القائمة الرئيسية

في ذكرى رحيل عبدالناصر ما أحوج العرب إلى مواقفه\ خميس بن عبيد القطيطي

26-09-2019, 09:30 تشييع جثمان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
إضاءات

 

في الذكرى التاسعة والأربعين لرحيل الرئس طيب الذكر جمال عبد الناصر نضع بين أيديكم هذا المقال المهم عن منجزات المغفور له بإذن الله الراحل جمال عبد الناصر, كعربون وفاءٍ لرجل عاش كبيراً ومضى الى العلى ليسجل في سجل الخالدين, رحم الله خالد الذكر جمال عبد الناصر, رحل الى العلى وبقيت ذكراه خالدة في ذاكرة أحرار العرب والعالم. 

إضاءات

 

 خميس بن عبيد القطيطي: كاتب عربي من عُمان

تمر الذكرى التاسعة والأربعون لرحيل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر يوم الـ٢٨ من سبتمبر الجاري، فقد رحل في مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٠م وهو في أوج عطائه وعنفوانه القومي العربي وذلك بعد وداع القادة العرب في مؤتمر القاهرة الاستثنائي الذي أقيم لمعالجة أحداث أيلول “الأسود”، وهي المواجهات المسلحة المحتدمة بين الجيش العربي الأردني والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، فتداعى القادة العرب إلى مؤتمر القاهرة، وخلال ثلاثة أيام مضنية حافلة بالعطاء القومي انتهت بوقف تلك المواجهات ووقف نزيف الدماء العربية، فغادر القادة العرب القاهرة مطمئنين بنجاح ذلك العمل العربي المشترك، وكأن المشيئة الإلهية أرادت أن تقضي برحيل هذا الزعيم الكبير وهو في أوج نشاطه القومي مختتما حياته بعمل عظيم لصالح الأمة العربية متوائما مع تاريخه القيادي والنضالي الذي قضاه من أجل هذه الأمة .
مقالنا هذا قد لا يتسع به المقام لسرد منجزات الزعيم جمال عبدالناصر، ولكننا سنقف على محطات رئيسية تبرز تاريخ هذا الزعيم، وسنسلط الضوء أيضا على محاولات النيل منه بعد رحيله والتشويه الذي تعرض له، وكيف بقي خالدا في قلوب الجماهير، وكيف ازدادت جماهيريته على مدى ما يناهز نصف قرن من الزمان بعد رحيله رغم حملات التشويه التي تعرض لها، ولا شك هي محبة الله التي رسخت محبة الناس في هذا الرجل فزادت محبته في قلوب الجماهير وذلك لما قدمه في سبيل أمته، كذلك سنشير إلى بعض الجوانب النقدية في التجربة الناصرية .
قد لا يدرك بعض القراء ما يمثله جمال عبدالناصر من مركزية قيادة للأمة العربية، وقد لا يدرك أيضا حجم منجزاته المعنوية والمادية وقد لا يريد البعض أن يقرأ بحيادية وإنصاف وأمانة إلا ما يتوافق مع هواه وتوجهه بالإساءة إلى تاريخ عبدالناصر وهذا خطأ كبير يقع فيه بعض القراء والمتابعين. وللأسف الشديد هذه الفئة تلبست بشوائب التشويه والأحقاد التي بثها أعداء عبدالناصر من قوى الاستعمار التي أجهض طموحاتها وقوى الرجعية وبعض الفئات التي فقدت مصالحها فواجهت هذا المشروع الناصري الكبير، ولذلك يقوم البعض اليوم بنفس الدور في تشويه وقلب الحقائق وتحويل المنجزات إلى أخطاء، وهذا ظلم كبير يتعرض له الزعيم بعد رحيله، لكنه بقي خالدا شامخا في قلوب الملايين وما زالت صوره مرفوعة في كل المناسبات القومية العربية وما زال حديث الإعلام وشاغل الناس حتى اليوم، فهو حاضر رغم الغياب الذي ناهز نصف قرن من الزمان، وليس ذلك مستغربا على رجل كان يمثل المشروع العروبي والقيادة العربية وزعيم كرس مدرسة ناصرية تنهل من مبادئه مع مرور الزمن، لذا فقد بكاه حتى من كانوا في السجون مثل الشيخ التلمساني والشاعر أحمد فؤاد نجم وغيرهم الكثيرين الذين شعروا بفقدان المشروع العربي برحيله، ورثاه الشيخ الشعراوي بعد سنوات من الرحيل بعدما رآه في المنام فذهب إلى ضريحه معتذرا ودعا له وهذه حقائق موثقة بالطبع، وهكذا هم المفكرون ممن يقرأون التاريخ بتمعن وحيادية، لذلك أدركوا تلك المعاني والدلالات في قيمة هذا الزعيم خصوصا في هذا الوقت الذي فقد فيه العرب تأثيرهم وغابت القيادة العربية المحورية وفقدت مشاريع الوحدة والتضامن والتحرر، وسيطر الاستعمار من جديد على مقدرات الأمة وثرواتها، وبرحيله فقدت الأمة السياج المنيع الضامن للأمن القومي العربي والسد العالي أمام قوى الاستعمار .
جمال عبدالناصر كان يمثل القيادة العربية المحورية التي جمعت الأمة على المستوى الرسمي والشعبي فكانت وحدة ضمنية انطلق منها العرب بقيادة واحدة ومواقف موحدة تجاه الأحداث والقضايا الدولية، فما حققه عبدالناصر من منجزات ما زالت ماثلة حتى اليوم تعبر عن عظمة تاريخ هذا الزعيم رغم قصر مدة حكمة، فخلال (١٨) عاما تحققت منجزات أكبر من قياسات الزمن، فتم بناء السد العالي الذي يعتبر أضخم مشروع دولي في ذلك الوقت رغم المعوقات والعراقيل التي وضعت أمامه، ولكن إرادة الزعيم عبدالناصر كانت أقوى فتحقق هذا المشروع العملاق، كذلك قناة السويس التي يتقاسم ريعها قوى الاستعمار أعادها عبدالناصر إلى ملكية الدولة المصرية فأممها رغم أنف تلك القوى الدولية فنشبت ما يسمى حرب السويس أو العدوان الثلاثي حتى تحقق النصر في نهاية المطاف لصالح مصر وعادت القناة إلى ملكية هذا البلد العظيم، كذلك أسهم عبدالناصر في إنشاء منظمة عدم الانحياز في وقت مبكر من حكمه فكانت تمثل الحياد الإيجابي لدول العالم الثالث فجمع المؤتمر عددا كبيرا من دول العالم الصاعدة والنامية وشكلت ثقلا دوليا على مساحة دولية شاسعة، فكان لمصر عبدالناصر دور كبير محوري على خريطة التأثير العالمي، حتى أن عبدالناصر أثناء تحركه لإلقاء كلمته بالأمم المتحدة في سبتمبر ١٩٦٠م وقفت له جميع الوفود الدولية مع التصفيق مما يشعرك كعربي بالفخر وعظمة العرب بوجود هذا الزعيم العربي، وعندما انسحب عبدالناصر من الجلسة أثناء إلقاء وفد الكيان الصهيوني كلمته انسحب خلفه عدد كبير من الوفود الدولية، فكان تأثير ونفوذ عبدالناصر يشمل آسيا وإفريقيا وعددا من دول أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الحر، فقال الرئيس الأميركي نيكسون: العالم اليوم تتحكم به ثلاث قوى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ومصر عبدالناصر، هكذا هي الزعامة والقيادة التي استقطبها عبدالناصر فوظفها في صالح قضايا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، كذلك حقق عبدالناصر الكثير من المنجزات على المستوى الداخلي المصري فبنى برج القاهرة وتم تطوير الأزهر الشريف الذي كان يمثل قبلة لدول العالم مستقطبا عددا كبيرا من الدارسين للدراسة فيه مكفولة بكل التكاليف المعيشة والإقامة والدراسة ومصروف نثري لكل الطلاب، كذلك وسع عبدالناصر مجانية التعليم والصحة ودعم السلع الغذائية الأساسية للفقراء ومتوسطي الدخل وتوسعت المنشآت التعليمية والصحية والمساجد، وبرز في تلك المرحلة كبار الرموز في العلوم والفنون والآداب وكبار القراء في تاريخ مصر والوطن العربي، كما وقع اتفاقية الجلاء مع الإنجليز وسن قانون الإصلاح الزراعي ودعم الفلاحين والعمال وظهر الاهتمام بالزراعة والصناعة فبدأ نهضة صناعية مصرية كبرى بالاعتماد على الذات. وهنا يؤكد تقرير الأمم المتحدة لعام ٦٨م قبل رحيله مستوى التقدم والتنمية في مصر رغم الظروف ورغم الحرب ورغم المواجهة مع قوى الاستعمار، كذلك أمم عبدالناصر البنوك والمنشآت العامة وأعاد موارد وثروات الدولة المصرية إلى أبنائها، والأهم من كل ذلك هو مواجهة قوى الاستعمار ودعم التحرر العربي والإفريقي فأصبحت إفريقيا تحت نفوذ الزعيم عبدالناصر لم يتمكن كيان الاحتلال الصهيوني من اختراق تلك القارة بسبب وجود عبدالناصر، وبطبيعة الحال هكذا تكرست ثقافة المقاومة بين أبناء الأمة العربية، وهكذا عندما يمتلك القادة والزعماء الإرادة والعزيمة والإصرار وهكذا هو تاريخ العظماء في العالم .
لقد تحققت للتجربة الناصرية نجاحات عظيمة على صعيد الحرية والاشتراكية والوحدة فتمت الوحدة العربية مع سوريا في فبراير ١٩٥٨م رغم انفضاضها لاحقا في سبتمبر ١٩٦١م بسبب بعض الأخطاء التي حدثت، كذلك تحرر الإنسان المصري من سيطرة رأس المال والسلطة فتبلورت جهود عبدالناصر من أجل المواطن المصري. أما على صعيد التأثير الجماهيري العربي فقد أدرك العالم حجم تأثير عبدالناصر على الجماهير العربية مما كرسه في صالح القضايا العربية، وتثبت حادثة سفينة كليوباترا مدى تأثير القيادة الناصرية في الجماهير عندما توقف عمال الشحن في ميناء نيويورك عن تفريغ سفينة كليوباترا من القطن وشحنها بالقمح بهدف الضغط على مصر ومواقفها العروبية وكيف استخدم عبدالناصر ذراعه الإعلامية إذاعة صوت العرب من خلال الخطاب الذي وجهه لعمال الشحن والتفريغ في الموانئ العربية لتتوقف بعد ساعات قليلة كل السفن الأميركية مما أجبر الرئيس الأميركي أن يأمر الجيش بتفريغ وشحن سفينة كليوباترا فتحققت إرادة عبدالناصر في هذا الاتجاه، وقد استثمر عبدالناصر محورية القيادة في صالح قضايا الأمة، كما أسهم بقوة في دعم ثورة الجزائر حتى تحقق التحرير، وكان لعبدالناصر دور عظيم في إيقاف تهديدات الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم ضد الكويت مما أجبر الرئيس عبدالكريم قاسم على توقف تهديداته على دولة الكويت، وكان ذلك في بدايات الستينيات من القرن الماضي، لذا بقي هذا الزعيم خالدا في قلوب العرب .
الرئيس جمال عبدالناصر بالطبع ليس نبيا مرسلا فقد أصاب وأخطأ وهكذا حال كل التجارب البشرية، فقد خسر العرب حرب ١٩٦٧م مع إسرائيل بسبب تقديرات غير موفقة من القيادة العسكرية المصرية، وقد أعلن عبدالناصر تحمل كامل المسؤولية وتنحى عن السلطة، ولكن خروج الجماهير في مسيرات يومي ١٠،٩ يونيو ١٩٦٧م للمطالبة ببقاء الزعيم في مشهد عظيم لا يتكرر في التاريخ أرغم الزعيم عبدالناصر بالانصياع إلى صوت الجماهير المطالبة ببقائه في السلطة والاستمرار في قيادة الأمة فرضخ لتلك المطالب وتراجع عن تنحيه واستمر في قيادة مصر والأمة العربية، لذلك خرج العرب بنصر سياسي رغم الهزيمة العسكرية من خلال مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث “لا صلح لا تفاوض لا استسلام” وفشل العدو بإلحاق هزيمة سياسية معنوية بالعرب، وبعدها بدأ عبدالناصر الإعداد للمعركة القادمة معركة النصر وعمل على تحديث الجيش المصري، كما اشتعلت حرب الاستنزاف لمدة ثلاث سنوات والتي استنزفت قدرات العدو لذا حاول العدو عقد اتفاقية سلام مع عبدالناصر مقابل الانسحاب من سيناء أكثر من مرة، ولكن عبدالناصر كان يرفض ذلك معلنا أن السلام لن يتحقق إلا بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة فعمل على الإعداد للحرب الفاصلة التي تحقق فيها العبور في ملحمة عظيمة وتحقق النصر في أكتوبر ١٩٧٣م بعد رحيل عبدالناصر بفضل قيادته وجهده وتجهيزه وإعداده لتلك المعركة وإعداد الأمة العربية بموقف موحد من أجل النصر.
اليوم تجد بعض العرب ممن تلبست عقولهم بالتشويه يحاولون الإساءة لهذا الزعيم متناسين حجم منجزات عبدالناصر المعنوية والمادية، لكن من يسيء لهذا الزعيم بهذا القدر عليه أن يراجع حال الأمة من بعده فرحم الله جمال عبدالناصر وأسكنه فسيح جناته .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك