القائمة الرئيسية

لغايات إنسانية، أوردوغان يهدد بالحرب في إدلب إن لم تتوقف الحرب في إدلب..\ ادريس هاني

20-02-2020, 21:54 المفكر العربي ادريس هاني
إضاءات

 

لا يحتاج أوردوغان للعودة إلى البرلمان للمضيّ في مغامراته في إدلب، فلقد نجح في تقويض النظام البرلماني بوصفه نظاما يعرقل الكثير من سياساته الملتبسة، وخلال سنوات من الحرب على سوريا لم نكن نفهم شيئا خارج أنشودة الشعب والنازحين والمدنيين والكيماوي: أوراق مبعثرة وأكاذيب تذكرنا بعصر القراصنة، فالمطلب المتكرر حتى الآن لا يتغيّر: أوردوغان يمهل سوريا للتراجع داخل ترابها الوطني، ما معنى السيادة بعد كل ما يقوم به أوردوغان في نوع من الاستكبار على دولة حاربت وكلاء الإمبريالية والرجعية منذ 9 سنوات؟
أمام هذا التلويح والتهديد لا توجد آذان صاغية من دمشق، يبدو العثماني الجديد في وضعية صعبة، لا يوجد من يصدّقه، فالروس رفضوا مماطلاته وإخلاله بالاتفاق بعد عجزه عن تحييد المسلحين، كما أن الرأي العام الدولي يدرك أنّ أطماع أوردوغان في إدلب تهدف إلى عرقلة جهود القوات المسلحة السورية في تطهير البلد من التنظيمات الإرهابية، فهناك في الشمال الغربي لا يوجد تهديد كردي، إنّه في كل تصريح يستهدف سيادة بلد بكامله، أما دمشق فهي لا تعطي أهمية لتصريحاته وهي ماضية في إكمال مهملتها تطهير كل شبر من ترابها الوطني من بقايا المسلحين.
ويواصل الروس محادثاتهم لأنهم يدركون أن هذا هو الخيار الأفضل، لكنهم أيضا لن يسمحوا لأوردوغان بأن يفسد كل جهود روسيا، لا سيما وهم يدركون أنّ أوردوغان يحاول فتح الباب لتعاون تركي-أمريكي بخصوص إدلب. وكانت روسيا قد تصدت لقرار في مجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء 19/2/ 2020 كان سيقضي بوقف إطلاق النّار بإدلب حسب ما صرح به أنذاك مندوب فرنسا الدائم في الأمم المتحدة نيكولاي ريفيير، مؤكّدا أنّ محاولتهم في استصدار ذلك القرار ووجهت من قبل الروس بالرفض من دون اكتراث، حيث وصف المندوب الفرنسي ذلك للصحفيين بأن الروس ردّوا عليهم بكلمة واحدة "لا".
لقد أدرك أوردوغان أنّ استصدار قرار بوقف الحرب في إدلب من داخل مجلس الأمن الدولي أصبح متعذّرا بعد محاولة من كل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا. وكان الحديث في مجلس الأمن يوحي بموت اتفاق أستانة والبحث عن قرار أممي بديل، وذلك من خلال قلب الحقائق واستعمال ورقة الوضع الإنساني في إدلب. ولا أحد تساءل السؤال الأساسي: ماذا تفعل قوات أودوغان في إدلب وهل إرساله لتعزيزات جديدة هو عامل يساعد على خفض التوتّر.
وكان رجب طيب أوردوغان قد أعرب عن أنّ هناك تضامنا ممكنا دائما بينه وبين ترامب على مختلف الأصعدة وذلك تعقيبا على قول ترامب " إنّنا نعمل سوياً مع الرئيس أردوغان بخصوص موضوع إدلب". كما صرح أوردوغان للصحافة بأنه قد يفاجئ – السوريين – ذات ليلة، ملمحا إلى استعمال القوات الجوية وكل شيء. هذا وقد علّق الجانب الروسي من خلال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف على تهديدات أوردوغان بأنها ستكون أسوأ سيناريو، إلا أن أوردوغان أجاب بأنّ الروس لم يخبروه بذلك ولا يرى أنهم سيكون لهم مكان في مثل هذا السيناريو، بل تابع تهديده للقوات السورية وحتى من يشجعهم على ذلك، ما أكّد على أنّ أوردوغان يهدّد بطريقة أو بأخرى الروس أنفسهم مع أنه يدرك أن روسيا لن تسمح لأوردوغان بأن ينفّذ أجندته في إدلب لا سيما وهو في كل هذه الخطوات يناقض القانون الدولي ويعرقل محاربة الإرهاب وهو بعد أن فقد الثقة في حليفه الأمريكي يحاول أن يلعب في المنتصف.
ويتذرع أودوغان بالورقة الإنسانية لكنه يدفع بتعزيزاته ويلوح بالحرب، ويكرر بأنه لن يترك إدلب، ولا أحد يتوقع ما هي الكلفة الإنسانية في حال اندلعت حرب بين سوريا وتركيا في إدلب.
وتحرص روسيا على التمسك بخيار المباحثات حتى آخر رمق، لكن هذا لا يعني أنّها ستبقى مكتوفة الأيدي أمام التغلغل التركي داخل سوريا. كما يحاول أوردوغان من خلال هذا التهديد الضغط على روسيا بأن تقنع دمشق بسحب قواتها من إدلب، لكن دمشق تعتبر ذلك مهمة وطنية لا تحتاج أن تتفاوض عليها لا سيما وأنّ أودوغان فشل في تنفيذ اتفاق سوتشي على علاّته.
وحتى هنا لا يوجد ما يؤكّد على أنّ حربا كهذه مسموح بها داخل إقليم ملتهب، وكل شيء يبدو ممكنا لا سيما وأنّ كلاّ من أوردوغان وترامب قد يجدان في هذا التصعيد متنفّسا وتصديرا للأزمة الدّاخلية، لكن لا زال اللعب هنا محكوما بقواعد اشتباك ثابتة.
وتدرك دمشق أنّ ما يقوم به أودوغان هو تعبير عن فشل ذريع وبأنّ مواقفه لا تستند إلى أي منطق سياسي غير الاستثمار في الأزمة السورية. وستجد سوريا في أسوأ السيناريوهات كما وصفها الناطق باسم الرئاسة الروسية أفضل من حرب استنزاف قامت بها التنظيمات المسلحة التي كانت تملك مقومات جيوش كلاسيكية. حرب كهذه لا يمكن أن تبقى محدودة، وأوردوغان لا زال يخطئ في حساباته لأنّه في وضع لا يسمح له بأن يوجّه تهديده لجيش قام بما هو أصعب من مواجهة مع قوات أوردوغان. ففي الوقت الذي يعبر فيه أوردوغان عن طغيان لا مثيل له وهو ينتهك السيادة السورية سيعزل نفسه ليس إقليميا فحسب بل داخليّا أيضا، لا سيما بعد انتقادات الرئيس السابق عبد الله غول(2007-2014) التي وجهها في اليوم نفسه منتقدا النظام الرئاسي الجديد في تركيا وتهميش البرلمان، وقد انتقد تورط تركيا في الأزمة السورية منذ البداية دون أن تملك خطة للخروج، وقال: "ماذا سأقول، حتى وإن تم استفزازنا كثيرا، لا يمكن أن نخوض حربا شاملة مع سوريا"، وإن كان يعتبر أن ابتعاد تركيا من الغرب قد أضعفها في إشارة إلى تقاربها مع روسيا، دون أن يشير إلى الأسباب الموضوعية لهذا التقارب. ويفهم من تصريح غول بأنّ أوردوغان لا يمكن أن يخرج من هذا الوضع ولا من استحقاقات الشراكة الدفاعية مع روسيا عشية شراء منظومة إس 400، وهذا ما يفسّر إلى أي حدّ سيكون من الصعب مضي أوردوغان في تنفيذ تهديداته في سوريا، لأنه سيكون أمام تحدّي الجيش العربي السوري الذي سيحارب في أرضه وتحدّي الروس والإيرانيين حيث تنتظر الثلاثة معا جولة قريبة من المباحثات بطهران.


ادريس هاني:20/2/2020

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك