القائمة الرئيسية

كتب مشهور سندس.. الموجة الخامسة؛المواطن العالمي عنوانا للهيمنة, الجزء الأول

17-05-2020, 12:36 الهيمنة على العالم

في ظل الثورة الرقمية المعاصرة يتم التلويح بفكرة أخطر، تلغي تعريف الوطن والمواطن ، وتعمل على تغيير شكل الدولة التقليدي إلى دولة الاحتكام إلى ما تقتضيه حركة النهب الدولي؛ من تطبيقات ذكية، ومنصات بيع الكتروني، ودفع عن بعد، وتعلم وعمل عن بعد.


ما إن ظهر وباء كورونا وما رافقه من تعطل للحياة الاقتصادية في معظم دول العالم، حتى وجدنا أنفسنا أمام عدد لا متناه من هذه التطبيقات، التي تسعى إلى ربط المواطن إلكترونيا وعزله اجتماعيا، وقد تصدرت البنوك وشركات الاتصالات هذه الموجه من التطبيقات.


في خضم التقارير والابحاث التي نشرت في هذه الفترة، انقسم العالم بين الصين والولايات المتحدة الامريكية لبناء وجهة نظرمما يجري. عاد شعار النظام العالمي الجديد ليطفو على سطح المشهد السياسسي العالمي، في رد على إعلان الصين عن الجيل الخامس من التكنولوجيا (5G) وما أثاره ذلك من قلق لدى الإدارة الأميركية التي رأت الصين تتقدم للسيطرة على على عالم الاتصالاات الذي أصبح أداة التواصل العالمية في ظل الوباء.
تبدى بشكل واضح حرص الولايات المتحدة على مستقبل التكنولوجيا الرقمية وإبقاء هذه التكنولوجيا سلعة تغزو بها الاسواق، وأساسا لهيمنتها من خلال تحكمها بقواعد البيانات العالمية. كان وزير الخارجية بومبيو قد تحدث في بداية انتشار الوباء عن ضرورة وضع قاعدة بيانات عالمية مركزها الولايات العالمية ضمن الجهود "العالمية" لمواجهة الوباء.
هذه القاعدة العالمية كانت قد تحدث عنها، عام 2017، تقرير نشره أحد بنوك الأفكار بعنوان "تهديدات مجهولة المصدر / نحومساءلة قانونية في الفضاء الالكتروني"، دعا فيه لتاسيس منظمة دولية جديدة لما يعرف بالأمن السسيبراني، وقد أشرفت على التقرير مؤسسة مايكروسوفت، وأجري البحث في مركز سياسات الدفاع والأمن الدولي International Security Defense Policy Center.
في مؤتمر(بلومبيرغ ) والذي عقد بين 20-22 نوفمبر 2019 في العاصمة الصينية بكين صاحبة الجيل الخامس من التكنولوجيا الرقمية، تحدث هنري كيسنجر عن النظام العالمي الجديد الذي أصبح ضرورة ملحة يفرضها الواقع الدولي المستجد في ظل تعاظم عدد الدول المستقلة ذات السيادة في الكرة الارضية من ناحية، ولدواعي انتشار الفكر الديمقراطي ومبادئ المشاركة السياسية وتداول السلطة سلميا في العالم. وفي ذات المؤتمر حسم كيسنجر الصراع حول من سيقود النظام العالمي الجديد الذي سيقوم،برأيه، على التشاركية بين الولايات المتحدة والصين مستبعدا روسيا تماما. ورأى أن هذا النظام سيقوم على شكل جديد من الديمقراطية الليبرالية. أو ما يمكن أن نسميه الموجة الخامسة من التحول الديمقراطي، يُعاد من خلالها تعريف القضايا الأساسية بما فيها الهوية والمواطنة وصولا إلى المواطن العالمي.
فمن هو المواطن العالمي الذي يعاد تقديم تفسير له منذ أكثر من عقد وما هي الاسس التاريخية والفلسفية التي يتم تقديمه خلالها وهل سيكون جزءا أو مطلبا اساسيا للعالم الجديد ما بعد الوباء؟
يأتي التأسيس التاريخي الفلسفي للمواطنة العالمية من الإمبراطورية الرومانية التي اعتمدت المبدأ الرواقي المبنية على مبادئ سينيكا وأبتكيت، والتي أسست لمفهوم المواطن العالمي (الروماني) التابع للدولة الرومانية المترامية الأطراف، وأن الاختلاف بين البشر والمدن والدول ليس سوى ظواهر عرضية سطحية لن تؤثر على وحدة البشر. اعتبرت فلسفة سينيكاوابتيكيت الرواقية أن الجميع أخوة وليس بينهم أسياد أوعبيد، وهم جميعا مواطنون من حيث أنهم متفقون بالماهية وموجودون في طبيعة واحدة هي امهم وقانونهم، يقوم المواطن بجميع وظائفه، فيؤسس أسرة، ويعنى بالسياسة، لكنه لا يثور على النظام القائم ولا يحاول تحقيق مدينة مثلى بل يعتبرالنظم السياسية سواء ويجتهد في حسن التصرف بها .
بحسب أحد أكثر من تحدثوا عن الرواق عربيا؛ الباحث بن دوبة شريف الدين فإن الرواقية أول من نادى بفكرة القانون الطبيعي الذي أخذ مع الرومان بُعدا قانونيا وأخذ مع المسيحية والاسلام بعدا دينيا. فتشكلت أمم (عالمية) جديدة كالأمة المسيحية والأمة الإسلامية.
يجمع أغلب فلاسفة الرواقية على تعريف الرواق بأنه دولة عالمية هدفها الجنس ووحدة الجنس البشري ( لايتم التعامل فيها بالمال ولا بالقانون ولا بالدستور ، كما انه ليس هناك حاجة لقيام مؤسسات ولا محاكم، ولا ضرورة لوجود جنود، لأنه مجتمع اختفت منه الحروب واستغنى عن أي تنظيمات موضوعة ، ولم تعد به حاجة الا الى مجتمع يسوده الإنسجام مع غرائز الطبيعة ،مجتمع تختفي فيه الفروق الاجتماعية بين الرجل والمرأة ، وبين اليونان والبرابرة ، وبين الاحرار والعبيد ، أي تختفي فيه كل الفروق في الدولة الطبيعية الجديدة ).
اما تعريف الانسان العالمي في الاصطلاح فهو شخص ينأى بنفسه في فكره أو سلوكه عن الأعراف والقوانين بصيغتها المحلية، وينظر إلى العالم من وجهة نظر أسمى هي العقل .
يعرف المفكر الألماني انفريد هوفه الانسان العالمي: بأنه الانسان الذي لا ينغلق بذاته على كيانه الذي يعيش فيه، بل ينظر النظرة النسبية إلى الحدود الكثيرة التي تفصل بين البشر، لا سيما الحواجز التي تضعها الدول على حدود بعضها البعض، كالعوائق الدينية والإثتية واللغوية
اذا ففكرة المواطن العالمي التي ينادي بها المركز المهيمن في العالم ليست سوى امتداد للرواقية؛ بمعنى أن هذا المركز العالمي سخر كل معارفه الفلسفية لخدمة مشروع الامبريالية الليبرالية لتقديم محتوى أخلاقي لمشروع الهيمنة على العالم.
نجد أعضاء فاعلين بمؤتمر مثل دافوس مثلا يقدمون أنفسهم كمواطنين عالميين، وكذلك موظفي المنظمات غير الحكومية الدولية. ونجد أن قضايا كقضية المناخ وقضية المرأة تُسوّق على أنها قضايا انسانية جامعة وحدت البشر للوقوف بوجه التلوث والتمييز الجندري. وتطلق جامعات كبرى العنان للعاملين في مراكزها البحثية من مختلف الجنسيات لتقديم أبحاث تتحدث عن تلاشي فكرة الدولة الوطنية والثقافات المحلية وتجاوزها، وان العالم يجب أن يتوقف عما كان بين دوله من تباينات تاريخية وثقافية للولوج إلى عالم الثقافة الواحدة، هي بالضرورة ثقافة ليبرالية. فيتساوى الضحية بالجلاد، من يدفع ثمن التلوث من صحته واقتصاده، بمن يجني الأرباح من المصانع ومنصات النفط.
فهل يكون انتشار الوباء فرصةلتسريع تطبيق هذه الطروحات على المستوى العالمي ؟ هل ستكون هذه الموجة الخامسة من التحول الديمقراطي؛ موجة تكريس مشاريع كبرى سواء على صعيد عالمي بصناعة نظام عالمي جديد، أو المحلي كصفقة القرن؟ هل سينزع المثقفون العرب نحو التسليم،كعادتهم في مواقف كهذه، والركون إلى بكائيات وتنظيرات ااقوة والهزيمة لتبرير تخاذلهم، وقتل أي أمل ببناء حركة تحرر وطني عربي حقيقي؟
هل سنتحول الى رقم في العالم الرقمي وسيصبح المواطن العربي بحكم حاجته للتكنولوجيا متنازلا عن وطنيته وثقافته، لخدمة مايكروسوفت، وغوغل، وزووم وغيرها من الشركات العالمية التي مازالت تسعى للهيمنة على العالم تحت مسمى التحول الديمقراطي بموجته الخامسة.

 الاْردن

شارك