القائمة الرئيسية

تنوع أنماط السياحة / ما بعد الجائحة التاجية 2\ جورج حدادين

01-05-2020, 20:48 جورج حدادين
إضاءات



سبق وأن طرحنا، في الحلقة السابقة، السؤال التالي:
 هل تتوفر معطيات حقيقية ليلعب هذا القطاع دوراً هاماً ومؤثراً في دعم الانتقال الى التنمية الوطنية وسياسة الاعتماد على الذات، ما بعد الجائحة التاجية؟
والجواب كان، نعم بالتأكيد،

الأردن يزخر بالمواقع الآثرية والسياحية الهائلة، تقدر المواقع الأثرية بحوالي 250 ألف موقع، تستند إلى حضارة تمتد على مدى 27 قرناً من الزمان، وأنماط سياحية متعددة، غير متوفرة عند الآخرين،
في ظل المنافسة الشديد في عالم السياحة بين الدول، يصبح الأستثمار السياحي الاستراتيجي القائم على التفرّد والتميّز في أنماط محددة من السياحة، لتحقيق قيمة مضافة عالية، حلقة مركزية في التفكير والادراك والاستنتاج، قاعدة سليمة تماماً لنهج "صناعة السياحة" بديلاً عن سياسة "ادارة السياحة" المفوته القائمة عليها السياحة اليوم، في هذا البلد،   
ولنبدأ الحديث عن مجالات سياحية نادرة ومميزة، قابلة للتنمية وبوتائر سريعة، بالاضافة للأنماط الكلاسيكية:

-         السياحة الجيولوجية، تتميز الأردن بتكشف صخور "قاعدة الركيزة" النارية في مناطق الجنوب، العقبة ووادي عربة، والتي يقدر عمرها بحوالي مليار وربع المليار عاماً، تتوضع فوقها صخور رسوبية، من رسوبيات العصر القديم إلى رسوبات العصر الحديث، وجميعها متكشفة يراها الجيولوجي والمهتم بالعين المجردة، هي حالة نادرة وجاذبة، عامود جيولوجي من تتابع طبقات من حقب جيولوجية قديمة الى حقب حديثة، متكشف للعين المجردة، محط أهتمام الجيولوجين، طلاباً وأساتذه ومراكز أبحاث وشركات، في كافة انحاء العالم، صخور الركيزة هي صخور نارية تقع على اعماق تترواح بين 8-16 كم على الكرة الأرضية، حيث كليات الجيولوجيا وعلوم الأرض ومؤسسات العمل الجيولوجي، والتي تقدر بالآلاف في العالم، تحصل على لبابة من آبار تحفر لعمق بين 8- 16 كم، لبابة من صخور القاعدة، تمثل موقع محصور، في منطقة الحفر، لكي يتاح التعرف على صفاتها وخصائصها الفزيائية والكميائية والمكانيكية، وتدرس لطلاب الجامعات والكليات والأبحاث العلمية، هي صخور متكشفة في بلادنا، دعونا نتصور، مدن جيولوجية في مناطق الجنوب، مناطق تكشف هذه الصخور، مهيئة لعين هولا الطلبة والباحثين، ألن تستقطب مئات الآلاف، أن لم نقل الملايين، من هؤلاء طيلة أيام السنة، يساعد على ذلك طقس مشمس طيلة السنة تقريباً وبحر، ناهيك عن تنوع وجماليات تشكيلات صخور متكشفة بألوان الطيف الضوئي، تصوروا معي أن جهة رسمية تمنح وثيقة مصدقة، تشهد بأن صاحبها يقف فوق صخور ركيزة عمرها مليار وربع المليار عاماً، في جنوب الأردن، بمبلغ نفترض أنه 20 $، كم سيكون المردود السياحي على الصعيد العالمي.
ولننتقل لوادي عربه، حيث تتلاقى الصفيحة الأفريقية النوبية مع الصحيفة الأسيوية العربية، اللتان تزحفان عن بعضهما بشكل أفقي، بمعدل خمس سنتمتر في السنة، ويقدر الزحف ( على طول الانهدام السوري الكبير) الذي بدأ قبل حوالي 15مليون سنة بحوالي 107 كم،
وفي موقع محدد في وادي عربه، ستضع رجلاً على الصفيحة الأفريقية والرجل الأخرى على الصفيحة الأسيوية، فوق خط فاصل بينهما، تبنى حوله مرافق سياحية، وتصوروا معي مرة أخرى، أن جهة رسمية تمنح وثيقة مصدقة للشخص الذي يقف فارداً قدمية فوق هاتين الصفيحتين، تثبت أنه يقف على رجلين كل واحدة منهما على صفيحة، كم سعادته واعتزازه بهذه الوثيقة سيكون، بمبلغ نفترض أنه 20$، في منطقة تتميز بجماليات تضاريس خلابة، جبال غرب وشرق الوادي تعلوها ثلوج في الشتاء، وفي الوقت ذاته طقس صيفي في الوادي، ومنظر تراكيب وطبقات صخرية، حال نزول المطر في الشتاء يغسلها فتتحول الى لوحات فنية آخّاذة تدهش الناظر،
ألا يمكن انشاء منطقة سياحية ضمن مشروع تنمية وتطوير وادي عربه، ويساهم في خطة التنمية هذه، إنفاذ مشروع قناة البحرين بجهود وقدرات وخبرات وكفاءات ورؤس أموال وطنية، بعيداً عن ما يسمى "المشاريع الاقليمية المشتركة" حيث يمكن اقامة اربع محطات لتحلية مياه البحر الأحمر، في مواقع أربعة على امتداد القناة، بناء على دراسات أنجزت في منتصف تسعينات القرن الماضي، وبكلف أقل بكثير من كلف مقدمة من شركات أجنبية،

نزولاً الى البحر الميت، حيث اخفض بقعة على الكرة الأرضية، واعلى نسبة اوكسجين، ومياه مالحة وطين علاجي للكثير من الأمراض وخاصة الجلدية، وعليه أنشاء اليونانيون مشافي في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث السياحة العلاجية، وخاصة للمتقاعدين، كان وما زال البحر الميت اسطورة بالنسبة للغرب ومحط اهتمام، بدأ اهتمام الغرب بالبحر الميت في القرن الثامن عشر، حيث أرسل بعثات استكشافية عديدة.

 

-         السياحة الدينية لمختلف الطوائف والمذاهب، حيث المغطس ( عماد المسيح) ومكاور ( قطع رأس يوحنا المعمدان) وعراق الأمير ( زيارة المسيح لها) وأم قيس نبيذ قانا الجليل، وأم الرصاص ووادي الخرار ( صعود أليا بعربة نارية إلى السماء)، وأضرحة الصحابة المنتشرة من الجنوب الى الشمال، من وادي عربة الى اليرموك، ومعارك الفتوحات، وموقع التحكيم بين علي ومعاوية (جبل على طريق بين معان و الشوبك) سياحة دينية للمسيحين بكافة مذاهبهم، وللمسلمين بكافة مذاهبهم، مواقع جذب سياحي هامة، تحتاج الى الأهتمام والتأهيل والتسويق، لتأخذ موقعها على خارطة السياحة العالمية.

-         السياحة الحضارية ، حيث مواقع حضارات موغلة في القدم، تمتد الى 27 آلف عام، مناطق البادية، حيث آثار أنسان العصر الحجري في الأزرق والعمري، وعين غزال موقع دخول عصر الزراعة لأول مرة في تاريخ الشرق، ووادي عربة حيث دخول العصر النحاسي لأول مرة أيضاً في تاريخ الشرق، وادي رم الذي يحتضن الخط العربي الأول، وادٍ يبهج النفس ويخطف الأبصار، والحميمة التي منها انطلق العباسيون للسيطرة على الدولة الأموية، ونقل الخلافة من دمشق الى بغداد، وحيث القصور الأموية في البادية، التي تمثل فلسفة الحياة عند الحكام الأمويين، ومدن ومواقع أثرية رائعة، البتراء (أحد عجائب الدنيا السبع) مادبا (مدينة الفسفيساء الأولى في العالم) أم قيس (مدينة النبيذ وأحد مدن الديكابولس العشرة) وجرش (مدينة مكتملة وحيدة متبقية من أثار " رومانية" في العالم) وضع رومانية بين مزدوجين لقناعة لدى الكثير من علماء الآثار أن من بنى هذه المدينة هم ابناء المنطقة، في عصر الاستعمار الروماني، وليس الرومان ذاتهم، سؤال للتفكير، كم كان عدد سكان روما في ذلك الوقت، لكي يتمكنوا من السيطرة على العالم القديم، ويبنوا كل هذا العمران على امتداد امبراطورية عملاقة،  المدرجات والقصور الصحراوية والكنائس القديمة، وأم الجمال وجبل الصياغة ( جبل نيبو) وحسبان...ألخ.
 

-         سياحة البادية وسهرات الليل الرومانسية الفريدة، وسرحات الخيال في الأفق الصافي البعيد، متعة خيال ومتعة رحلات حالمة في طريق التبانة والمجرات، وشلالات وادي عربة ( غرندل، وادي عبدالله ) و (حمامات ماعين، وادي الموجب...الخ ) ومناطق الينابيع الحارة، في أحدى عشر موقعاً على امتداد البلاد من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، وتسلق الجبال والغطس، وأجمل مواقع مراقبة الغسق على جبال الشراه، ووادي رم حيث تشكيلات صخرية رملية بألوان خلابة تمثل الطيف الضوئي، وطريق العبور الى شبه الجزيرة العربية في العصور الغابرة، يمكن أن يحدث الانتقال الى فلسفة ومفهوم "صناعة السياحة" نقلة مجتمعية، في حال شملت المناهج ووسائل الاعلام ووزارة التربية والتعليم وتخصص في كليات سياحية وفي الجامعات الأردنية، بالاضافة الى المؤسسات الرسمية والشعبية العاملة في هذا القطاع.
 
هل يمكن تصور هذا الكم الهائل من المواقع الأثرية ومواقع الاحداث وما حبته الطبيعة الأردن من مناظر خلابة، وما تركه لنا اسلافنا من مواقع حضارات؟
وهل يمكن تصور مردود استثمار هذا الأرث، بالاعتماد على الذات؟

يتبع...

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك