القائمة الرئيسية

الانتخابات الأوروبية: أي وجه لأوروبا سيكون؟

01-06-2019, 19:29 الانتخابات الأوروبية: أي وجه لأوروبا سيكون؟

سركيس أبوزيد

كرّست الانتخابات الأوروبية واقع أن اليمين المتطرف يقوى ويصعد في أوروبا، وأن "الأحزاب الشعبوية" تسجل تقدما في اجتذاب أصوات الناخبين. شكلت انتخابات البرلمان الأوروبي محطة إختبار لأحوال الكيان الأوروبي ومساره، خاصة بعد التغييرات العميقة التي طرأت على الھيكلية الحزبية التقليدية في دوله الوازنة . لم يسبق أن حازت انتخابات البرلمان الأوروبي على ھذا الإھتمام الذي دفع إليه صعود أحزاب اليمين المتطرف، الموسومة بوصمة الشعبوية والعصبية القومية، مثل حزب القانون والعدالة البولندي الحاكم، وحزب فيدز الھنغاري، وحزب الديمقراطيين السويدي، وحزب التحالف الفلمنكي الجديد في بلجيكا، وحزب الجبھة الوطنية في فرنسا، والحزب البديل في ألمانيا، والحركة الشعبوية في إيطاليا.

كذلك لم يسبق أن شارك الأوروبيون باھتمام وكثافة في انتخابات البرلمان الأوروبي، وإنما اعتادوا مشاركة متدنية جدا لاعتباره مؤسسة ذات صلاحيات محدودة مقارنة بغيرھا من المؤسسات الأوروبية الأخرى، خصوصا المفوضية التي ھي الذراع التنفيذية الفاعلة للاتحاد، والمجلس الذي له كلمة الفصل في القرارات السياسية. هذا الإھتمام  ناشئ عن السعي إلى الإمساك بأوراق الصراع على الرئاسة المقبلة للمفوضية التي يتولّاھا جان كلود يونكر الذي تنتھي ولايته مطلع الصيف المقبل.

ستيف بانون المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب تنبأ بأن انتخابات البرلمان الأوروبي سوف تحدث زلزالا حيث ستستحوذ الأحزاب المشككة في الاتحاد الأوروبي على دفة الأمور. ولھذا فھي تثير حالة من القلق والترقب في بروكسل عن طريق التعھد بإعادة بناء الاتحاد الأوروبي على صورتھا الخاصة.
 
فالانتخابات جرت في ظل ظروف صعبة، فأوروبا على مفترق تاريخي خطير في مشروع وحدتھا الذي قام منذ تأسيسه على تحقيق الرخاء الاجتماعي وتوسيع مجال الحريات العامة والفردية وبناء قوة اقتصادية وسياسية قادرة على المنافسة. ھذا المشروع الذي كان يحظى بدعم شعبي واسع، بدأ يفقد بريقه بفعل الأزمة المالية التي كان تأثيرھا قويا على الدول الأقل نموا. ووجد اليمين المتطرف في ھذه الأزمة وسيلة للتشكيك في ھذا المشروع واعتباره مكلفا لدول الاتحاد القوية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وھي الدول التي تعرف صعودا قويا لقوى اليمين المتطرف.
 
كما اتخذت أطراف الصراعات السياسية على القيم الأساسية من ھذه الانتخابات سبيلا إلى تحقيق مصالحھا وأھدافھا لأول مرة في تاريخ الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه. وعلى الرغم من تعدد الكتل النيابية في البرلمان الأوروبي إنقسم المشھد السياسي إلى فريقين:

الأول:"متمرد" يشكك في نجاعة مشروع الوحدة الأوروبية ويدعو إلى تفكيكھا أو الانسحاب منھا كما حصل مع بريطانيا، وھو فريق صاعد ولو أنه لا يملك حتى الآن الأغلبية.

والثاني: فريق "تقليدي" متمسك بمشروع الوحدة الأوروبية ويعتبر التراجع عنھا بمثابة الكارثة، لكنه في تراجع مستمر.

يضاف إلى ذلك تعھد الزعماء الشعبويين بقلب المشھد السياسي في أوروبا، متبعين خطى الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية عام 2016 وما حققه البريطانيون في استفتاء مغادرة الاتحاد الأوروبي. ويكمن ھذا النھج في تعطيل القوى الموجودة، ومكافحة ما يعتبرونه نخبة، وتحذير الأوروبيين الأصليين من المھاجرين الذين يتجمعون على حدود بلادھم مستعدين لسرقة وظائفھم وثقافة البيض.

في المقابل توقع مراقبين أن يكون لهذه الانتخابات تداعيات، منها:

ـ فوز القوى المشككة بالاتحاد بأكثر من 33% من المقاعد قد يمنحھا القدرة على تأليف أقلية يمكن أن تمنع بعض الإجراءات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، وتجعل تبني التشريعات الجديدة أكثر صعوبة.

ـ تعديلات حقيقية ستطرأ على خريطة التحالفات الحزبية إذا ما ذھبت الأغلبية بعيدا عن الكتلتين الرئيستين، حزب "الشعب الأوروبي" ويجمع أحزاب المحافظين، وحزب "الاشتراكيين الأوروبيين" ويجمع الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية الشعبية.

ـ إنقسام المؤسسة التشريعية للاتحاد إلى ثلاث كتل نيابية قوية: كتلة تقدمية، كتلة اليمين المحافظ، وكتلة اليمين المتطرف المناھض للاتحاد. وھذا يُنذر بأزمة سياسية وصعوبة تشكيل أغلبية قادرة على انتخاب ھياكل المؤسسات الأوروبية من رئاسة البرلمان ورئاسة الاتحاد واللجان، وكذلك الحفاظ على التوافقات التي ميّزت السياسة الأوروبية حتى الآن، سواء على مستوى الداخل الأوروبي أو الدولي.

ما يثير قلق اليسار وجماعات حقوقية ومؤيدة لمزيد من استقبال اللاجئين، أن القارة بدأت تركع أمام اكتساح الفكر الشعبوي لخلق قلعة أوروبية مغلقة، وأن الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة وجدت في ملف الھجرة مطية مناسبة لاقتحام حصون الأحزاب الأوروبية التقليدية والنفخ في موجة "الإسلاموفوبيا"، وولوج البرلمانات عبر بوابة الانتخابات وشعارات التخويف من المھاجرين القادمين لسرقة الوظائف وتھديد النسيج الاجتماعي والثقافي لأوروبا.

لقد تحوّلت مشكلة الھجرة واللجوء الى أزمة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وأصبحت "قضية رأي عام" ملتھبة، و"حصان طروادة" للحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة. ويبدو أن ھذه الأزمة ھي الامتحان الأكبر لكيان الاتحاد الأوروبي منذ قيامه، وأن الخروج منھا صعب ومعقد بسبب خلافات أوروبية عميقة، وبسبب تغييرات كبيرة طرأت على النظام الدولي، خصوصا بعد وصول ترامب للسلطة في الولايات المتحدة، وفرت للأطروحات الشعبوية واليمينية المتطرفة بيئة ملائمة للتكاثر وتمدد النفوذ سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة نفسھا. وفي سياق ھذه التغييرات، تبدو العملية التكاملية في أوروبا الآن محاصرة من الداخل والخارج، ومحشورة بين مطرقة نزعات متطرفة تھددھا من الداخل، وسندان نظام دولي جديد يھددھا من الخارج.

يضاف إلى أن الزلزال الذي أحدثه تكريس صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية في الانتخابات الأوروبية لن تكون له التداعيات التي كانت تنشدھا ھذه القوى في البرلمان الأوروبي، الذي ما زال تحت سيطرة أحزاب أوروبية التوجّه، رغم التراجع المتوقع للكتلتين المحافظة والتقدمية اللتين تقاسمتا السلطة فيه منذ تأسيسه. وليس واردا أن تقيم ھاتين الكتلتين أي تحالف مع القوى الصاعدة التي خاضت معركتھا تحت شعار "دكّ أسوار القلعة الأوروبية من الداخل".

تقف أوروبا أمام باب غامض، تتحرك نحو مستقبل تتضارب فيه عواصف الأمل والإختلاف  بين تيارات وطنية وتدخلات خارجية واستراتيجيات دولية جديدة. فالانتخابات البرلمانية الأوروبية إكتسبت أھمية قصوى لأنھا ستحدد شكل أوروبا في المستقبل على مدى السنوات الخمس المقبلة، في ظل التنافس بين قوى يمينية متطرفة والتيارات الليبرالية التقليدية وصعود خطاب مناھض للمشروع الأوروبي ككل، وفي ظل توقعات بالتغيّرات التي ستطرأ على المشھد السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، لا سيما في ما يتعلق بحدوث إنقسامات جديدة ستزيد من تعقيدات الأوضاع في ساحة مليئة بالأزمات والصدامات قد تغير وجه اوروبا.

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك