القائمة الرئيسية

قطاع السياحة والآثار /  الأردن ما بعد الجائحة التاجية 1/ جورج حدادين

30-04-2020, 20:56 جورج حدادين
إضاءات

قطاع السياحة والآثار /  الأردن ما بعد الجائحة التاجية 1/ جورج حدادين

 

الأردن متحف طبيعي مفتوح في الهواء الطلق، ونبض تحولات عظمى في تاريخ المنطقة، يختزن ذاكرة حضارات عميقة في التاريخ، مجهّل بها بشكلٍ ممنهج، حيث الكثير الكثير من الأردنيين، مسؤلين ونخب وعوام، لم يتعرفوا على عظمة تاريخ حضارتهم، ولا امتداد جذورها العميق في تراب هذه الأرض، التي تعود الى حوالي ( 27 آلف عام)،
هل تعرفون، من هي الجهة التي لها مصلحة في تزييف الوعي الجمعي، وحجز المعرفة بتاريخ هذه الحضارة، وهل انتم مدركون لأبعاد مخطط يسمى الحرب الناعمة، وما يترتب علىيه من تزييف ومن تداعيات، الهدف قد يكون واضحاً للبعض، ولكنه غير واضح للمجتمع، المحصلة أن المجتمع الفاقد لهويته التاريخية الحضارية سهل القيادة وسهل الانقياد، سهل قيادته من قبل المتبوع، وسهل انقياده الى ما يطرحه المتبوع، سهل الهيمنة على قراره الوطني وعليه بكله من الخارج.
إحداث تحول نوعي في وعي ومعرفة حضارتنا وادراكها، واستخلاص نتائج توظّف عملياً في خدمة مسيرة الانعتاق والتحرر والتنمية المجتمعية، المادية والثقافية والروحية، واجب وهدف، مهمة ووظيفة، لكل القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التحرر والانعتاق من ربق الهيمنة على الدولة والمجتمع.
الأردن متحف في الهواء الطلق، ليس هلوسة ولا أمنيات، بل واقع قائم بالفعل، آثار متعاقبة لحضارة ممتدة على مسافة 27 آلف عام، منذ العصر الحجري، وأول دخول في تاريخ الشرق في العصر الزراعي، قبل حوالي 12500 عام في منطقة عين غزال/ عمان، أول نبضة تحول حضاري في المنطقة، مروراً بالعصر النحاسي قبل سبعة آلاف عام، حيث لا تزال أفران صهر النحاس، ومناجم التعدين قائمة في وادي عربة شاهداً، ثاني نبضة تحول حضاري في الشرق، ثم العصر الحديدي قبل حوالي 3200 عام،
معرفة هذه التحولات العظمي في المنطقة، والتي انطلقت من هذه البقعة الجغرافية، ليس بهدف التفاخر، ولا بهدف الحنين الى الماضي، بل من أجل استخلاص الدروس لخدمة مشروع المستقبل، الصين العملاق، خرج من القمقم، بسبب ادراك الحزب الشيوعي الحاكم لأهمية استعادة التراث والحضارة القديمة وتوظيفها في خدمة مشروع التنمية والتطور والازدهار الحديث، حقق بسبب هذا النهج نتائج مذهلة، قفزت بالصين من مرحلة عبودية قوى الاستعمار الأجنبي لها، إلى دولة حققت الازدهار والتنمية، وتمكنت من محو الأمية والفقر، بهذه الفترة القياسية، وقد تكون الدولة الوحيدة في الثلاث عقود الماضية، ووضعت الصين في مصاف الدول العظمي.

قطاع السياحة والآثار هام جداً، ليس فقط لأنه يرفد خزينة الدولة بالمال، بل لسبب اعظم وأكبر وافعل، وهو المساهمة في إحداث نقلة نوعية في حياة المجتمع والدولة،  
يمكن توصيف وتشخيص الواقع القائم بالبائس، حيث المؤسسات الرسمية والشعبية المعنية في تطوير وتنمية قطاع السياحة والآثار، غائبة ومغيبة كلياً عن مهمة تنمية وتطوير وتفعيل هذا القطاع، ويمكن تشخيص بعض المعضلات التي يعاني منها، على النحو التالي:

·فلسفة إدارة قائمة على "النهج الريعي ومؤسسة الجباية" فلسفة إدارة عثمانية، ما زالت قائمة إلى يومنا هذا، رغم مضي أكثر من مائة عام على زوالها، زالت فلسفة الإدارة العثمانية في دولة تركيا الحيدثة، وما زالت قائمة في الأردن.

·انتقلت دول  العالم من فلسفة ومفهوم إدارة السياحة الى فلسفة ومفهوم "صناعة السياحة" والصناعة قائمة على ثلاث قواعد ارتكاز: المواد الخام ( المواقع السياحية والأثرية ومواقع احداث تاريخية وتحولات اجتماعية) والآلة ( مؤسسات العمل السياحي الرسمي والشعبي) والعقل البشري وما ينتج من مشاريع ومخططات استراتجية، بناء على سلسلة متواصلة من التفكير - الادراك - الإستنتاج، وما زالت مؤسسات العمل السياحي في الأردن تعتمد فلسفة الريع والجباية.

·شح الإمكانات المتوفرة وقلة الميزانيات المخصصة لهذا القطاع، ما يسمى ميزانية الكساد، حيث تبتلع الأجور والرواتب الجزء الأعظم من مخصصات المؤسسات العاملة في هذا القطاع، ولا يتبقى للتطوير والتنمية إلا اليسير.

·عرقلت مشاريع تنموية ومبادرات شعبية لتطوير القطاع، بسبب البروقراطية أو بسبب الشللية أو الفساد، أو بسبب غياب الانتماء، وخنق الافكار المبدعة والمنتجة لأدوات التطوير والتنمية.

·غياب الحوافز للمشاريع السياحية والأثرية، خاصة الابداعية منها، لا بل فرض ضرائب ورسوم عالية وضرائب مركبة ( ضريبة مبيعات وضريبة دخل، رسوم ترخيص وزارة السياحة ورسوم ترخيص البلديات، رسوم خدمات منفصلة: رسوم مشروب ورسوم غناء ورسوم اراجيل ورسوم كراسي ورسوم طاولات...ألخ)
رسوم واشتراكات تدفع لجمعية السياحة، التي لا تخدم الاعضاء المنتسبين بشيء يذكر، ولا تدافع عن حقوقهم، ولا تحدث أي تطور ملحوظ في أي مجال، لا بل هي بالفعل وفي الواقع مؤسسة تابعة تخدم سياسة وزارة السياحة وليس منتسيبيها،
ارتفاع كلف الكهرباء والماء والخدمات، بمعنى آخر، كل هذه الضرائب والرسوم والغرامات عوامل تخدم نهج حجز إحداث تراكم رأسمالي، يحقق تنمية هذا القطاع، كما هوحال كافة القطاعات المنتجة الأخرى.

·تحكّم جمعيات، عاملة في هذا القطاع، بمصير المشاريع السياحية، بالتعاون المباشر وغير المباشر مع عاملين في المؤسسات الرسمية، وفرض خاوات لصالحهم، على حساب مصالح اصحاب المشاريع السياحية القائمة، وغض الطرف عن هذه الممارسات من قبل أجهزة الرقابة.  

·غياب دور فاعل للسفارات الأردنية عن العمل المنتج، لتعريف وترويج السياحة بأنماطها المختلفة  والمتعددة في الأردن، في مواقعهم في الخارج.

·ألحاق السياحة الأردنية بمؤسسات سياحة اسرائيلية، عرقلت أنشاء وتطوير قطاع سياحي أردني قائم بذاته مستقل، بسبب سياسة الفرض من الخارج، و/ أو قد يكون بسبب شعور بالعجز وبسبب الكسل لدى القائمين على هذه المؤسسات .

هل يمكن الاستمرار بهذا النهج، وبهذه السياسة في مرحلة ما بعد الجائحة التاجية؟
الجواب بالتأكيد كلا.
هل هناك امكانات ليلعب هذا القطاع دوراً هاماً ومؤثراً في دعم سياسة الاعتماد على الذات ، ما بعد الجائحة التاجية؟
الجواب نعم بالتأكيد،

يتبع... 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك