القائمة الرئيسية

يوم من ماض جميل- د. ناصر عليق

26-05-2019, 19:14 يوم من ماض جميل\ د. ناصر عليق

في حمأة صراعنا ومواجهاتنا مع العدو الإسرائيلي المحتل أرضنا في ثمانينات القرن الماضي، اشتدّ الخناق علينا وبتنا في المغاور والأودية وتحت شجر السنديان...
و بعد استشهاد من استشهد ، وجرح من جُرح وأَسر من أُسِر، انحصر  التركيز عليّ في المنطقة ، حيث كان العدو الإسرائيلي يداهم منزلنا في قريتي الجنوبية المتواضعة أكثر من ثلاث مرات في الأسبوع...كان كل ليلة يُطوّق البيت بآلياته وجنوده، يُفتشون المنزل زاوية زاوية بعد إيقاظ أهلي من النوم...
أهلي كبقية أهل قريتي كان ، عملهم في الأرض وزراعة التبغ وجني الزيتون وحصاد القمح...
كنت أحاول ليلاً أن أتسلل إلى المنزل غير مرة ﻷحضر الطعام، لكني كنت أجده مُطوّقًا من الجنود الغزاة.كان من السهل علينا مراقبة عددهم و ضباطهم عند دخولهم القرية من مدخلها الوحيد إذ أنّ من يدخل من هذا الباب سيعاود حتمًا أدراجه منه...
و في يوم من أيام تشرين ، وفيما كنت عائدًا من قطاف الزيتون، شاهدت سيارة مرسيدس صفراء اللون و خلفها شاحنة كبيرة لم أعهدها في قريتي من قبل، قدّرت أن المخابرات الإسرائيلية قد دخلوا القرية لاعتقالي..قفزت بين شتلات التبغ وما هي إلاّ لحظات حتى طوّقت عناصر المخابرات بيتنا وشاهدت من بعيد رتلاً من الملالات والشاحنات الإسرائيلية تدخل القرية و تفتشها بيتًا بيتًا بحثًا عني...
أدركت حساسية الموقف ، فاعتمدت التفاعل مع المحيط والجغرافيا بهدوء..سمعت بعض الجيران من شرفات المنازل ينادون بعضهم (الحمدلله زَمَط) أي نجا ولم يعتقلوه...
قفزت عن الحائط إلى أن وصلت إلى بيت قديم مؤلف من طابقين، وجدت امرأة في العقد الثالث من العمر تحمل بين يديها طفلٌ صغير
 ويمسك فستانها طفل آخر...
عندما شاهدتني صرخت "أنت هنا ! إنهم يفتشون عنك..اهرب، لا تجعلهم يعتقلونك "...
في تلك اللحظات بدأ الجنود يفتشون المنازل المحيطة بالبيت الذي أقف تحت سقف شرفته...فتشتُ يميناً ويساراً ﻷجد مكاناً آمناً أختبئ فيه، وجدت غرفة سفلى لها باب حديدي قديم مقفل بجنزير صدأ، دخلت تلك الغرفة أحمل مسدسي الخاص منبهاً المرأة صاحبة المنزل طالبا إليها القول إنها لم  تران عند دخولي كي أبرّئها من قضيتي إذا اعتقلت...
ما إن وطأت قدماي أرض الغرفة حتى علا صوت هرج ومرج، حشد من الدجاج و أكياس من التبن...
الديك كان يعتلي منصة التبن ،ويخطب بجمهور الدجاج ويدعوهم إلى طردي من داخل مملكته، والدجاج متفاعل معه ويصرخ " بكعكعات" متصاعدة ؛ الدجاج  يريد إخراج الدخيل...اشتدت حماسة الجمهور، رأيت مجموعات من الدجاج تلتف حولي من غير جهة...
في تلك اللحظات سمعت وقْع أقدام وكلاما معادٍ باللغة العبرية، وصوت الدجاج يتعالى من كل حدب وصوب ما يشير إلى وجود أمر ما في تلك الغرفة !...
احترت ماذا أفعل، جهزت مسدسي ، وقررت الدفاع عن نفسي عند دخول الغزاة...
لحظةٌ لا يشعر بها إلا من عايشها، لحظة تجلّ مع رب العالمين، لم يبقَ لي إلا الله..لحظة شعرت بأنّ الله قريب مني أناجيه كصديق حميم، أكلمه ببساطة كونه البسيط غير المركّب، كلمات ما نسيتها من ذلك اليوم :
"يا رب، إنت بتعرف إني عم إشتغل في سبيلك، إنت قادر تنشنلي من هالضيقة، إنت اللي نجّيت يوسف من البئر وإبراهيم من النار...يا رب سلّمت أمري إلك "...
لم أفلسف كلماتي ، ولم أدعه بالعربية الفصحى ، ولم أتضرع إليه  كمتعبد في مسجد  .تكلمت مع ربي بقلب قوي حزين وانا في صراع مع الزمن .لا بد من أن يحصل شيئا كلني ثقة بأم آلله معي والى جانبي ،  والدجاج يصرخ من حولي و ينظر إلييّ...إلى أن حدثت المعجزة، هدأت الثورة، هدأ الحراك و سكت الدجاج، نزل الديك عن منصته ناسيًا ثورته، وبدأ يتسامر مع دجاجاته بألغاز لم أفقهها...
سمعت أقدام اليهود تقترب من شرفة المنزل، سمعت جنديا يسألها أين المخرّب...طقطقات نهنهات، والله لا أعلم ما نطقت به تلك المرأة حين سألها عني.. تقدم الصهيوني إلى باب الغرفة التي اختبأت في زاويتها 
و من حولي حرّاس من الدجاج الإلهي ! لاحظتهم ينظرون إلى الباب،
 و هذا انعكاس لشيء ما، الجندي نظر إلى الغرفة، ترك مكانه وكلّم من معه بلغة عبرية، فهمت من النتائج والصوت أنّ الأقدام ابتعدت والكلام انتهى ! ...
نظرت من خلف الباب و إذ بصاحبة الدار تجلس على الأرض تنظر يميناً و يساراً و لا تنطق بكلمة...
لحظات و سمعت صوت آلياتهم تنسحب من القرية من دون صيد...
و هكذا استمرت المسيرة ،واندحر العدو و تحررت الأرض، وبقي الديك على منبره والدجاجات  حلمه التاريخي.
* : هذه الغرفة التي آويت اليها متخفيا من المحتل الصهيوني ساعة مداهمته لقريتي بحثا عني...لم أشاهدها منذ ٣٥ سنة.

د .ناصر عليق.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك