القائمة الرئيسية

قصف إسرائيل للأراضي السورية في صمت عربي كئيب

03-07-2019, 09:15 دفاع جوي

سيزعجهم التّاريخ مرة أخرى، ولذا هو تاريخ وجب أن يكتب بتفاصيله التي يتغاضى عنها إعلام تواطأ عليه ثالوث: الإمبريالية/الرجعية/ تنظيم الإخوان وفروعه، ليبقى السؤال: إن كانت مشكلة سوريا هي إشكالية ثورة - مع أنّ الثالوث غير آبه لمعنى الإشكالية فلسفيا ولمفهوم الثورة  تاريخيا - فلم القصف المنهجي لسوريا من قبل المقاتلات الإسرائيلية؟

لقد قامت المقاتلات الإسرائيلية بقصف ريف دمشق وحمص ليلة الأحد انطلاقا من الأجواء اللبنانية، وتم قتل 15 شخص منهم 6 مدنيين، وهو ليس العدوان الصهيوني الأوّل وليس الصمت العربي الأول أيضا.

لا شكّ أن إسرائيل باتت عاجزة عن المجازفة باختراق الأجواء السورية تفاديا للدفاعات السورية منذ تعزيزها بنظام دفاع روسي متطوّر، ولكن العدوان مستمر مما يؤكد أن سوريا كانت ولا زالت آخر القلاع  العربية التي تقضّ مضجع إسرائيل. مقابل هذا العدوان استمرت جامعة الدول العربية في صمت وكذا دهاقنة صفقة القرن بينما لم نسمع للمعارضة السورية أي موقف، وهذا متوقّع لأنّها لا تملك رأيا مستقلا وهي منذ البداية تسعى للسلطة عبر دبابة تركية أو رجعية أو صهيونية. وسبق أن تحدث برهان غليون عن عدوان مثيل سابق بأنّ قصف إسرائيل لسوريا يأتي في سياق تفاهم أمريكي -روسي لإنهاء التواجد الإيراني في سوريا. الاختزال مغالطة، لكن برهان كما يوحي إسمه ليس برهانا منطقيّا، سوريا تملك كل سيادتها وإيران جاءت لتساهم كحليف بينما روسيا عبرت مرارا عن انزعاجها من العدوان الإسرائيلي ضد سوريا،  لكن من الذي يزعجه كل ذلك؟ برهان وسائر المعارضة في الخارج أصبحوا خير محللين لصالح إسرائيل ويقدمون رؤيتها كما فعل دهاقنة صفقة القرن. لم يعد العدوان على دولة عربية مثل سوريا يشكل حدثا، فالسهر يستمرّ والندماء يكملون أنشودة الهزيمة.

ومع ذلك لم يحم الوطيس ولم يعل الزعيق حين يتعلق الأمر بعدوان صهيوني على سوريا، حتى دكاكيك النّضال بالمراسلة التي تسعى لدخول تاريخ التضامن من مداخل الصّوت والعويل أحجمت عن فعل أي شيء، وجب أن تكون هناك مناسبة أو نستنطق الصخر في استوديوهات باتت هي التي ترسم خريطة النضال وكيفيته، لكي يتسنى شجب العدوان. وكان من المفترض أن ترفع جامعة الدول العربية عقيرتها ولو بالنّفاق لعقد اجتماع جدّي، فهذه دولة عربية تقصف، ولكن القوم توّا قرؤوا مخرجات ملتقى المنامة. كما كان يفترض أن تزعق دكاكين الزعيق قليلا، والواقع أنّ السّامري لم يعد داعية من بني إسرائيل بل بات السامريّ عربيّا.

لا شكّ أنّ حلفاء إسرائيل من ترامب "وأنت نازل" يعدون العدة لإنجاح صفقة القرن لكن لا يوجد اليوم من يعمل على نسفها غير الجبهة المناهضة لها، وهذه هي المعركة الحقيقية والباقي ثُغاء. لقد ربح محور المقاومة كل الشعب الفلسطيني لأنه في طليعة الرافضين لهذه الصفقة، ولأنّ لا أحد يملك مواجهتها إلاّ محور الممانعة حيث توجد سوريا. هذا مع أنّ أنشودة الإخوان تحديدا لا تكف عن القول أنّ سوريا لم تطلق رصاصة واحدة في الجولان، ولكن الإخوان يسكتون عن العدوان الإسرائيلي على سوريا ولم يفعلوا أي شيء ملفت أمام تحدّي اعتراف ترامب بالجولان لصالح الاحتلال. لقد انتهى زمن المغالطة، فالتاريخ يساهم في التفاف الحبل على عنق الدجل السياسي. هناك حرب بين إسرائيل وسوريا ولهذا راهن الجميع على تغيير قواعد الاشتباك بالإطاحة بالنظام السوري لأنّه ما بعده سيكون جزء من صفقة القرن.

لقد استمرت الدول العربية في تحديد سياساتها وفق المشاريع الأمريكية بما فيها الحمقاء كصفقة القرن ولم تلتفت إلى أنها إذ تربط سياستها بخطط تجريبية أمريكية تفقد ليس فقط سيادتها بل تعزز فكرة أنها لا تملك أي استراتيجيا على المدى البعيد. إنّها مهجوسة بالخوف من الآني لا من المستقبل. وتظل الدول العربية في تيه استراتيجي لأنها لن تغير المعادلة لسبب بسيط هو أن أمريكا نفسها عاجزة عن تغيير المعادلة. ويبدو أنّ التلويح بالحرب على طهران من قبل واشنطن والذي كان سيدخل المنطقة في موجة من الخراب عزز أيضا فكرة أنّ دولا كثيرة في الخليج تدرك أنّها الخاسر الأكبر في أي حرب من ذلك القبيل، فالإمارات نفسها تواصلت مع طهران ومع الروس على خلفية ذلك التلويح لكي لا تكون نقطة استهداف في هذه الحرب، والعرب الهائمون في الانخراط في هذه الأزمة لا يدركون أنّ وفدا إماراتيا زار طهران وموسكو لهذا الغرض.

تجاوز العدوان على سوريا كل العناوين المغالطة ليصبح قصفا على المكشوف من الأطراف التي فجرت الأزمة، فسوريا تتعرض لانتهاكات إمبريالية بمساعدة من حلفاء أمريكا وإسرائيل، لقد دخل العدوان على سوريا مرحلة الحقد، وما هذا الاستهتار بالقضية الفلسطينية سوى ردّ فعل على الهزيمة في سوريا، إنهم غيروا العناوين ولكن جوهر المعركة هي نفسها. وهذه هي القراءة الصحيحة لمسار الأحداث، إنّ محاولة زعزعة استقرار سوريا باسم ثورة حمقاء أسالت لعاب الباحثين عن السلطة والنفوذ والمصالح باءت بالفشل، بينما تسعى الإمبريالية والاحتلال إلى التنغيص على دمشق وحلف الممانعة بإيجاد طعنات ثأرية في خاصرة القضية الفلسطينية. وهذا ما سبق وتحدثنا عنه مرارا وهو أنّ معيار الثورة الصحيحة هو فلسطين، أي ثورة على حسابها هي ثورة مغشوشة وخداع في شروطنا العربية. تواجه سوريا اليوم إرهابا مضاعفا: إرهاب إمبريالي ورجعي وتطرّفي، وهي إذ تقاوم باستماتة فهي تاهن على مستقبل أفضل. سوريا ليست ضعيفة الآن بل هي الأقوى، هي من يستطيع أن يرفض ويشجب ويقاوم ويمارس سيادته على أرضه. نّ الخراب الذي حلّ بسوريا هو خراب أمة تقاوم الغزاة لكن الخراب الذي ينتظر القوى المعادية سيكون مرعبا، لقد دخلت الإفلاس بفعل الإنفاق على الحروب الخاسرة وهذه هي عتبة الخراب قبل حتى أن تدخل في مواجهة كبرى. لن تتخلى سرائيل عن فلسطين من دون مقاومة ولن تتخلى واشنطن عن إسرائيل من دون تلويح مستمر بالحرب ولن يتخلى الشعب الفلسطيني عن أرضه ولا المقاومة عن خيارها، وإذن المنطقة ستبقى مسرحا لإرادة القوة وقوة الإرادة.

يبقى العدوان الإسرائيلي على سوريا فضيحة لكل المعنيين بالصراع مع إسرائيل. فهذا الصمت المريب حين تتعرض أطراف دمشق وحمص لهذا العدوان يؤكّد أنّ المشكلة في سوريا هي مشكلة إسرائيل مع سوريا والباقي مجرد كومبارس في سيناريو رديئ الإخراج.

شارك