القائمة الرئيسية

إيران والغرب: الناقلة بالناقلة في انتظار المبادرات\ نجاح محمد علي

21-07-2019, 07:46 حرس الثورة يعلن أن الناقلة البريطانية لم تراع قوانين الملاحة البحرية

إعلان الحرس الثوري الإيراني، وبشكل رسمي (وليس الحكومة الإيرانية) عن احتجاز ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز ونقلها إلى ميناء بندر عباس، المنطقة كلها على فوهة بركان قد يتفجر في أي لحظة وقد يؤدي بها إلى “حرب محدودة” تريدها أطراف معينة داخل إيران تعتقد أن مثل هذه الحرب يجب أن تقع الآن وقبل أن يُجدد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الرئاسية الثانية.

وعلى الرغم من أن إيران لا تعتبر ما تم من احتجاز لناقلة النفط البريطانية رداً على احتجاز ناقلتهم في جبل طارق، وهذه إشارة إلى إمكانية الإفراج عنها خصوصاً أن الحرس الثوري كان ذكر أن قوارب القوات البحرية التابعة له قامت (الجمعة) باحتجاز الناقلة البريطانية “ستينا إمبرو” بأوامر من مؤسسة موانئ محافظة هرمزغان، الخاضعة طبعاً لسلطة الحكومة، إلا أن ذلك يشير أيضا إلى أن الحكومة التي توصف بأنها معتدلة، والحرس الثوري يؤكدان مرة أخرى على توحيد خطابيهما الذي برز منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وبدأ بفرض العقوبات الأحادية على إيران.

 

أكون أو لا أكون

 

احتجاز الناقلة البريطانية واصرار جماعة أنصار الله في اليمن على تنفيذ عمليات جديدة بطائرات مسيرة داخل الأراضي السعودية، رداً على إعلان العاهل السعودي الملك سلمان موافقته (بشكل علني) على استقدام قوات أمريكية إلى بلاد الحرمين لمواجهة التحدي المشترك كما يصفونه وهو إيران، يشيران مرة أخرى إلى أن فريقاً قوياً في إيران نجح في تغليب رؤيته بشأن الأزمة الراهنة مع الولايات المتحدة وأن العقوبات ليست إلا الوجه الآخر للحرب، ولا مانع من أن تقع الآن ونقل استراتيجية التصعيد مقابل التصعيد (الحالية) إلى الهجوم بدلاً من الدفاع.

وفي هذا الواقع باتت معركة الإبقاء على الاتفاق النووي لدى الإيرانيين معتدلين ومتشددين، هي (أكون أو لا أكون) وقد تجاوزت مسألة الكرامة وحفظ ماء الوجه لأنهم أصبحوا واثقين في ضوء تلكؤ أوروبا في تنفيذ التزاماتها بالحفاظ عليه، أن الغرب (أوروبا وأمريكا) لن يرضى منهم غير رفع راية الاستسلام والتخلي عن حقوقهم في الاتفاق النووي ووفق معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وأن تتحول الجمهورية الإسلامية إلى مجرد نظام بلا طعم ولا لون ولا رائحة، أي بلا هوية، ربما وتتخلى عن أسلحتها الصاروخية ونهجها التحرري.

حتى المبادرة الفرنسية المنتظر أن يُحسم الموقف منها في القمة التجارية التي ستجمع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون، ما عادت إيران تتوقع منها المزيد مع استمرار واشنطن في فرض المزيد من الضغوط والتصعيد، رغم الاستمرار أيضاً في الدعوة إلى مفاوضات مباشرة بينهما، وهذا ما أشارت إليه تصريحات المسؤولين الإيرانيين الأخيرة حول شبه استحالة التفاوض مع ترامب خصوصاً الرئيس (المعتدل) حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف الذي يتعرض لحملة قوية مع الرئيس، من غلاة المتشددين في الداخل، وجاء ذلك بعد هجوم حاد شنه على الأوروبيين المرشد الأعلى آية الله سيد علي خامنئي عندما أكد أن إيران ستستمر في خفض التزاماتها بالاتفاق النووي في مقابل عدم التزام الآخرين ببنوده. وأوضح خامنئي أن الدول الأوروبية لم تنفذ التزاماتها الخاصة بالاتفاق النووي، وأن الإيرانيين لن يكونوا ضعفاء أمام ذلك، ما دفع الرئيس روحاني إلى القول في اتصال هاتفي جديد مع نظيره الفرنسي إن انهيار الاتفاق النووي بات وشيكاً إذا لم يُفعّل الأوروبيون نظام إنيستكس الذي يجب أن يسمح لإيران بالحصول على عائدات صادراتهم النفطية بالعملة الصعبة وليس بالغذاء والدواء اللذين تصدر منهما الفائض إلى دول الجوار تحديداً.

أما وزير الخارجية محمد جواد ظريف فقد قال إن إتّباع ترامب نهج ممارسة الحد الأقصى من الضغوط لن يصل به إلى جائزة التفاوض مع إيران، لكنه ترك الباب موارباً أمام حل ممكن للأزمة عندما عرض إمكانية قبول إيران بتفتيش دائم وصارم لمنشآتها النووية مقابل رفع واشنطن العقوبات ملمحاً إلى الإشارات الإيجابية التي حملها معه كبير مستشاري الرئيس الفرنسي، السفير بون في زيارته التي قام بها مؤخراً إلى طهران، ووعد بأن يقوم ماكرون بزيارة مماثلة في حال حصول انفراج حقيقي في الأزمة مع واشنطن.

صحيح أن الإيرانيين يدركون أن هامش المبادرة الفرنسية بعد التطورات الأخيرة، أخذ يضيق أكثر، وأنهم عازمون أكثر على أن لا يلعبوا في ملعب ترامب الذي يعتقدون أنه راغب بشدة في التفاوض لمجرد التفاوض، لكنهم سيبقون يعولون على دور ما تلعبه أطراف في أوروبا لإنهاء أزمة الناقلات مع البريطانيين، لكن ذلك لا يمنع من الاعتقاد في طهران أن هناك من يريد (خارجها) الدفع باتجاه التصعيد لتدفع تصرفات ترامب المتشددة حيال الاتفاق النووي، بالمتشددين داخل إيران إلى العودة منتصرين في الانتخابات التشريعية 2020 وبعدها الانتخابات الرئاسية عام 2021 ويكون ترامب (إذا تفاوض مع إيران بدون شروط) قد ضمن دورة رئاسية ثانية تجعله في حل من وعوده الانتخابية (التي أطلقها في ولايته الأولى) في عدم خوض حرب مع إيران.

 

الحرب أولاً

تدرك إيران أن فرص بقاء الاتفاق النووي حياً باتت ضئيلة ما لم يخيب الأوروبيون ظن المرشد الأعلى وعموم الإيرانيين بهم، ويبدوا قدراً من الاستقلالية بدعم كبير من روسيا والصين، ويقوموا هم بإنقاذه ويجبروا بالتالي ترامب على العودة إليه والدخول في مفاوضات جديدة أو الرضوخ للأمر الواقع خصوصاً وأن هذا الاتفاق مصادق عليه بقرار 2231 الصادر في 20 تموز/يوليو 2015 عن مجلس الأمن الدولي بالإجماع، وفي غير ذلك يجب أن يعتبر الأوروبيون تخفيض إيران التزاماتها تجاه الاتفاق خرقاً له إذا قامت برفع نسبة تخصيب اليورانيوم مثلاً إلى 20 في المئة وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي وتفعيل مفاعل أراك للماء الثقيل، ما دام الأوروبيون أنفسهم لم يلتزموا به ولَم ينفذوا 11 بنداً من بنوده كما ينص.

وقد أبلغ الرئيس الإيراني نظيره الفرنسي بوضوح أن تفعيل آلية فض النزاع وإحالة الملف مرة أخرى إلى مجلس الأمن واعادة العقوبات الأممية في حال خفضت إيران التزاماتها إذا فشلت المبادرة الفرنسية، يعني إعلان الحرب الاقتصادية على بلاده، مشيراً إلى وجود أطراف لا ترغب في نجاح محاولات إنقاذ الاتفاق النووي وتريد الحرب، وبينهم بالطبع إيرانيون يرون أن الحرب قادمة لا محالة إذا فاز ترامب بولاية ثانية وستكون عندها بشروطه هو فلماذا لا ندفعه لها الآن بشروطنا نحن؟ ولهذا قال روحاني: “ينبغي على أوروبا تكثيف جهودها لتحقيق التطلّعات المشروعة لإيران والتوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب الاقتصادية التي تشنّها الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية، محذراً من أنّ “الوقت الضائع والفرص الضائعة (ستفرض في النهاية) على إيران تنفيذ المرحلة الثالثة” من الخطة التي أعلنت عنها بشأن الحدّ من التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي، وعندها قد يقع المحظور.

 

الكارثة الكبرى

 

عموماً بالنسبة لإيران فإن الرد (الناعم) على استمرار احتجاز البحرية الملكية البريطانية ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق، ‏يمكن أن يتطور ويتعدى مجرد ايقاف ناقلة نفط هنا أو هناك وبحجج مختلفة، وما يمكن أن تشهده المنطقة من عمليات (غامضة) بعد عمليتين سابقتين غامضتين هما تفجيرات الفجيرة ومهاجمة ناقلتي نفط يظل الفاعل فيها مجهولاً، وبعد مسارعة ترامب إلى إعلان إسقاط سفينة حربية أمريكية طائرة إيرانية مسيرة نفت ذلك إيران وأكدت أن طائراتها المسيرة للتجسس نفذت مهامها وعادت بسلام تحمل صوراً تخدم الجهد العسكري الإيراني المتأهب للقتال ومن ورائه يقف المعتدلون .

وفي هذا الواقع أيضاً يقول ظريف لقناة bbc إنه “لن يكون أحد في مأمن حال اندلاع حرب في المنطقة، معتبراً أن السعودية والإمارات تشاركان في الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد بلاده” وحثهما على القيام بدور إيجابي في حض ترامب على العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات قبل وقوع الكارثة الكبرى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك