القائمة الرئيسية

الحرب الأوراسية قادمة لكن بطريقة أخرى\ ادريس هاني

04-08-2019, 10:33 صورة من أوراسيا أوراسيا

 

إنّها ثورة داخل المقاولة، ذلك تماما ما يقوم به ترامب وهو أوّل مدرك لهشاشة القانون الدّولي، الشيء الذي لا زال دعاة تطبيق القانون يعزّ عليهم إدراكه، فالقانون أكثر صلابة وجدية لكن السياسة أكثر مكرا وهيمنة. في مسلسل انقلابي قام ترامب بتمزيق الكثير من الاتفاقيات وفي ظرف وجيز وبأسلوب لم يعتاد عليه النظام الدولي أو حتى أولئك الذين لديهم انتظارات كثيرة من الدولة العظمى، وكان آخر ما قام به ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع روسيا. هل هي عودة للحرب الباردة أم أن ترامب أصلا أتى إلى الإدارة لتنظيفها من كل التزاماتها الدولية؟
إذا لم نفهم عمل المقاولة لن نفهم شيئا، هذا يؤكد أنّ هناك شعورا بالإفلاس، وفي مثل هذه الحالة يجب أن تخفف المقاولة من الكثير من سياساتها ونفقاتها وربما قد تلجأ إلى تسريح العمال وتغيير كل شيء والإبقاء فقط على جهاز المعلومات والتخطيط والرأسمال وإعادة بناء المشروع والتنكر لكل الإلتزامات والصفقات.
هذا المسلسل الانقلابي يسير بوتيرة سريعة وغير مكترث للسمعة، لإنّ الإفلاس واقع والسمعة من الكماليات. فرضت واشنطن على وزير الخارجية الإيراني عقوبات فردية واعتبرته لا يملك من النفوذ ما يجعلها تفاوضه، وهذا يؤكد على مفارقات عدة هي مقصودة في سياسة ترامب:
1 - إنها نقيضة حقّا، إن كان ظريف لا يملك نفوذا ولا سلطة، فلم معاقبته؟
2 - هل يملك وزير الخارجية في واشنطن نفوذا وسلطة حقيقية؟
3 - ما هي سلطة وزير الخارجية سوى أن ينقل وجهة نظر أصحاب القرار؟
4 - ماذا سينتج فعل فرض عقوبة من قبل دولة عظمى على وزير خارجية دولة أخرى؟
وهناك أمور أخرى يكشف عنها هذا الفعل غير الواضح، وطبعا لن نتحدث عن قيمته في ميزان القانون الدولي.
في ظل هذا الوضع لا شيء يبدو واضحا، بل إنه سلوك سياسي يهدف إلى أن لا يسمح بالوضوح، هناك تحضير لتحولات أخرى داخل فعل الإلهاء، مرحلة انتقالية على المستوى الجيوستراتيجي. فالصين قادمة وهي المزعج الحقيقي حتى وهي لا تكثر الضوضاء. تدرك واشنطن كما عبر ترامب أنّ الصين هي العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية. لم تعلن الصين أنها في حالة حرب ولكنها تطور إمكاناتها ونفوذها الاقتصادي في العالم، هذا يجعلها المنافس الأكبر لواشنطن أي العدو بتعبير المقاول ترامب. ومع أن واشنطن فرضت رسوما جمركيّة على بقيّة الواردات الصينيّة بلغت قيمتها 300 مليار دولار كرد فعل على صفقة الأسلحة الروسية إلى بيكين، فإنّ هذا الإجراء لن يوقف العملاق الصيني عن المضي إلى أقصى نقطة مستعملا كل الأساليب التي اتبعتها الكولونيالية الجديدة في التوسع الاقتصادي: الإمبريالية الجديدة المناهضة للإمبريالية الغربية.
يدافع ترامب على الجناح الأساسي في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لوبي شركات السلاح، الطريق الوحيد لمكافحة خطر الإفلاس الاقتصادي، فيما انتعش سوق بيع السلاح الروسي وهذا يتزامن مع شكل آخر من العقوبات ضد روسيا ترجمت في انسحاب واشنطن من معاهدة السلاح النووي مع موسكو. فالعودة إلى سباق التسلح هو شكل من الحرب الاقتصادية التي تخوضها واشنطن ضد موسكو، حيث سباق التسلح كما وصفه كيسنجر منذ عقود كان مجرد ذهان عسكري الغاية منه استنزاف الميزانية السوفياتية. وعليه، نحن أمام حرب اقتصادية ستكون أوسع وستتجلى بقوة في المجال الأوراسي حيث الشرق الأوسط مجرد تقاطع طريق في حرب كبرى لا يمكن أن تكون عسكرية ولكنها ستكون اقتصادية لكن ستكون عسكرية في كثير من الجيوب والمفاصل داخل المجال الأوراسي. 
هكذا نفهم الحرب الجارية اليوم في الشرق الأوسط والخليج، حربا هي مقدمة وامتداد في آن معا لحروب كبرى تستصعبها واشنطن ولكنها تجد نفسها مضطرة للكشف عنها، فمحاصرة الصين لا يمكن أن تقع بعيدا عن المجال الأوراسي نفسه، وهذا يعني أن من كان يرى حروب المنطقة بمنظار صغير فاته أن المعركة أكبر، وأنّ انفتاج الجغرافيا أمام التحالفات هو استجابة لهذا التحدّي، الحرب في الشرق الأوسط والخليج هي امتداد لحرب باردة قائمة وتظهر ملامحها حينما تنهار التوازنات في الشرق الأوسط والخليج. بالنسبة إلى سوريا فإنّها في قلب هذا الصراع وهي المؤشّر على حقيقته. انتصار سوريا وحلفاؤها في هذه المعركة هو انتصار في مجال جيوبوليتيكي متحرك ذيله في الشرق الأوسط والخليج ورأسه في المجال الأوراسي.
ادريس هاني:3/8/2019

شارك