القائمة الرئيسية

شعوب الخليج مصابة بـ المرض الهولندي (Dutch Disease)

06-05-2019, 10:44 شعوب الخليج مصابة بـ المرض الهولندي (Dutch Disease)
كيف تحاشت النرويج المرض الهولندي
وتجنبت نقمة النفط وحازت نعمته
 
 
المرض الهولندي حالة رخاء زائف أصيب بها المجتمع الهولندي بين عامي 1900 و1950 حين اكتشف النفط في بحر الشمال (وتمتع بنعيمه على مدى جيلين قبل أن ينضب نهائياً)..
 
ففي حين تسارعت خطى أوروبا نحو 
(الإنتاج الصناعي) أصيب الشعب الهولندي بتخمة معيشية جعلته يعزف عن العمل الجاد والاقتصاد المنتج ويستعيض 
(بالعمالة الأجنبية) واستيراد السلع عوضاً عن إنتاجها (يعني مثل حالتنا هذه الأيام)..
 
وما زاد الظاهرة سوءاً أن عائدات النفط رفعت سعر صرف العملة الهولندية الأمر الذي رفع بدوره من أسعار السلع التي تصدرها هولندا وبالتالي عجزت عن المنافسة عالمياً (بل وجعلت المواطن الهولندي يفضل شراء السلع المستوردة كونها أقل سعراً الأمر الذي تسبب في إغلاق كثير من المصانع).. 
 
وفي ظل هذا التراجع الذي طال كافة المفاصل الاقتصادية قلت فرص العمل وارتفعت نسبة البطالة وأصبح الناس لا يتورعون عن طلب الإعانات الحكومية او ما يشبه (حافز) لدينا  (وجميعها أعراض يعاني منها مجتمعنا الآن)..
 
ومن هنا تنبه الاقتصاديون إلى حالة المفارقة التي تحدث حين يملك شعب ما ثروة طبيعية ضخمة تتسبب في خمول الإنتاج وضعف التصنيع وقلة الحافز التنافسي بين أفراد المجتمع ودعوها بالمرض الهولندي!!
 
وهذه الحالة لم تكن قاصرة على هولندا فقط (التي أفاقت من كسلها بعد صدمة نضوب النفط) بل لوحظت لاحقاً في نيجيريا وأذربيجان وبريطانيا ودول الخليج (بفضل الثروات النفطية) 
 
وايضا في أسبانيا والمكسيك واستراليا وجنوب أفريقيا (بعد اكتشاف مناجم الذهب والألماس)... وجميعها تتلخص في اكتشاف ثروات سخية يتم الاعتماد عليها بطريقة تقضي على التنافسية واضمحلال الصناعات التحويلية واتكال المجتمع بأكمله على الدولة..
 
ويصبح المرض الهولندي خطيراً في حال أصيب به شعب كبير (كالشعب السعودي أو النيجيري) كون عوائد الثروة تُسّكن قطاعات إنتاجية أكثر تنوعاً وتعقيداً، في حين تقل حدته لدى الشعوب الأقل عدداً (كالشعب الهولندي) حيث الأمور أقل تعقيداً وقدرة على التدارك والإصلاح!!
 
أما الجميل فعلاً والموضوع الأساسي لمقال اليوم فهو ماحدث في النرويج من تجنب للمرض الهولندي حيث تعلمت الدرس ولم تمر بنفس الحالة التي مرت بها هولندا وبريطانيا بعد اكتشاف نفط الشمال...
 
فالنرويج مثل هاتين الدولتين تطل على بحر الشمال ولكنها لم تسمح  لشعبها بالوصول (للأموال السهلة) بدون عمل وتعب مما يقضي على اقتصادها الإنتاجي وقدرتها التنافسية.. ولأنها في الأصل بلد ثري جداً (ويأتي في مقدمة العالم من حيث دخل الفرد) 
 
ففي البداية احتار النرويجيون فعلاً في كيفية التصرف بهذه الثروة الجديدة التي تدفقت بكميات تجارية في الثمانينات.. وحينها انقسم البرلمان النرويجي إلى فريقين، 
 
الفريق الأول طالب بتوزيع الثروة على عامة الناس  (كما يطالب البعض لدينا هذه الأيام) 
 
والفريق الثاني عارض الفكرة خوفاً من إصابة الشعب النرويجي ب"المرض الهولندي" واقترح إنفاق الثروة النفطية على الصناعة و الإنتاج الوطني ..ومن ثم يستفيد الناس من ريع العمل في هذه القطاعات الصناعية والانتاجية ... (اي ادرس واعمل ثم احصل على المال.. مال غير سهل)
 
وفي النهاية رجحت كفة الفريق الثاني فتم توجية عائدات النفط إلى صندوق سيادي يستثمر في الداخل والخارج، ويحق للحكومة فقط سحب 4% من رأس المال السنوي لتدعيم ميزانيتها (التي مازالت تعتمد بحد كبير على الضرائب المرتفعة من ظهور الشعب).. فالحكومة النرويجية تعتمد على الشعب في ميزانيتها والشعب يعتمد على رواتب الصناعة والانتاج التي تستفيد من الثروة النفطية
 
اما لدينا فنحن عالة على الحكومة تصلنا اغلب اموال النفط دون العمل في قطاعات صناعية او انتاجية وانما تصلنا على شكل شرهات او حوافز للعطالة او رواتب بالعمل في قطاعات عمل وهمي (غير منتج) 
 
والنتيجة التي نراها اليوم في النرويج؛ أن النرويجيين لا يتمتعون فقط بأعلى دخل فردي (وأفضل نظام صحي واجتماعي في العالم) بل ويحققون ثروات شخصية ومداخيل قومية ليست فقط من الموارد النفطية أضف إلى أن نصيب كل مواطن نرويجي في صندوق بلاده السيادي تجاوز 5 ملايين دولار يحق له السحب منه بحسب معايير احتياجية خاصة... لم يحتج إليها أحد منذ 2007...
 
 
منقول الدكتور مالك العمايره الاردن
 
 
 
شارك