القائمة الرئيسية

إهانة الفلسطينيين هي إهانة لكل العرب هل لهزيمة بعض العرب نهاية؟

03-07-2019, 22:23 علم فلسطين

لن يكون هناك بعد اليوم سوى الاستفزاز، لقد فشلوا حتى حين كانوا يجتمعون في المنامة فهم لا يفعلون سوى إشغال الزمن بما ليس قابلا للتطبيق. ومع كل استفزاز وإهانة نكون أمام مؤشّر لفشل المشاريع الكبرى لتصفية القضية الفلسطينية. ليس لموقف سفير واشنطن ديفيد فريدمان وهو يشارك في عملية حفر نفق أو التصريح بحق إسرائيل بضمّ أراضي فلسطينية وعربية كل هذا هو تصريف لموقف ترامب الذي لم يترك في كيسه من وقاحة سياسية إلاّ وعرضها بلغة مقاول لا يعبأ بكرامة مستأجريه. ولم يكن العرب ولا فلسطين مستأجرة في شركة من شركاته، لذا فالعلاج المقاولاتي لمعضلة الشرق الأوسط من خلال صفقة القرن هو غباء عرّى على تدهور العقل السياسي الأمريكي نفسه وهو يتدحرج من عهود هنري كيسنجر إلى كوشنر. لقد ولّى زمن الكبار في أمريكا حتى حين كانوا منظرين للإمبريالية لندخل عصر "الولدنة" الإمبريالية التي ستنتهي بالصّدام. لقد ظلّت الديبلوماسية الأمريكية تعزف على نوتة ديبلوماسية من بعيد لا سيما في أزمة الشرق الأوسط تفاديّا للصدام، لكنها اليوم تتحرّش به من قبل قادة يجهلون علم نفس المنطقة. وربما أسقطوا وضعية الإرعاب في جيوب شتّى من الوطن العربي ليسقطوها على محور الممانعة. فالعمليات الاستفزازية تكشف عن أنّ الإمبريالية تمرّ من مرحلة صعبة في تقدير الموقف والسياسات وهي لا تفعل سوى ربح وقت من أجل بدائل قادمة لأنّها تدرك بكل بساطة أنّها عاجزة عن تنزيل مخططاتها الصُّلبة.

في مرحلة كان من المفترض أن يتقدم فيها الموقف العربي وتتبلور مواقف ناجعة حيال المسألة الفلسطينية نجد الهزيمة تعبّر عن نفسها بوقاحة بل تتزاحم على أبواب الانكسار الأعظم، فمن أي شيء يخشى هؤلاء إذن؟

أمام هذه الإهانات لا يمكن الحديث عن مستقبل سيادة عربية. وأمّا محاولة تغيير الثقافة السياسية كما يحدث اليوم في مناطق كثيرة سيكون سببا لنقل المشكلة إلى تلك البلدان لأنّ ثمن هذا الإلتفاف الثقافي هو تصعيد القمع إلى منتهاه لأنّ الاحتلال وهذا هو جوهره لا يمكن أن يعيش إلاّ في بيئة ليست استبدادية فحسب بل أيضا بيئة مفككة ورخوة بلا هوية وبلا مصير مضمون. إنّ الهوية البديلة التي تهدد الكيانات العربية في سياق هذا الاندحار هو وجود كيانات بلا هوية، أي كيانات تائهة لا ترسوا على قرار، هوية أقنان يتلوون مع كل خطاب ويميلون مع كل خيار مهزوم طمعا في شيء لن يكون.

ولكي نصف الوضع العربي اليوم بمزيد من الإطناب، علينا أن نتحدث عن أنه وضع يكشف عن اعتلالات خطيرة وهذيان يُستغل من قبل الإمبريالية بثمن بخس، بل لقد بات العرب هم من ينفق على تعاستهم وعلى انتحارهم، يا للبؤس!

 إنّ المستقبل والمصير ليسا مضمونين على أرضية التسليم المطلق، فالأمم التي لا تحسن المناورة حتى في حال ضعفها لا مستقبل لها. إنّ ما تقوم به قوى عربية اليوم لا يضمن بقاءها كأمة، حتى الحياد لم يعد خيار، فحكاية إما معنا أو ضدنا التي نطق بها بوش الإبن ورددتها الرجعية العربية هي مقتل السياسة العربية. هناك إدمان على الإهانة كرّس شكلا من المازوخية العربية. ولا يكاد المراقب لهذا الاندحار أن يتوقع انحطاطا أكثر من هذا الذي يمارس على ما تبقّى من الكرامة العربية. سيجعلوننا أقنانا في حقول ومزارع إسمها الدّول العربية، وسيسلطون على أقنان الحقل أقنان المنزل ويمنحونهم صلاحية الفتك وحراسة الحدود والعقول. هذا وضع لا يبشّر بخير، وليس أمام العرب إلاّ أن يستيقظوا إن كانوا لم يموتوا بعد.

ولقد كررنا مرارا بأنّ القضية الفلسطينية لا يمكن عزلها عن نسق المقاومة بشروطها التي يفرضها واقع وصيرورة الأشياءفي اللمنطقة. لا يوجد شيء إسمه فلسطين منفردة يتخصص فيها دكاكين الوصولية بوصفها أمّ القضايا العربية، نعم هي البوصلة بل المؤشّر والمعيار، ولكنها موصولة بنسق متكامل وبمقدمات حيث لا يمكن الفصل بين المقدّمة وذي المقدّمة إلاّ في سياق المغالطة. وعليه، فإنّ الهشاشة تبدأ من هنا. اليوم نغني للشعب البحريني حين رفض صفقة القرن ولكننا تنكّرنا له في كل مطالبه المشروعة خلال سنوات مضت، وسنفعل الأمر نفسه في اليمن وكذلك في كل البلاد التي بعناها في سوق النخاسة والتجاهل. لا توجد هناك قضية مجرّدة، فمن يدرك طبيعة نشأة الأنساق الاستراتيجية يدرك أنّ أي طعنة في خاصرة هذا الطرف أو ذاك يساهم في إضعاف القضية الفلسطينية. إنّ فلسطين ليست قضية مفصولة وهذه البلدان التي تواجه العصف والقصف إنما هي حمى لفلسطين وحزاما أمنيا وأكياس رمل ودشم تتلقّى الكثير عن فلسطين: الفصل دجل لمن أدرك اللعبة وغباء لمن تاه في البرّية السياسية..

شارك