القائمة الرئيسية

فرصة لإحداث التغيير/ الأردن مابعد الجائحة التاجية\ جورج حدادين

21-04-2020, 19:00 جورج حدادين
إضاءات

الجائحة التاجية، رغم كل آلامها وعذاباتها ومآسيها، قد تشكل، ويجب أن تشكل، فرصة حقيقية لإحداث التغيير المطلوب، إحداث تغيير يخرج الأردن، مرة واحدة وإلى الآبد، من أزمة ممتدة منذ التأسيس، بداية القرن العشرين، إلى يومنا هذا، ويبدو أن البحث عن طريق للخروج من الأزمة، هو بحث عن طريق للحياة ملزم لا محالة، أو الفناء.

قد يتسائل البعض هل هذا ممكناً، وكيف؟

الجواب مسبقاً نعم، وسنر لاحقاً كيف.

في البدء، ما هي طبيعة الأزمة الممتدة ألتي تعيشها الأردن على امتداد كل هذه العقود، علتها وسببها، مظاهرها وتداعياتها.

في وظيفة تأسيس إمارة شرق الأردن، تكمن الأزمة، دولة أسست لخدمة مصالح  الانتداب الاستعماري،  بريطانيا، القوة العظمى في ذلك الوقت، امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وليس لبناء دولة وطنية تخدم شعبها.

في احدى زياراته إلى الأردن، في فندق الريجنسي عمان، سرد لنا جورج جلوي، حوار مع جده بعد العودة من المدرسة، قال جورج لجده، هل تعلم ماذا قال لنا المعلم اليوم، قال، أن بريطانيا امبراطورية لا تغييب عنها الشمس، أجابه جده بهدو " تعلم لماذا يا بني، لأن الله لا يأتمن الانجليز في الظلمة"

·ما الذي ترتب على التأسيس المفروض:

حجز طريق التطور الطبيعي للمجتمع الأردني، عبر حجز الانتاج، قاعدة ارتكاز التطور الطبيعي، وبالتالي حجز طريق تطور المجتمع الطبيعي، عبر ضرب قطاعات الانتاج: الزراعة والصناعة والخدمات التكميلية، مما أدى إلى حجز تشكل المجتمع الحديث، أي حجز اندماج المجاميع الماقبل رأسمالية البدائية ( العشائرية والطائفية والأثنية والمناطقية والأقليمية...ألخ) لتشكل مجتمع متجانس، يتمايز بطبقات وشرائح حسب الموقع في عملية الإنتاج، فما زالت ثقافة "كافة المنابت والأصول" سائدة بعد كل هذه العقود، بمعنى آخر، اعتراف رسمي من قبل الدولة بأن المجتمع الحديث لم يتشكل بعد.

استوجب ضمان استمرار دور الدولة الوظيفية التابع، العبث بتاريخ حضارة وثقافة المجتمع، كونهما ركنان أساسيان من أركان بناء الدولة الوطنية والمجتمع الحديث، وانطلاقاً من معرفة قوى الاستعمار بخطورة هذين العاملين، تم العمل بقوة على تشوههما، وسخّرت من أجل انفاذ هذه المهمة القذرة، كثير من النخب الأردنية، بوعي أو بغير وعي منها،  حيث تم  تغريب ثقافة المجتمع، من ناحية، ومن ناحية آخرى، تم تعميم ثقافة مفوتة غيبية اتكالية ظلامية أرهابية، أي تم افساح المجال أمام مهمة الاستقطاب بين ثقافة التغريب وثقافة التغييب، ثقافة فئة اللبرالية من طرف، وثقافة مجاميع، التخلف من طرف آخر، طرفان مرجعيتهما المركز الرأسمالي ذاته، تغيب وتغريب العقل، وطمس الثقافة الوطنية الممتدة عبر التاريخ، وحجز الوعي عن وعي حضارتنا الممتدة والمتراكمة عبر عشرات القرون.

المقصود بالتغيير، تغير النهج ألذي ولّد الأزمة وضمن استمرارها، من نهج الإعتماد على المساعدات الخارجية واستيراد الحلول الخارجية للأزمات الداخلية، والقروض الميسرة لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، إلى نهج الإعتماد على الذات، وتنمية قوى الإنتاج الوطني.

يستصعب البعض السير في طريق هذا الحل، وترفض القوى الحاكمة، الاقتصادية والسياسية، السير في طريقه، بسبب خوفها على مصالحها نتيجة ارتباطها المباشر بالمركز الرأسمالي، وتمثيلها مصالحه، واما بسبب ثقافة القطيع السائدة لدى المجتمع، فلا ترى نفسها مضطرة للتغيير، طالما الوضع القائم ليس مكلفاً بالنسبة لها.

هل نستطيع الاعتماد على الذات، من أجل بناء دولة منتجة مستقلة ومجتمع منتج منتم معاف؟

هل بإمكاننا القضاء على آفات: تسول دولة وفقر مجتمع وثقافة قطيع سائدة، وهل بالإمكان تنمية قيم الانتاج والقيم الإنسانية النبيلة.

للإجابة على هذا الأسئلة، لا بد أن يخضع هذا الطرح للتحليل العلمي الموضوعي، ليس للرغبة أو العاطفة، بل لدراسة المعطيات: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، دراسة واقع وآفاق تطور قطاعات منتجة، الصناعات التحويلية، الثروات الطبيعية، الزراعة والصناعة والسياحة والثقافة... ألخ، والمقدرات الوطنية، والكفاءات والخبرات والقوى العاملة الوطنية، والتراكم الرأسمالي والتراكم المعرفي المتاح.

المعادلة بسيطة، الحل يكمن في العودة إلى مجرى التطور الطبيعي للدول والمجتمعات الوطنية، صيرورة بناء دولة ومجتمع الإنتاج.

الإنتاج يتحقق عبر خطط تنموية وطنية، ويتطلب توفر شروط محددة، هي:

   أولاً: إرادة سياسة وطنية حرة ومستقلة, فهل هي متوفرة في ظل الدولة التابعة؟ بالتأكيد لا، حيث يتطلب تحقيقيها إحداث تغيير في موازين القوى على الأرض، ويتم ذلك عبر وعي الشرائح الكادحة والمنتجة بمصلحتها وقوتها وطريق نضالها، ووعي النخب المنتمية والقوى الاجتماعية عامة لدورها في هذه اللحظة التاريخية، وهو ما يجري الآن على أرض الواقع إلى حدٍ ما.

ثانياً: ثروات وموارد  طبيعية، فهل هي متوفرة في الأردن؟ الجواب نعم بالتأكيد وبكميات هائلة (أنظر الدولة الوظيفية والثروات الوطنية المحتجزة، موقع المبادرة الوطنية الأردنية) سنتطرق لاحقاً لهذا المعطى.

ثالثاً: تراكم معرفي، تقني وثقافي، نعم متوفر بقوة، وإن إطلاق طاقات الشباب المبدع وفتح الباب أمام الكفاءات الوطنية والخبرات، التي تراكمت عبر العقود الماضية للتطوير، تلك الكفاءات المشهود لها على الصعيد العربي والعالمي، وتوفير مناخات حرية التفكير العلمي والابداع ، من أجل انتاج حلول وطنية واقعية للمشاكل الحقيقية الواقعية،  البعيدة عن ترهات حلول الغيبيات السلفية واللبرالية، والعودة عن سياسة تسليع الكفاءات وفرض الهجرة عليها.

هل تحتاج تنمية القطاعات المنتجة المعطلة، بسبب قرار خارجي،  إلى وقت طويل لإحداث عملية التحول نحو الإنتاج؟ أم هي عملية قابلة فوراً للتطبيق، أين نبدأ وكيف نبدأ؟.

يتبع...

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك