القائمة الرئيسية

كتب كمال خلف عن الخطاب التركي في سورية, بين حقائق المصالح والدعاية الشعبوية

03-03-2020, 05:30 كمال خلف
إضاءات

كتب كمال خلف عن الخطاب التركي في سورية بين حقائق المصالح والدعاية الشعبوية وعن عملية تسويق اعلامه من خلال جماعات الاخوان المسلمين التابعة له ولمن يتبع من قوى الاستعمار والصهاينة, نترك لكم مقال الاعلامي الفلسطيني. 

إضاءات

كتب كمال خلف:

 

تدخل تركية الحرب مباشرة من أجل شيء واحد فقط هو الاحتفاظ بإدلب ، يبدو خطاب تركية دفاعا عن هذا التدخل و التصعيد العسكري متناقضا ويفتقد للتماسك  ، لكنه مصحوب بدعاية قوية يتولى تسويقها في العالم العربي  التيار الإسلامي بآلة إعلامية متطورة ومنتشرة. هو خطاب اعتمد  ابتداء على مقولة إلزام الحكومة السورية باتفاق سوتشي ، لكن المؤكد أن أنقرة لم تف بأي التزام من هذا الاتفاق سوى نشر نقاط مراقبة لها في أماكن مختلفة من إدلب وريفها وريف حلب . وعملت على تقوية الجماعات المسلحة داخل منطقة سوتشي .

 هي ذاتها طلبت أكثر من مهلة من موسكو لتطبيق بنود الاتفاق المتعلق منها بسحب الجماعات المسلحة من المسافة المتفق عليها في سوتشي و فصل الجماعات المصنفة إرهابية عن تلك التي أصبحت تابعة لها مباشرة في الشمال وقد حصلت على مهلة لمدة عام ونصف   . لكن النتيجة  هو المواجهة الراهنة و قتال الجيش التركي مع الجماعات الإرهابية كتفا لكتف.  وهذا كشف عدم صدقية أردوغان فيما تعهد به للروس في إطار اتفاق وقع عليه بنفسه . يتجاهل الأتراك اليوم هذه الحقائق ويطرحون رواية معاكسة تماما .

 أما الجانب المتعلق باللاجئين فهو جانب تجعله تركية أحد أسباب تدخلها العسكري ، وتقول إنها لا تحتمل المزيد من اللاجئين ،  لذلك عليها منع ذلك عبر عملية عسكرية تعرقل تقدم القوات السورية ، في حين أن وقائع الميدان تؤكد أن الروس والحكومة السورية حاولا فتح معابر إنسانية في ريف ادلب لاستقبال اللاجئين إلى مناطق أمنه داخل سورية . إلا أن تركية منعت ذلك بشكل مشدد.

 وبالمناسبة هنا فإنه من المفيد تذكر هذا الخطاب ذاته فيما يخص المدنيين  في مدن سيطر عليها الجيش السوري  خلال السنوات الماضية ، مثل مضايا  وداريا و الغوطة الشرقية  ووادي بردى في ريف دمشق ومناطق ومدن أخرى . حينها كان الخطاب يقول إن الجيش السوري والحكومة السورية تقوم بعملية تهجير ممنهج وتغيير ديمغرافي . و الزائر لهذه المناطق اليوم  يدرك بشكل ملموس عودة معظم أهل تلك المدن إلى بيوتهم  ، وعودة الحياة الطبيعة لها . بالمقابل  أجرى الأتراك عملية تهجير وتغيير ديمغرافي ممنهج  للمدن التي سيطروا عليها خلال عملتي درع الفرات و غصن الزيتون ، ومنعت كل سكان تلك المناطق من العودة ،  واسكنت بدلا عنهم عائلات الجماعات المسلحة المحلية التي رفضت المصالحات والتسويات مع الحكومة والسورية في المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري ، وفضلت الانتقال شمالا عبر حافلات امنتها الحكومة السورية لهم .

 الخطاب التركي الذي تسوقه للرأي العام العربي بصيغة إنسانية في ملف اللاجئين ، تستخدمه في الخطاب السياسي من باب الابتزاز لأوروبا ، وتتعامل معه كورقة ضغط لجر الأوربيين لدعم التحركات  العسكرية التركية   شمال  سورية ، والوقوف معهم في وجه  روسيا .  هي جملة مواقف وسياسات   تسوق شعبويا على أنها أخلاقية ومبدئية ، أما سياسيا فإنها تستخدم السوريين المدنيين والمسلحين وقودا لتحقيق أهداف الرئيس أردوغان وأحلامه ، وأحلام مجموعة من حوله يغلب عليها الفكر الطائفي ، والرغبة في المغامرة . لذلك لا ضير لديها في دفع  أردوغان إلى المستنقع السوري ولو على حساب الدم التركي والسوري ، وهو أصبح أسيرا لأهواء هذه المجموعة  لا يستمع إلا لهم .

شعبويا أيضا يتم التسويق الدعائي  لمصطلح يوصف فيه الجيش التركي بأنه  ” الجيش المحمدي ” الرئيس أردوغان نفسه أطلق هذا الوصف على جيشه لكسب تأييد المسلمين حول العالم .  أما في الحقائق  فإن” الجيش المحمدي ” يستنجد بالولايات المتحدة و الناتو لدعم هذا الجيش في الشمال السوري . فكيف يكون جيشا محمديا يخوض حربه بدعم من الحلف الأطلسي و إدارة دونالد ترامب ؟ .

هي صورة تعكس انفصام  خطاب في اعتماد خطابين الأول شعبوي يداعب عواطف الحالمين بتركية العثمانية وريثة خلافة اسلامية ، وآخرون ينظرون اليها على أنها حامية أهل السنة في العالم . والثاني سياسي مصلحي  يجعل من الأطراف المحلية أوراق لعب لتحقيق أهداف سياسية تقوم على التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة و يقترب  من إيران للتعاون والتنسيق ،  بينما ينحو في الشق  الشعبوي نحو وصفها بالمجوسية والرافضية والشيعية.

أما إرسال تركية للمقاتلين السوريين من إدلب إلى ليبيا بشكل علني للقتال الى جانب حكومة السراج ،  ما جعل هذه القوات التي يصفها الخطاب التركي ومن حوله بأنهم ” ثوار حرية” يقاتلون ضد ظلم النظام ودفاعا عن مناطقهم ، جعلها مجموعات مرتزقة تقاتل لحساب تركية في كل مكان ، ولم يجد الخطاب التركي المسوق للرأي العام العربي ردا على هذا الأمر سوى تكرار  السؤال التالي .. لماذا تدعم الإمارات ومصر والسعودية خليفة حفتر ؟ ولماذا ترسل روسيا مجموعات ” فاغنر ” إلى ليبيا  ؟ .  في الحقيقة هو خطاب يفتقر إلى الحقائق وتسلسل الأحداث في ليبيا . لأن دعم وتسليح وتشكيل  وتأثير  تركية وقطر على المجموعات الليبية المسلحة  التي تحيط بالسراج اليوم  سابق  لتشكيل جيش خليفة حفتر وسابق لحكومة الوفاق نفسها  . بل وأكثر من ذلك أن إرسال المقاتلين بدأ  من ليبيا بعد سقوط حكم القذافي  إلى سورية للقتال هناك   ، الفرق اليوم  أنه كان غير معلن قبل عدة عوام  واليوم يتم  باتجاه معاكس من سورية إلى ليبيا علنا .

 وقد نجد ذات هذه اللازمة في الخطاب تجاه الوضع في سورية  ، فيكرر ذاك الخطاب  السؤال الدفاعي الذي يعتبرون انه مفحم .  لماذا تتدخل روسيا وإيران ؟ بينما حرام ذلك على تركية ؟  والحقيقة هو أن تدخل تركية بالسلاح والعتاد وإدخال المقاتلين عبر حدودها والحملة المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة وعدة دول لإسقاط النظام في سورية هي من فتحت باب التدخل لإيران وروسيا  . عدا عن أن هذا الخطاب يناقض نفسه في الحالتين الليبية والسورية ففي الوقت الذي يعتمد فيه على دعوة حكومة الوفاق للتدخل لاصباغ شرعية على إنخراطه مباشرة في الحرب الليبية ، يرفض ذات المنطق في سورية بالنسبة لإيران وروسيا . مع أن في كلا الحالتين هناك حكومة معترف بها دوليا .

يبقى الخطاب تجاه فلسطين والقدس قائما في كل وقت على المستوى الشعبوي،  بينما يسعى الرئيس أردوغان للحصول على مساعدة إدارة ترامب عرابة صفقة القرن  في تحقيق أهدافه في الشمال السوري ، وبتزامن قصفه للجيش السوري شمالا مع قصف إسرائيل لذات الجيش جنوبا.

 إن لغة التهديد هي ما يغلب على سياسيات الرئيس أردوغان أقله خلال السنوات الثلاث الماضية ، تهديد لكل من يختلف مع تركية في السياسيات . تهديد سورية ومصر والعراق و قبرص واليونان . تهديد أوروبا والإمارات والسعودية والجيش الليبي في الشرق والاكراد في الشرق السوري وحتى المعارضة التركية في الداخل ورفاق دربه ممن يخالفون سياساته  .

الذرائع التركية حيال الملف السوري وربما ملفات في المنطقة غير مقنعة وتدفع إلى مواجهة تركية ومنعها من الاستمرار في نهجها ووقفها عند حدها . وربما يحصل ذلك قريبا في ادلب .

 

كاتب واعلامي فلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك