القائمة الرئيسية

الانهزام الفكري والنفسي في القضية الفلسطينية

27-06-2019, 12:55 الانهزام الفكري والنفسي في القضية الفلسطينية
 
د. أيمن عمر / باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
 
إن أكثر ما يدمي القلب ويدمع العين هي حالة التعاطي من قبل الشعوب العربية والاسلامية مع القضية الفلسطينية وردّات أفعالها مع حالات التطبيع العلنية والتي ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة. ففي 29 أيلول من الشهر المنصرم قامت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية  بزيارة رسمية لأكبر مسجد في دولة الإمارات العربية المتحدة برفقة مسؤولين رسميين، متباهية بهذه الزيارة، لا تمشي على استحياء بل متبخترة تبختر الطاووس لتيقّنها علم اليقين عن حالة الانحطاط النفسي والفكري للشعوب العربية والإسلامية، ولما لهذا الأمر من تأثير على فلسطين والمسجد الأقصى. فالوزيرة  تدرك أنها إذا سارت و مَشَت مشية الخيلاء في مسجد وبيت من بيوت الله من دون ردات فعل تزلزل الأرض تحت أقدامها من شعوب اعتادت الخمول والخنوع، فمعنى ذلك أن المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، ليس له أي قيمة في وجدانيات ومشاعر هذه الشعوب.
وتزامنت هذه الزيارة مع زيارة قام بها "نتن ياهو" إلى الجارة عُمان، مع استقبال الأبطال الفاتحين على أبواب صفقة القرن الملعونة. وكم كان المسؤولون الإسرائيليون سعداء بعزف النشيد القومي اليهودي المتطرف على أرض قطر ضمن ألعاب رياضية، وما سيستتبعه من مشاركة إسرائيلية في مؤتمر "إثراء المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط" الذي تنظمه وزارة الخارجية القطرية. هذا إذا أضفنا إلى ما تقدم قيام مسؤولين إسرائيليين بزيارة إلى تشاد لمناقشة استئناف العلاقات بين الدولتين. هذا في الظاهر، وما خفي من الزيارات المتبادلة والعلاقات المستترة أعظم.
فإذا كانت هذه الأنظمة تسعى بكل ما أوتِيَت من وسائل وأساليب جهاراً نهاراً ، سراً وعلانية، لتمرير صفقة القرن، ولتطبيع الشعوب العربية وتدجينها على قناعة اعتبار هذا الكيان المسخ الغاصب هو أمر واقع يجب التعايش معه، وهو ضرورة عربية وإسلامية لمواجهة الأعداء الحقيقيين للأمة العربية وهم الفرس (بحسب زعم هذه الأنظمة). فإن المستغرب هي حالة انبطاح الشعوب العربية في مستنقعات الانهزام النفسي. وكأن هذه الأنطمة قد نجحت في مبرر إنشائها ووجودها منذ أربعينيات القرن الماضي في قصف عقول شعوبها، وبرمجتها عبر آلاتها الإعلامية وسياساتها الاقتصادية ومناهجها الاجتماعية وأدواتها الثقافية، ونزع كل ما يمت إلى القضية الفلسطينية انتزاعاً من أيديولوجيات وثقافة ووجدانيات الشعوب التائهة في دهاليز البحث عن الذات.
ولتجدّن أشد الناس عدواة للذين آمنوا ليسوا اليهود كما يجب أن يكونوا بالنص القرآني الكريم. جلّ ما يطمح إليه الإنسان العربي اليوم هو الحصول على لقمة عيش رغيدة، واستقرار أمني ونفسي، وعلاقات اجتماعية راقية، وتأمين مستقبل واعد لأبنائه، وتوفير ما يلزم من متطلبات الحياة السعيدة. وإذا تفاعل مع قضاياه الدينية والوطنية والقومية، فيستطيع أن "يفش خلقه" ويقيم الدنيا ولا يقعدها وينشئ الحروب الشعواء ويزلزل الأرض زلزالاً، وطبعاً كل ذلك على حاملات الصواريخ الفايسبوكية.
لم يعد لهذه الأمة، وللأسف الشديد، أي شعور بالنخوة والانتماء والكرامة والعزة. نحن لم نعد نحن. تُهنا مع ذاتنا في ذاتنا. وأصبحت الأنا والماديات متحكمة في مفاصل حياتنا. وندّعي أننا نطلب رضا الله ونستجلب رحمته ملتزمين بعبادات روتينية تحوّلت إلى فولكلور مجتمعي، متناسين المقدسات والقضايا. ولعمري إنّ هذا لهو قمة الانحطاط الفكري والانهزام النفسي..
 
 
 
 
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك