القائمة الرئيسية

"إسرائيل" واختلال الموازين, قراءة استراتيجية عن الكيان الصهيوني

02-07-2019, 07:36 دبابة صهيونية
إضاءات

كشفت حروب (إسرائيل) في مواجهة الجيوش غير النظامية، عن عددٍ من نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في أي مواجهة قد تندلع مع "محور المقاومة"، صورة الجندي الإسرائيلي الذي لا يهزم لم تعد صافية كما السابق، فمنذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني عام 2000 ثم من غزة عام 2005، أضحت امكانية إلحاق الهزيمة الموضوعية التي يمكن المراكمة عليها وصولاً لتحقيق الانجاز الكبير واردة، ومع أن (الجيش الإسرائيلي) قاتل في حرب العام 1973 على جبهتي "مصر وسوريا"، إلا أن نقطة التمايز مع حروب اليوم، هي أن القوى التي تقاتله هي مجموعات (هجينة)، تزاوج بين عقيدتي قتال الجيوش النظامية وحرب العصابات.

هذا التقرير، مبنيُّ على فرضية طرحتها استراتيجية الجيش الإسرائيلي لعام 2018، ترجّح أن تنخرط قوى المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين في حرب ستندلع في وقتٍ ما، وسنرصد نقاط التهديد البنيوية التي تعاني منها (إسرائيل) على الصعيدين الداخلي كـ (دولة ومجتمع) والخارجي، كـ (احتلال) محاطاً بالأعداء والجماعات التي ترفض فكرة تطبيع العلاقات معه.

وتمت الاستعانة في اعداده مع عدد من الباحثين والمختصين، إضافة إلى قدرٍ واف من الترجمات والكتابات ذات العلاقة المباشرة بالموضوع.

الجبهات الخارجية المشتعلة
-الحدود اللبنانية
بالنظر إلى الفارق الزمني الكبير بين آخر الحروب التي خاضتها المقاومة اللبنانية مع (إسرائيل) ، فإن الإستناد في تقييم مستوى التهديد الذي تمثله جبهة لبنان، بالنظر إلى حرب لبنان الثانية 2006 _كما يسميها الإسرائيليون_ لن يقدم نتيجة دقيقة، بالمقارنة مع حجم التجارب التي خاضها مقاتلو "حزب الله" في سوريا، وحجم ونوعية السلاح الذي تمت مراكمته ، إلا أن تلك الحرب مثلت الاختبار الأول من نوعه لجيش الاحتلال في مواجهة تنظيم عسكري يمزج في عقيدته القتالية بين "حرب العصابات" وحرب "الجيش النظامي".
أحدث الأداء القتالي للحزب مفاجأة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، أدت هذه المفاجأة إلى تغيير الأهداف العسكرية للحرب أكثر من مرة، ما أدى إلى تآكل عدة نقاط أساسية في العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي، ومن أهمها الإنجاز السريع لأهداف الحرب.

وبالنظر إلى عديد القوة التي شاركت في الحرب، فقد أفرز الجيش فرقتي مشاة، بالإضافة إلى ثلاثة فرق من سلاح المدفعية، بينهم طواقم عمل 370 دبابة (مريكافا)، بالإضافة إلى مشاركة سلاحي الجو والبحرية، وتجنيد 89 ألف جندي من جيش الاحتياط، إضافةً إلى تجنيد أعداد أكبر لمهمة حفظ الأمن .
هذه القوة الكبيرة كان في مواجهتها بضعة آلاف من مقاتلي حزب الله، الذين استطاعوا عرقلة عمل القوات المتقدمة، وإلحاق صدمات كبيرة على صعيد التكتيك والسلاح المستخدم، فضلاً عن المحافظة على مستوى ثابت في حجم الصواريخ التي أطلقت باتجاه الداخل خلال الحرب، فاعترف الاحتلال بمقتل 44 مدني إسرائيلي" وإصابة 2000 آخرين، بالإضافة إلى مقتل 121 جندي وإصابة 600 آخرين، أما على صعيد المعدات فقد اعترف الاحتلال بإصابة 52 دبابة بينهم 5 دبابات دمرت بالكامل، بالإضافة إلى إسقاط مروحية نقل، وإصابة سفينة حربية .
الخسائر المادية كانت أقل الخسائر، فلقد أحدثت الحرب زلزالاً على المستوى العسكري والسياسي؛ ففي أعقاب الحرب، استقال رئيس هيئة الأركان "دان حالوتس" ووزير الدفاع "عمير بيرتس"، بالإضافة إلى عدد من قادة وضباط الجيش، منهم قائدة المنطقة الشمالية "أودي أدام"، وقائدي فرقتين بريتين وقائد سلاح البحرية.
وربما يصح القول، أن حرب العام 2006 تمثل قطرة في بحر ما راكمه حزب الله خلال عشرة سنوات ماضية من السلاح، فضلاً عن مقدار التجربة التي تحصّل عليها مقاتلوه في سوريا والعراق، بالنظر إلى أن "الحزب" كان يقاتل على أراضٍ مغايرة لبيئته التي تمرّس فيها، وفي مواجهة عدو مغاير في عقيدته القتالية وأساليبه عن "الجيش الإسرائيلي"، فضلاً عن ما اكتسبه المقاتل اللبناني من ميزة الانخراط مع جيوش متباينة الأساليب في ميدان واحد ( الجيش الروسي – السوري – المقاومة العراقية – فيلق القدس الإيراني) كل تلك التجارب ساهمت بكل تأكيد في رفع الكفاءة القتالية لـ حزب الله ما سينعكس بشكل رئيسي على أداءه في أي معركة مقبلة مع (إسرائيل).
لوجستياً، يمكن لنا التنبؤ بما أصبح يمتلكه "الحزب" عسكرياً، إذا ما علمنا أن صاروخاً دقيقاً وذا قوة تدميرية كبيرة كـ (الفاتح 110) كان متوافراً عام 2006، لكن ظروف المعركة لم تستدعِ استخدامه، هذا في مجال الصواريخ البرية، أمّا على صعيد البحر، فيمكن الحديث عن أن (ياخونت) الروسي، هو أحد المفاجآت التي تجاوزها حزب الله، لكن ماذا عن الجو ؟ يترك "الحزب" الفراغ شاغراً أمام الإجابة .


قطاع غزة
إلى جانب المشاكل العميقة التي يعاني منها القطاع، على الصعيد الإنساني والسياسي، تدرك (إسرائيل) أن "غزة" يمكن أن تقوم بدورٍ خطير إذا ما قررت أن تخوض غمار مواجهة عسكرية بالتزامن مع اشتعال جبهتي "لبنان وسوريا" .
بمقاربة موضوعية بين حرب العام 2014 وبين أيَّ حرب سيكون القطاع جزءً منها، فإنه وبرغم محدودية الفعل المقاوم للمقاومة في غزة لجهة الامكانيات قياساً بما تمتلكه الجبهات الأخرى، فإن الجيش الإسرائيلي عمد إلى تنفيذ هجوم جبهي على طول حدود قطاع غزة، ما اضطره للزجّ بأربع ألوية مدرعات وهي (اللواء 401 _المسلح بدبابات مركافا 4 باز المزودة بنظام تروفي المضاد للصواريخ المضادة للدروع_، واللواء188، واللواء 7، واللواء 460)، وقد زجّ أيضاً بخمس ألوية مشاة نظامية هي (لواء المظليين ولواء النحال ولواء جولاني ولواء 828، إضافة إلى قيادة المنطقة الجنوبية وسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي وسلاح البحرية وسلاح الهندسة القتالية التي عملت ضمنها وحدة يهلوم المختصة بتدمير الأنفاق) كما عملت الوحدات الخاصة التي شملت (سرية هيئة الأركان، شيطط13، وحدة شلداغ، وحدة 669، ووحدة ماجلان، ووحدة ريمون، ووحدة عوكتس، ووحدة دوفدوفان، والكتيبة 569، ووحدة ماجلان، ووحدة ايجوز، وسلاح المدفعية) بالإضافة إلى الوحدة الخاصة بتشغيل طائرات الاستطلاع من نوع راكب السماء ، ووصل مجمل قوات الاحتياط التي تم استدعها إلى حوالي 86 ألف جندي .
ورغم حجم القوات الضخمة التي دفعتها "إسرائيل" إلى المعركة، إلا أنها لم تنجح في تحقيق إنجازات عملانية على الأرض، سوى حجم الدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتية ومنازل المدنيين.
وبالنظر إلى حجم القوات التي احتاج إليها الاحتلال للدخول في حرب على جبهة غزة التي تصفها استراتيجيته عام 2018 كأضعف الجبهات، فإن القطاع يمكن أن يشكل جبهة استنزاف وارباك حقيقية لـ "إسرائيل"، ناهيك، عن أن أيَّ تراكم للقوة على الحدود يحتاج إلى اشغال قوات وقائية لا يمكن لها أن تترك مواقعها، (على فرض) أن القطاع سيبقى محايداً في حربٍ كتلك.

على صعيد السلاح، ليست منظومة الصواريخ هي من تجعل مقاومة غزة الخطر الحقيقي على الاحتلال، إذ أن (إسرائيل) تعتبر منظومة الأنفاق التي أنفقت "حماس" جهداً كبيراً في انجازها، هاجساً ميدانياً قدّم أفضلية كبيرة للجندي المقاوم، وأفقدت سلاح الجو الإسرائيلي قدراً هاماً من تميزه.
في خلاصة الأمر، تظهر غزة حجم الاستنزاف والجدية الذي أنفقه الجيش الإسرائيلي للسيطرة عليها، وهذا هو حالها منفردة، فأي دورٍ يمكن أن تؤديه في حروب الجبهات المتزامنة ؟
الجولان.. ومنهجية القنطار
ليست المعطيات في هذه الجبهة واضحة، لكن هذه البقعة الفاصلة بين الأراضي الفلسطينية والسورية يمكن تجهيزها عسكرياً، فبعيداً عن حاجز "الايدلوجيا" يمكن القول أن تجربة الشهيد سمير القنطار أثمرت خلال مدة وجيزة عن التأسيس لنواة مقاومة محدودة، لكن التهديد على تلك الجبهة لا ينحصر فيما يمكن بناؤه من "سكان الجولان" أنفسهم، ومن القرى المحاذية للجولان على الحدود السورية .
فثمة دولة –سوريا- بكل ما تمتلكه من مقدرات بشرية وعسكرية ومالية وجغرافية، لا زالت تعتبر نفسها مكوناً رئيساً من مكونات "محور المقاومة"، واضحى حضورها في هذا المحور أكثر ثباتاً بعدما استطاعت التعافي من حرب استمرت لسبعة سنوات متتالية.
تشعر "سوريا" اليوم بأنها بوراد القيام بدورها على شاكلة أكثر وضوحاً، خصوصاً أنها الدولة العربية الوحيدة بعد "لبنان" التي لم توقع اتفاقية سلام مع (إسرائيل)، إلى جانب امتلاكها لقضية (تشرعن) لها العمل دولياً على حلها، وهي احتلال الجولان.
حتى اللحظة، ليس من الواضح إن كان باستطاعة "سوريا" الدخول فعلياً في حرب مع (إسرائيل) خصوصاً أن دخول "دولة" على خط الحرب، سيغير جذرياً من طبيعة المعركة، لكن الأكيد، أن "خزّان السلاح" الذي موّل "لبنان" بحربه عام 2006، سيضخ مزيداً من القدرات والخبرات لمختلف التشكيلات المقاومة، وسيغدو جبهة أكثر توتراً من ذي قبل، خصوصاً أن تسليم (إسرائيل) بحسم القضية السورية على حسابها ومع وجود إيراني متزايد، سيعتبر تسليماً بواقع لم تنتظره في أسوأ كوابيسها.

 

نقاط الضعف الداخلية
الضفة المحتلة.. البركان الخامد
لا ينفي واقع الصراع الذي تعيشه الضفة الغربية المحتلة عنها وصف الجبهة، فهي "جبهة خاملة" من حيث الفعل المقاوم، قيدتها مجموعة من العوامل والسياسات المعقدة التي مورست عليها خلال خمسة عشر عامٍ مضت (إقرأ ملف الإندماج الأقصى) ، لكن برغم ذلك، لا يمكن التنبؤ بالحالة التي ستكون عليها إذا اندلعت معركة شاملة ومتعددة الجبهات، خصوصاً بعد ارتطام المشروع السياسي الفلسطيني بجدار الأطماع الاسرائيلية التي لا تتوقف، التي لم يكن آخرها ضم القدس والمطالبة بشرعنة البؤر الاستيطانية التي تلتهم مساحات شاسعة من أراضِ الضفة المحتلة.
فاق التغول الاسرائيلي حدود المرونة و(السخاء) الذي تقدمه القيادة الفلسطينية في تعاطيها مع الاحتلال، هذا التغول يشكل خطراً على مستقبل التلاحم الجغرافي لمدن الضفة، وعلى صلاحية تلك المدن المتناثرة لإقامة أي كيانية للفلسطينيين.
وأمام عقم الخيارات السياسية، ليس من المضمون أن تستمر الواقع المقام على حاله إلى ما لا نهاية.
هذا الاستعراض يساهم في طرح فرضية الدور الذي يمكن أن تؤديه الضفة، ويكفي هنا القول: أنه في "انتفاضة السكاكين" التي اندلعت في تشرين 2015، استعانت "إسرائيل" بـ 27 ألف جندي لمحاربة ثورة الشبان، مع العلم أن جيش الاحتلال الإسرائيلي اكتفى بـ 11 ألف جندي لمواجهة الانتفاضة الثانية مطلع العام 2000.

وتبدو المساحة الجغرافية عاملاً من عوامل التحدي الذي سيواجه الجيش في التعاطي مع أي حراك يمكن أن يشتعل، خصوصاً أن تلك المساحة توفر تداخلاً عميقاً بين الفلسطينيين ومستوطنات الاحتلال وجنوده، ما يوّفر إمكانية مواجهة مثمرة في حال تمكنت من تحصيل إمكانيات عسكرية محدودة، ناهيك عن مستوى الضغط والإرهاق الذي ستدخل فيه الجيش الإسرائيلي في حال تزامن حدوث حراك شعبي بدائي مع حرب متعددة الجبهات.
هذا العبء ليس فرعياً ولا ثانوياً فهو أحد أهم الأسباب التي دفعت الاحتلال للانسحاب من قطاع غزة، فمستوطنات قطاع غزة كان يقطنها 8000 مستوطن، يقوم على حمايتهم 3000 جندي، أي أن كل 2.5 مستوطن كانوا بحاجة إلى جندي لحراستهم.
نقاط الضعف البنيوية

فلسطينيو الداخل.. القنبلة الموقوتة
لا تُغفِل (إسرائيل) الخطر الذي تشكله "الكتلة الفلسطينية العربية" التي تتوسط كيانها، فهم، يرفضونها "بأضعف الإيمان" تلك القاعدة تشكل استعداداً فطرياً يمكن توظيفه من قبل "أعدائها" استخبارياً وعسكرياً بالحدود الدنيا.
سكان منطقة المثلث وإن كانوا بعيدين عن إمكانية تشكيل انتفاضة شاملة، بالنظر إلى مجموعة الظروف المعقدة التي تحيط بوجودهم داخل "الكيان"، فإن فرضية القيام بـ"عصيان مدني" يمكن لها أن تقلب الجبهة الداخلية للاحتلال، وتساهم بدرجة كبيرة في اشغاله، فضلا من ذلك، لا يعتبر سيناريو القيام بعمليات فردية أو منظمة بعيداً عن الواقع، فقد قدم الشهيد نشأت ملحم الذي يعمل والده داخل المنظومة الإسرائيلية، وكان قد نفذ عملية عسكرية مُحكمة أرهقت إسرائيل لثلاث أسابيع، نموذجاً، ليس من المستبعد محاكاته واستنساخه. 
نقطة الضعف هذه إن استغلت في حدودها الدنيا أي بدون العمل المسلح، ستساهم بكل تأكيد في إحداث تصدع قومي، وبالنظر إلى نسبة العرب المتواجدين في "إسرائيل" التي وصلت لـ 20% بواقع 1.808 مليون نسمة، منهم 300 ألف فلسطيني يسكنون مدينة القدس المحتلة، و20 ألف سوري يسكنون هضبة الجولان، فإن هذه النسبة "المخيفة"، تقدّم تصوراً عن مستوى الخلل والإرباك الذي يحدثه تحركهم. 
جيش يملك دولة .. بلا مناعة
يكفي أن يترّصد باحث كم ترد مفردة "التهديد الوجودي" في حديث القادة الإسرائيليين، ليوقن كم يعيش هذا الكيان أزمة النقص والدفاع المستمر عن البقاء، وإذا كانت الدول تبني جيوشاً لتحميها، فإن "إسرائيل" بنت جيشاً امتلك دولة، وبعيداً عن البحث في جذور النقص التي تعيشها "الشخصية الإسرائيلية" التي تلاحقها هواجس الإبادة والتهجير المتلاحق، فإن أي عملية عسكرية تحدث داخل "إسرائيل" تدفعها لرفع" تيرمو" متر الخطر إلى مرحلة التهديد بالإزالة .

ومع إن لعب "إسرائيل" على )ميكانيزمات (دفاعٍ كهذه، تعتبره أحد جوانب قوتها التي استطاعت من خلالها تحويل مجتمعها كله للعمل كجيش احتياطيٍ يحامي عن وجوده، فإن هذا العامل بحد ذاته معرضٌ للاهتزاز، إذ أن أي هزيمة "أنيقة" يمكن أن تتعرض لها المنظومة العسكرية الأمنية، ستكون كفيلة بضرب إرادة القتال لدى المجتمع الذي سيفقد الثقة بتفوق الجيش واستمراره سيطرته على مفاصل تهديده.

كما أن شكل الهزيمة الذي تنتظره "إسرائيل" في أي حربٍ قادمة، سيكون صادماً عن ما ألفته خلال حروبها مع الجيوش العربية وحتى مع حركات المقاومة خلال الأعوام الماضية، وبالنظر إلى جبهة المقاومة الشاملة التي استطاع محور المقاومة تشكيلها، فإننا بانتظار حدث سيصيب عمق الوعي الجمعي لبنية المجتمع الإسرائيلي.

إسرائيل ذات أعراق مختلفة

بعيداً عن الوجود العربي المعاظم داخل "إسرائيل" تتبدى نقطة الطبيعة الطبقية التي يتشكل منها النظام المجتمعي في "إسرائيل" كإحدى أبرز عوامل الضعف، وأدّقها، إذ يتشكل "الكيان" من أشتات وأطياف مختلفة من جميع أنحاء العالم، فنصف سكانه هم مزيج غير متجانس من (اثنيات) وأعراق وثقافات مختلفة، أحدث التمايز بينها في مستوى المعيشة تصدعات انعكست على مستوى شعور الفرد "الإسرائيلي" بالمواطنة والاستعداد للتضحية في سبيل بلده، ويشكل (السفارديم) اليهود الشرقيين ما نسبته60% من المجتمع أمّا (الشكناز) الغربيين فيمثلون 40 % من بنائه.
تلك الطبقتين تعيش صراعاً مريراً في محاولة الاستحواذ على المناصب العليا في الدولة؛ (فالسفارديم) رغم انهم الاغلبية لكنهم يتمتعون بحوالي 30% من المناصب العليا في البلاد، فيما يستحوذ الغربيين (الشكناز) على70% من تلك المناصب.
كما أن هناك تصدعٌ مذهبيٌ ما بين الإصلاحين و الأرثوذكس (تنقسم الأرثودوكسية إلى: اليهودية الأرثودوكسية الحديثة واليهودية الحريدية).
وهناك ايضا، تصدع طبقي انطلاقاً من الأساس المادي، بين من يعيش مستوىً عالٍ من الرفاه، وما بين الطبقة الفقيرة، فثلث المجتمع الصهيوني من الطبقة الغنية، وثلثه من الطبقة المتوسطة، وثلثه من الطبقة الفقيرة، وهذا لا يعتبر النموذج المثالي للطابع الطبقي العام، ففي الدول الغربية التي تعيش ذات النموذج (الإسرائيلي) تستحوذ الطبقة الوسطى فيها على النسبة الأكبر، التي ربما تصل إلى 50_60%، مما يساهم في تحقيق استقرار بدرجة أكبر.

 

مفاعل ديمونة وحاويات الأمونيا: النيران الصديقة
في الوعي الإسرائيلي الذي يقوم على قاعدة: أن القوة هي الوسيلة الوحيدة لتغيير الوقائع، وإجبار الوعي المعادي على تقبلها، يتبدى السلاح النووي كأحد أهم ركائز هذا الردع، وهو الضمان الرئيسي لاستمرار وجود وأمن إسرائيل الدائم في الشرق الأوسط، لكنه وعلى ما يبدو، أصبح أحد نقاط الضعف القاتلة التي يعاني منها النظام الأمني الإسرائيلي.
هذه الأسلحة ذات القدرة التدميرية الرهيبة، استطاعت قوى المقاومة المحيطة تحويلها إلى فرصة بدلاً من التهديد، وقد شكل "ديمونا" إضافة إلى حاويات الأمونيا في حيفا، الورقة الرابحة التي لوّح حزب الله باستهدافها فأبعد عنه شبح حربٍ وشيكة كانت "إسرائيل" ستشنّها في غمرة انشغاله في سوريا عام 2015 -2016.
كذلك، استخدمت الدولة السورية ذات الورقة في شهر أغسطس من عام 2013، عندما هددت الولايات المتحدة بشن هجوم صاروخي على أهداف في سورية، هددت "دمشق" باستهداف مفاعل ديمونة بصواريخ بعيدة المدى، كرد على أي هجوم أمريكي.
ومع أن فرضية استهداف هذه المنشآت تبدو ردعية، إلا أن تحييدها يفقد (إسرائيل) مخلبها الذي تهدد به بإزالة أعدائها عن الوجود، فماذا عسى أن يفعل انفجار أحد تلك المنشآت في وجودها؟
الحلقة الأخيرة.. الجبهات المتعددة
لم يعطِ الاندلاق العربي للتطبيع مع "إسرائيل" خيارات أخرى لقوى المقاومة في تحديد وجهتها، ما كان مائعاً في السابق، أصبح اليوم أكثر وضوحاً، إذ أن ظهور دولٍ عربية بعينها في مركز التآمر على القضية الفلسطينية، أعاد " محور المقاومة" إلى مكانته التي عملت سبع سنوات من الحرب السورية على تجريده إياها، ولم يعد الحديث عن توحيد جبهات القتال فرضاً هلامياً، وبالتدقيق في حديث السيد حسن نصر الله عن هذه النقطة، ودعوته الصريحة لـ حماس للانضواء في إطار عمل مشترك، فإننا دخلنا بشكل عمليٍ في مرحلة التمهيد لتشكيل مثل هذا الحلف.
وبالانتقال من الفرضية إلى التطبيق، هل يمكن لحرب الجبهات المتزامنة أن تزيل إسرائيل؟ كيف ذلك؟
ومن سينتصر في هذه الحرب ؟

منطقية الانتصار
بلغة المنطق ليست الحرب بين قوى المقاومة المعادية لـ (إسرائيل) حربٌ كلاسيكية، أي أنه لا يمكن أن تنتهي حرب بنتيجة فاصلة، يحدد فيها المنتصر والمهزوم كـ لعبة كرة القدم، ففي حروب العصابات، الجميع يسجل نقاط ويراكمها، على طريق تحقيق الانتصار، الذي يتم برفع كلفة بقاء الاحتلال بشرياً واقتصادياً، وتدمير منظومته الداخلية وإضعاف سيادته على الأرض، وهذه التراكمات لا تحققها حرب واحدة، إنما يسهم الانتصار بحرب كبيرة في التأسيس لها .
عسكريا "اسرائيل" دولة صغيرة المساحة ، تمتلك حدوداً جغرافية طويلة جداً، فحدودها من الاردن 360 كيلو متر، ومع مصر 212 كيلو متر و مع سوريا 79كم، و مع لبنان 70 كم، فهذه حدود الطويلة لا تتناسب مع صغر المساحة .
لذا، فإن التغير الجوهري في مثل هذه الحروب يتمثل في كون المجتمع الصهيوني أصبح جزءاً من هذه الحرب، فإسرائيل التي تفتقر للعمق، كانت تعمد في السابق إلى نقل المعركة بعيداً عن حدودها لكن اليوم في مواجهة حركات التحرر، فإنها مضطرة للقتال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالحرب التي تدور داخل قطاع غزة أو لبنان تصل نيرانها إلى داخل المدن والتجمعات الإسرائيلية، مما يتسبب بشلل كامل لدولة الاحتلال.
يجمع المراقبون على أن اسرائيل لا تتحمل حرب طويلة على عدة جبهات ولا تستطيع الصمود امام الضربات الصاروخية المركزة و الهجمات على الجبهة الداخلية و العمق الإسرائيلي .
ويتفقون أيضا، على أن "اسرائيل" لا تستطيع مواجهة حرب العصابات اذا كانت كبيرة و طويلة مثلما حدث مع حزب الله، كما أنه من الممكن أن يفرض عليها حصاراً كاملاً من البر و الجو و البحر.
فالحرب متعددة الجبهات ستمثل تحدياً استراتيجياً لدولة الاحتلال، وستثير أسئلة جدية حو إمكانية استمرار بقائها، وبغض النظر عن نتائجها المادية على "إسرائيل"، إلا أنها ستضع حداً لغطرسة الاحتلال، وتفوقه العسكري.
وأمام الأسئلة الوجودية التي ستطرحها هذه المعركة، فإن كل عوامل جذب الاستثمار والمهاجرين الجدد فضلاً عن السياح ستنهار، وستصبح بيئة "إسرائيل" طاردة لكل عوامل بقاء واستمرار هذا الكيان.
أخيراً، لا يمكننا تصور تحقيق انتصار بالضربة القاضية، في مقابل جيش نظامي يمتلك أسلحة متطورة وامكانيات مهولة، لكن مراكمة الإنجازات لا شك أنها ستؤدي إلى الانتصار الكبير، كما أن نقطة القوة التي تتمتع بها حركات المقاومة، أنه لا يمكن هزيمتها بالضربة القاضية، فهي ليست جيشاً نظامياً سينهار انهياراً دراماتيكياً في أعقاب استهداف غرف القيادة والسيطرة الخاصة به، أو بعد هزيمة في معركة حاسمة، الحديث في حالة تنظيمات المقاومة يدور عن زمر قتالية تستطيع أن تستمر في القتال حتى النهاية، مما يعني أننا أمام حرب إرادات المنتصر فيها هو من يستطيع أن يصمد أكثر، وإذا ما استحضرنا جولات القتال السابقة وحساسية المجتمع الصهيوني لسقوط أعداد كبيرة من القتلى نستطيع أن نقول أن المقاومة التي تتحلى بإيمان كبير بقدسية وعدالة قضيتها هي الأقدر على الصمود والصبر.

شارك