د.عامر الربيعي/ الانتخابات العراقية :- التيار الصدري
أخبار وتقارير
د.عامر الربيعي/ الانتخابات العراقية :- التيار الصدري
د عامر الربيعي 2 تشرين الأول 2021 , 23:54 م
د.عامر الربيعي/ الانتخابات العراقية :- التيار الصدري

د.عامر الربيعي/ الانتخابات العراقية :- التيار الصدري

 

يطلق اسم "الصدر" أو "الصدري" نسبة إلى بيت الصدر ، عائلة علم وعلماء في العراق ، وتقريبا تنقلت تأريخيا في كل المشرق العربي . 

التيار الصدري عنوان عريض، وحلقة وصل بين كل مكونات الشعب العراقي ، ولتبيان ذلك سنقتصر على مرحلة تاريخية من تاريخ العراق، الذي شهد أولويات وعي الساحة العراقية بمخاطر تحيط به ، وتحديدا فترة السيد محمد محمد صادق الصدر الذي اعتمد على الحاضنة الشعبية من الوسط والجنوب العراقي وعشائرها العربية في المناطق النائية، وخلق قوة من هذه العشائر ، احدثت بدايات موازين قوى شعبية ومن داخل ساحة النظام السابق ، ومتخذا من كلمة "كلا " مدخلا للقضايا التي كانت تتحكم بالعراق دوليا ، وكلمة يبدأ بها شعاراته ضد الإمبريالية الأمريكية، الا ان السيد محمد محمد صادق الصدر اغتيل مع نجليه، لما يمثله من رمزية في احتواء الشعب العراقي في وقت تعاونت كل دول الاستكبار مع المحيط العربي والنظام الحاكم في العراق على شعب العراق ، قام بتوجيه أنظار الشعب نحو العدو الحقيقي الذي لا يتوانى عن غرس سكينه في صدورهم رغم القصف ورغم الحصار ورغم انعدام التوافق بين الشعب والنظام الحاكم ، الا انه يستمر بقتلهم ، فأشار محمد محمد صادق الصدر إلى المسبب الأصيل لهذا الكم الهائل من العنف إلى الطاغوت والاستكبار فأصبح موضوع صلاة الجمعة يتمحور حول الطاغوت ، الإمبريالية، فقال مقولاته وشعاراته الشهيرة كلا كلا أمريكا، كلا كلا إسرائيل، كلا كلا طاغوت. 

 

 باغتياله ثارت الشبهات وتصاعدت حدة الاتهامات. اغتيل قبله المرجع السيد محمد باقر الصدر- من نفس عائلة الصدر- وعلى يد النظام السابق ، لما يمثله من رمزية وما يحمله فكره من حقائق أذهلت دوائر الاستكبار ، عندما اخذ بزمام الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي وحاورهم من منطق الفكر الإسلامي، وكيف استطاع من تبيان حقيقة فشل الأنظمة الرأسمالية والشيوعية في تحقيق المجتمع المثالي.

 

ومن المؤكد أن اليد التي قتلت محمد باقر الصدر ، هي نفسها التي قتلت محمد محمد صادق الصدر . 

الأول كان له الدور الأساسي في تأسيس حزب الدعوة ، والثاني كان له دور في تأسيس التيار الصدري حيث خرج من رحم هذا التيار قيادات بارزة في الحشد الشعبي .

 

حزب الدعوة ومدنيته و التيار الصدري والقيادات التي تفرعت عنه هو مشروع وحدة ضخم ، وقفت ضده امريكا ، في بدايات احتلالها للعراق . الا انه يجب أن يتحقق ومن دون تفاضلية ، ويجب على قيادات الطرفين ان تجعل من مصلحة العراق العليا أولوية امام كل التحديات التي يواجهونها.

 

ولنعد إلى التاريخ القريب عن المسبب في خلق هذا الشرخ الكبير، في رسوخ الدولة الوطنية العراقية الحديثة ، تكريس الطائفية بين جنباتها، وتسليم العراق لنزاعات غير حضارية تتحكم فيها البداوة وتارة العنف والهمجية وأخرى الإرهاب وأول من أبرز الإرهاب كانت الحضارة الأمريكية واخلاقياتها.

 

بعد أحداث 2003 , وافتعال ما يعرف بالاحتلال الأمريكي للعراق ، من جانب أمريكا فقط . 

كان الموروث المقاوم في داخل العراق الذي تركه محمد محمد صادق الصدر ، أصبح وجها لوجه في ساحة العراق ضد العقيدة الإمبريالية بكامل ثقلها، وبما لا يقبل الشك كانت كل قوى المقاومة تحت المجهر الأمريكي، ومع انعدام التقييم الحقيقي من قبل الأمريكي تجاه المقاومة العراقية اوقعهم بازمات متداخلة مع كل الشعب العراقي، وكيفية خلاصها تكون باحداث الانشقاق والتفاضلية في ما بين بعض القيادات السياسية العراقية التي كانت أيضا فاقدة للتقييم الحقيقي لقيام أمريكا باجتياح العراق ، حيث كان يظن البعض أن إسقاط صدام هو قمة حلم أمريكا في العراق، وهذا يعتبر تقصيرا وتفسيرا مغلوطا، ينم عن افتقار في فهم إبعاد العراق الجيوسياسية في السياسة الدولية وأهميته خصوصا في السياسية الخارجية و الجيوبوليتك الأمريكي الذي يتحرك بعنف أينما حل،هذا من جانب، من جانب اخر، مع تغير الأيديولوجية والعقيدة المقاتلة في العراق من حزب البعث، إلى العقيدة الأمريكية التي تحمل كم هائل من الأجندات والتي ستحاول صبها جميعا على المساحة التاريخية المحركة لحاضر ومستقبل العراق ، ناهيك عن التغير الذي شهده المحيط العراقي الذي وفر عوامل غزو امريكا للعراق، فتدفق فوق أرض العراق مختلف التنظيمات الدولية والإقليمية التي اعتبرت العراق أرض باكر، وصالحة لانبات بذور تنظيمات تقود المجتمع ،وأسس لنظام حاكم على النموذج الأمريكي، وتبعا لذلك قيم أخلاقية مغايرة ، فأخذت أنساق هذه البذور تنمو شيئا فشيئا. 

 

الفراغ الذي اخذ،حيزه يتسع مع تكريس مفاهيم وقيم الديمقراطية الأمريكية، كانت تملأه أمريكا نفسها في المساحة الاجتماعية ، دفع ذلك إلى نمو الفئات المتعطشة للتغيير امام إغراء أبواب العراق المفتوحة على كل شيء . مشهد مرعب كان يمر به العراق وخاصة وأن الحلف الصهيوامبريالي كان يسير في أعماق الرافدين بهدوء وسكينة ومن دون ضجيج. 

 

وحدها أمريكا كدولة إلى جانب حلفائها ، كانت في حراك لبناء مؤسسات لإرهاب المجتمع العراقي ، فمن كوادر حزب البعث المخلوع تم تنظيم ما يعرف بالقاعدة في أرض الرافدين بزعامة الزرقاوي، التي امتصت كل كوادر البعث المنحل، لتكون أطروحة الإرهاب في أرض الرافدين طوق النجاة الأمريكي وبقاءه في العراق. 

 

هذا المشهد العنيف الذي مرت به الساحة العراقية ، ومن كل جوانب الحياة :- الاحتلال ، غياب سلطة القانون ، غياب الاطار الحكومي الذي يقود العراق، لا وجود لدستور ينظم الحياة، يقابله، تغول منهج البناء السياسي في دمج عناصر ارهاب للمجتمع مثل جماعات البعث و القاعدة حيث أصبحت أكثر فاعلية.

أفرزت حقيقة الارهاب الأمريكي والدور بعد 2003 ، وهي ان ما ينتظر العراق هو القتل على الهوية، وهو تقسيم العراق.

 

كان العراق في عامه الأول من الاحتلال ، يقود نفسه بنفسه ، وكان التيار الصدري دور بارز في حماية مؤسسات الدولة ، ودور بارز في التصدي للارهاب التكفيري ، لكنه بنفس الوقت كان مطلوب منه الوقوف مع سلطة القانون في تلك الفترة ، مثلما يقفوا اليوم مع مصطفى الكاظمي.

 

اخذ التيار الصدري يبرز كقوة معادية الأمريكي في تلك الحقبة، و أخذ يستوعب المتغيرات التي شهدتها الساحة العراقية ، ومع الفارق في القوة الدافعة للتيار الصدري في السنوات الأولى من الاحتلال والمعارك التي خاضها ضد المحتل بالمقارنة مع موقف التيار الصدري اليوم ، نلاحظ تغيير في الأولويات ، وأصبح سلم الأعداء للتيار الصدري طويلا ، وأمريكا في نهاية السلم .

 

نلاحظ اليوم ان زعيم التيار الصدري - السيد مقتدى الصدر- دوما في مهمة بحث عن رئيس وزراء يتبنى الإصلاح، الذي لا يمكن أن يوجد من دون تفعيل سلطة القانون والقضاء. كما اصبح التيار يتمدد على حساب العراق ، اصبح للتيار الصدري ابعاد اقليمية ودولية ، فنلاحظ انه يتحالف مع الجميع ، فاسحا المجال لكل سياسي يقدم له ورقة إصلاحية ويوقع عليها أنه سيقوم بالإصلاح، من دون الاخذ بعين الاعتبار الأجندات المتوغلة مع الفرقاء السياسيين اللذين اوغلو في تضخيم مفهوم التهميش زورا وبهتانا. كما أن السيد مقتدى الصدر غض الطرف عن موقع الكتلة الكردية في الحكومة المركزية ، وكيف تمارس استراتيجيتها في الحصول على مكتسباتها الآنية والمستقبلية والتي كانت في معظم مكتسباتها تقوم بالضد من مصلحة العراق الموحد، وتغاضى عن حقيقة حلفاء شمال العراق وممثليه في مجلس النواب ، وهو الكيان الصهيوني. 

 

كما أصبحت تلاحق الاستراتيجية التي يتعامل بها التيار مع الداخل العراقي بتعقيداته بعض الشبهات، على سبيل المثال ضرب الساحة الداخلية في حراك تشرين عندما جمع تحت ظل سائرون منظمات مجتمع مدني والحزب الشيوعي ، لأنه بخطوته تلك اثبت التيار الصدري أنه أصبح يعمل ضمن إطار الليبرالية، من خلال الاتحاد مع نقيضه في الفكر، وجعل من القوة الدافعة له مشتركة، توجه مسار سائرون بحركة متوازية فيما بينهم، من خلال استخدام الأدوات التي تحيط بحراك تشرين كل وفق ما يراه ملائما لمنهجه الحقيقي، وهذه الجزئية تعتبر اختراق للتيار الصدري ولاحظنا جميعا كيف تم استغلال اسم الصدر بطريقة بشعة ، بقتل الاخوة العلياوي ، وتعليق الابرياء في الساحات ، تحت طلب الاصلاح، وتوقف التعليم ، وانتشرت الخيام التي عطلت الدولة العراقية، وتحت قانون الليبرالية " حرية التعبير" ولو بخراب العراق. 

 

وجاء تدخله - التيار الصدري- بفض الساحات بعدما خرجت الأمور عن سيطرته. 

المسألة الثانية مسألة رفع سعر صرف الدولار وتفعيل أزمات لشرائح المجتمع المختلفة، نلاحظ ان التيار الصدري يتبنى مشروع رفع سعر الصرف، وبدل ان يتم إيقاف نزيف إهدار وشراء وتجفيف خزينة الدولة من العملة الصعبة ، قام باتباع سياسة رفع سعر صرف الدولار لضرب بعض البنوك المتنفذة داخليا العائدة لقيادات في العملية السياسية ، على الرغم ما لخطوته تلك من أضرار جانبية على المواطن الذي لم يكن من أولويات التيار في هذه النقطة تحديدا. 

 

من زاوية ثانية ، يتمتع التيار الصدري ، بقيادات مثيرة للجدل ، تملك كاريزما انها على حق دوما لأنها تتخذ،من اسم الصدر أداة تتحرك بها.

وهذا أيضا يقودنا إلى التساؤل عن الأسباب التي تؤدي باتباع التيار إلى اتباع لغة المغالاة و التأليه كما تفعل مها الدوري على سبيل المثال ، ووفق اي اساس فكري أو فقهي يشرع لهم استخدام هذا النمط من التعظيم لشخص السيد مقتدى الصدر ، الذي من المؤكد لا يرضى لهم ذلك.

 

المسألة الأخرى يعتبرالكاظمي حاصل على تأييد التيار الصدري ، وحدث في فترة رئاسته للوزراء من تداخل الأجندات الدولية والإقليمية ومحور التطبيع مع الكيان الصهيوني فوق الساحة العراقية من باب الكاظمي الواسع حدا لا يمكن السكوت عنه ، وخاصة وأن الكاظمي لم يأتي لعقد المعاهدات الدولية أو الاتفاقيات الإقليمية، وإنما جاء وفقا لمصلحة وطنية وهي عبور العراق لمرحلة معينة ولغرض إقامة الانتخابات، لكن بين ليلة وضحاها دخل الكاظمي محاولات عدة في ما يعرف بالتوافق الدولي ومحاولات من جهات أمريكية وبريطانية لبقاءه في منصبه. وتأخير الانتخابات أو عرقلتها. ناهيك عن أنه- الكاظمي- لا يستطيع أن يتكلم اللغة العربية بطلاقة ، لكنه كان بارعا في توزيع ثروات العراق للاردن، ولمصر وحذف طريق الحرير ، والتقارب مع السعودية وتغول لدول السفارة البريطانية ومثلها الأمريكية وفرنسا، ومؤتمرات للتطبيع ، تغاضى التيار الصدري عن العديد العديد من زلات الكاظمي الذي يعتبر قانونا ووفق الدستور العراقي أنه يرتكب جرم بحق العراق عندما يعبر تحت فترة رئاسته للوزراء مشاريع نهب العراق. 

 

 إشكالية يجب أن ينتبه لها التيار الصدري ،

قد يتبادر إلى اذهان بعض الباحثين، الى ان هذا التغاضي الذي أشرنا له مسبقا، من قبل الصدر يعود إلى حقيقة الدولة العراقية العميقة ، ومن يقودها منذ خروج المحتل البريطاني بعد ثورة 1920. بريطانيا البغيضة التي أرادت اركاع مدينة النجف ، وعلمائها وثوارها، اللذين أخرجوا بريطانيا من العراق مرغمة، لكن تركت بؤر تستخدمها بين الحين والآخر، مثلما فعل حزب البعث بإنتاج نسخة الصرخي كشخص معمم له مؤيدون ، وفرقد القزويني الذي زار أور قبل البابا الفاتيكان واعلن ان الكعبة الحقيقة في أور ، وأخر ادعى المهدوية و .. و .. غيرهم ،يمارسون طقوس في بقعة جغرافية شهدت بدايات الكلمة الأولى للدين ، والكلمة الأولى للمدنية، والكلمة الأولى للغة الفكر والعلم ، فمن أين جاءت لغة التأليه؟

 

إشكالية:- ظهور حركات عديدة في جنوب العراق ، ادعت المهدوية ، لها أتباع ومناصرين ، ينظرون إلى مدعي المهدوية بربوبية ؟ كيف يتم ذلك ؟ ونحن في العراق لدينا قيادات دينية حكيمة تأبى مثل هذا التهريج؟ 

ثم عند حدوث أي طاريء في الساحة العراقية ، اين سيصطف مدعي المهدوية ومناصريه، ومع اي جهة ؟

 

يوجد فديو لسيد يدعى الصرخي، يدعي انه ذو علمية مجددة ، ومن النجف ، يقوم بعقد جلسات دروس يناقش فيها تاريخ ابن التيمية ويعمل على بناء ثقافي وفكري لتقبل منهج ابن التيمية وفي جنوب العراق ، ولا نعلم هل الحاضرين من التكفيريين ام جهلة؟ 

ولا يخلوا الامر عن اعتبارهم خلايا نائمة أيضا، حالهم حال اي ارهابي داعش ،أو حالهم حال حراك تشرين ، يتم فيها استغلال الناس الابرياء الطيبون اللذين يتبعون الفطرة الإنسانية بإحترامهم وحبهم لتعاليم الدين وهذا أمر طبيعي لان كلمة الدين الأولى انزلت في أرض الرافدين .

 

إذن التيار الصدري يوجد في هذه البقعة الجغرافية ، وتحيط به كل ما ذكرنا من خلايا نائمة، كيف يحافظ التيار الصدري على خطه وإخلاصه لجمهور الشعب العراق ، والعراق ، من تسلق هولاء ،وخاصة وأن كل من ذكرنا من الخلايا النائمة تتحرك بإرادة صهيوامبريالية .

 

وكيف يحافظ التيار على المنهج الفكري الإسلامي الأصيل، وخاصة فكر محمد محمد صادق الصدر ، من الدخلاء المتلونيين والمتلاعبين بأمن العراق و بقوت أبناء شعبه، وخاصة وأن التيار عند كل حركة تطعيم يقوم بها ، تعتبر مجازفة كبرى ، لأنه تيار اتخذ أشكالا عدة منذ 2003 مما حتم عليه الدخول بتوازنات إقليمية مختلفة. 

اليوم العراق بحاجة إلى قادة أقوياء على دراية بكل التوازنات الدولية وخاصة وأن العراق محور أساسي في خلق هذا التوازن ، ومثل هكذا جيوبوليتك يحتاج إلى قيادات حكيمة تمتلك قرارها ولا تهادن على حساب العراق لأجل مصالح ضيقة ، فيتم امتصاص دماء العراق لصالح حفظ دماء الآخرين. 

 

الدكتور عامر الربيعي

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الاوربية في باريس

المصدر: وكالات+إضاءات