتمع أكثر إنصافا للنساء بقدر ما نسير نحو مجتمع يائس سوف تنتشر معه المشاكل على اختلافها...

بالتأكيد هذه المشاكل لن تطال زعماء الأحزاب واصحاب المصارف اليوم، وبشكل شخصي... لكننا لن نلبث أن نعيش هذه الأزمات في كل القطاعات... في المستقبل..

إذاََ، ما العمل؟

البلدان التي تخسر في أيام وأسابيع وأشهر هكذا خسارات ديمغرافية، لن تستطيع العودة إلى الوضع الطبيعي بكبسة زر...
إذا كان لا بد من العمل، يجب الإنطلاق فورا...

لكن بصراحة، هل يمكن عمل شيء في هذا البلد؟

كيفما دار المرء برأسه، لا يجد تعابير أكثر صدقا في وصف البلد من مسرحيات زياد الرحباني...

لبنان هو أحياناً "نزل السرور" الذي يضب كل "المقطوعين" في الجمهورية وفي الإقليم...

في لبنان، هناك رؤوف المنظًر، كثير الكلام كما كل الأحزاب اللبنانية دون استثناء... وكما كل الهيئات الدينية، دون استثناء أيضاً... كل ما يستطيعون فعله هو الحكي، والحكي لا يبني أوطاناََ...

في لبنان، عباس وفهد، "اللي مش طايقين حالهم" بسبب الظلم والفقر، لكنهم يسرحون في الأحلام، وينسون الثورة تحت تأثير هذه الأحلام، والبنت الحلوة الغنية... وفهمكم كفاية من هم عباس وفهد...

لبنان نفسه بعد ١٧ تشرين صار مستشفى مجانين، في فيلم أميركي طويل لم ينته في القرن الماضي وما زلنا نعيش حلقاته كل يوم...

الكاوبوي الأميركي ليس بالضرورة ترامب أو بايدن...

الكاوبوي الأميركي، هو أي موظف في أي وزارة  يتلقى الركلات والإهانات من رؤسائه،
"فيفش خلقه بلبنان"...

هل يمكن إصلاح الوضع في لبنان؟
بصراحة... الدين فعلا حمّال أوجه...

الدين الذي اسقط الملك وأسقط الشاه...
الدين الذي انطلق من الحسينيات، فحرر وبنى عزا وكرامة...
الدين الذي يدافع عن الأقصى وكنيسة المهد...

الدين الذي هرّب الخبز والمؤن إلى تل الزعتر والنبعة كي لا يموت الاطفال جوعا...

هو نفس الدين في لبنان، الذي يجعل من ميشال عون وسمير جعجع والبطرك الراعي، والمطران عودة،
اصناماََ يمنع المس بها...

الدين في لبنان، هو من يجعل من نبيه بري تمثالا شيعياََ مقدساً بالرغم من الحريرية السياسية، ورياض سلامة وما ادراك ما رياض سلامة...

الدين في لبنان، جعل من المفتي دريان خليفة على المسلمين يضع خطوطا حمراء حول فؤاد السنيورة وسعد الحريري والميقاتي  وغيرهم، بعدما وضع من سبقه دروعا لتمجيد شخص رفيق الحريري، قائد اوركسترا النهب المنظم لهذا البلد...

اللائحة تطول ولا تقصر...

من وليد جنبلاط إلى الهراوي الى ميشال المر وميشال سليمان و... و...
حتى كلابهم وقططهم لم تكن بعيدة عن موبقاتهم...

هؤلاء كانوا مستعدين لبيع الوطن لأي (قوّاد)...

شعب لبنان الذي كان يلحس دمه على المبرد، كان سعيدا بطعم الدم وهو لا يدري أنه الدم الذي سوف ينزفه عند وقوع البنيان...

شعب لبنان، على الأقل... قسم كبيرا من الباقين في هذا البلد، ما زال  يلحس المبرد...

كيف يمكن إصلاح بلد، معظم سكانه من زبائنية اللصوص؛ يعيش على فتات الفتات وهو لا يدري أنهم يعطونه فقط القليل القليل مما هو حق له... ثم "ينطنط كالسعدان فرِحا، بموزة بعد أن طار قرط الموز كله"

العامليون يذكرون كيف كان احمد الاسعد الجد يدعو الأنصار فيذهب كل واحد يحمل ما يكفي إطعام عائلته شهرا كاملا، هدية للبيك...

يقوم طهاة البيك بطهو جزء يسير مما جلبه الفلاحون...
يأكل الفلاح حتى الشبع ثم يدعو بطول العمر للبيك الذي أطعمه، متناسيا أن ما اكله ليس سوى جزء قليل جدا مما حمله هو إلى البيك...

الفرق بين الامس واليوم ليس كثيرا...

السلطة هي البيك الذي نهب المصرف المركزي، والمصرف المركزي نهب المصارف، والمصارف نهبت المودعين، والمودعون هم الفلاحون الذين يرضون شاكرين بأخذ وديعتهم على سعر ٣٩٠٠ ليرة للدولار... وبالتقسيط...

بينما قام كل أهل السلطة، ومعهم اهل البيوت الدينية بتهريب المال وتخبئته في الخارج بانتظار بيع أملاك الدولة كي يقوموا هم بالسطو عليها... بأبخس الأثمان...

هل من أمل في الإصلاح؟

"ذَنَب" الكلب، لو وُضع في قالب أربعين سنة لن "يجلس"... 
هكذا هم أهل السلطة في لبنان...

يقول زياد الرحباني أن البلد التي ليس في تاريخها دم، لا مستقبل لها...
الدم هنا بمعنى الثورة... أأعجبت هذه الدعوة حزب الله أم لم تعجبه...

بكل أسف، لن يرتدع هؤلاء اللصوص ولا أبنائهم ولا أبناء ابنائهم... ألا بارتفاع الكارت الأحمر في وجوههم...

كأن ذبابة التسي تسي قد لسعت شعب لبنان، فغط في نوم لا قيامة بعده

على الأقل، مرة واحدة... على هؤلاء اللصوص أن يشعروا أن قصورهم مهددة...
قصر واحد، ثم تكر السبحة...

حتى كلابهم لن تحميهم... 
 وسوف تهرب مع الهاربين...

الحل دموي...؟

ليس بالضرورة... لكن إذا لم ير هؤلاء العين الحمراء، سوف يظل شعب لبنان في جهنم الحمراء...

بكل أسف، وبعد سنتين لا بد من هذا الاستنتاج...
الحل لا يمكن أن يكون إلا بثورة حتى لو "تلخبط الوضع الاهلي"،
وألا فلا مستقبل لهذا البلد...

حزب الله جلب المازوت اليوم، وهو جلب مشكوراً، جزءًا يسيراً من الحاجة لهذه المادة.

حزب الله سوف يجلب غدا البنزين، وبعده الدواء وبعده الطحين.... وكل هذا، ورغم الشكر، لن يشكل إلا نسبة ضئيلة جدا من حاجات الناس...

هذا ليس حلا!!!

هل "خلّفتنا إيران ونسيتنا"؟

حتى متى سوف يرضى الشعب الإيراني أو السوري أن يعانيا من أجلنا ونحن لا نفعل شيئاً...

عندما تدفق المهاجرون إلى المانيا، تحدث احد الألمان أثناء برنامج تلفزيوني فقال:

نحن حاربنا من أجل بلدنا وبقينا فيه وبنيناه... لماذا عليّ أن استقبل من لا يحارب من أجل بلده، ليبقى فيه ويبنيه؟

سؤال حق بغض النظر عما يراد منه...

أنه بلدنا... علينا المحاربة من أجله... وإعادة بنائه...
وألا فنحن لا نستحق أن يكون لنا وطن...
                          

المصدر: مموقع إضاءات الإخباري