القائمة الرئيسية

كتب الكاتب نواف الزرو.. مرحلة الصفقة والتطبيع العربي: اخطر مرحلة  في تاريخ القضية والصراع..

14-06-2020, 08:51 الكاتب والمؤرخ نواف الزرو
موقع إضاءات الإخباري

 

     بمنتهى الوضوح المدعم بمعطيات وتطورات الوقائع على الارض الفلسطينية: ان القضية الفلسيطينية تمر في هذه الآونة-التي يمكن ان نطلق عليها مرحلة الصفقة والتطبيع العربي الذي وصل الى مستوى يعد خارج الزمن والتاريخ والعروبة-- بأخطر مرحلة في تاريخها، فالاحداث والتطورات والحملات الهجومية الانقضاضية الصهيونية تتتلاحق وتتكاثف على نحو محموم لم يسبق ان شهدناه قبل ذلك في تاريخ القضية، ففي المشهد الفلسطيني حروب صهيونية مفتوحة للاجهاز على الارض والتاريخ والحضارة والتراث وكل المعالم التراثية التي تحكي حكايات الوجود والحضور العربي في هذه البلاد-فلسطين، حروب صهيونية مفتوحة لاختراع رواية وهوية وحضارة صهيونية مزيفة على انقاض روايتنا وهويتنا وحضارتنا 
العربية الاسلامية.
    وان كان نتنياهو يشن حربا تراثية حضارية صريحة تمتد من الحرم الابراهيمي في خليل الرحمن..الى مسجد بلال –قبة راحيل- في بيت لحم..الى قبر يوسف في نابلس، ..الى خطة العمل من اجل تهويد نحو 30 الف معلم تراثي يهودي مزعزوم، مع التركيز دائما وابدا على المدينة المقدسة باعتبارها"مدينة الآباء والاجداد" لهم، ثم الى مطالبة الفلسطينيين والعرب بالاعتراف ب"اسرائيل دولة للشعب اليهودي"، ثم أخيرا الى صفقة القرن ومخططات وخرائط السطو المسلح على الاغوار وشمالي البحر الميت-والحبل على الجرار-، فان ذلك ليس صدفة او يقظة صهيونية متأخرة او مفصولا عن تاريخهم وتراثهم العدواني على هذا الصعيد. 
      فلا يمكننا ان نفهم هذا الذي يجري على ارض فلسطين والمدينة المقدسة من هجمات  استيطانية تهويدية  هستيرية الا في سياق الاستراتيجيات والايديولوجيات الصهيونية التي تسعى في الآونة الاخيرة لان تعطي غطاءا توراتيا لكافة الاجراءات الجارية على الارض.
     فعلى خلفية ان فلسطين هي "ارض اسرائيل" و"شعب الله المختار" و"ارض الميعاد" و"ان القدس هي "مدينة الآباء والاجداد"، وكذلك مدينة خليل الرحمن بالنسبة لهم، يواصلون عمليات السطو المسلح والتهويد الشامل لكل شيء عربي.
     فلم يحصل ان شاهدنا  في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني مثل هذا الاستنفار الصهيوني وراء مطالبة الفلسطينيين والعرب بالاعتراف ب"يهودية اسرائيل"، ولم يحصل ان كانت احوال العرب متفككة ضعيفة عاجزة في مواجهة مثل هذا الهجوم الاستراتيجي الصهيوني على فلسطين كما هي في هذه الايام.
    ففي العقود الماضية كان حلم مؤسسي"اسرائيل" ان يعترف العرب بدولتهم كأمر واقع فقط، ثم كبر وتضخم الحلم  ليصل الى "الاعتراف بشرعية اسرائيل"، ثم كبر حلمهم اكثر فاكثر، واصبحوا يريدون اتفاق سلام وتطبيع وتعايش شامل وكامل بين الطرفين مع احتفاظهم بكل الاراضي المحتلة تحت السيادة الاسرائيلية.
    وحينما وهن وهان العرب امامهم  انتقلوا بمطالبهم الابتزازية الى اخطر مرحلة  في تاريخ الصراع، وهي مرحلة  مصادرة وتهويد التاريخ والتراث والرواية، فهم ينحتون الآن الرواية الصهيونية للصراع على الارض ببناء الوقائع وحقائق الامر الواقع المدججة بنصوص تنوراتية،  وما المطالبة  بالاعتراف بدولتهم ك"دولة الشعب اليهودي" الا المرحلة الاخيرة في حروبهم، وقد وصلوا  من وجهة نظرهم الى  هذه المرحلة التي يرفعون فيها شعارات مثل"مملكة داود" و"ارض اسرائيل التاريخية" وغير ذلك.
فالذي يحصل في فلسطين في هذه الايام، يمكن ان نطلق عليه ذروة الهجوم الصهيوني على فلسطين بغية اختطافها واخراجها من كافة الحسابات الفلسطينية والعربية والدولية، لتغدو فلسطين من بحرها الى نهرها بالنسبة لهم "دولة يهودية نقية"...؟!
    فحينما نتابع مثل هذا الاندفاع الاستراتيجي باتجاه ابتزاز الاعتراف الفلسطيني والعربي والدولي ب"اسرائيل دولة الشعب اليهودي" او "يهودية اسرائيل" وغير ذلك من المسميات التهويدية، فان في ذلك 
اعلان  حرب  صريح على "ان هذه البلاد لنا..للشعب اليهودي، وليفعل الفلسطينيون والعرب ما يريدون"...!
    ويتطور الهجوم  الاسرائيلي على نحو اشد، فيقول نتنياهو "إذا قالت القيادة الفلسطينية بلا لبس لشعبها إنها تعترف بإسرائيل الدولة الوطن للشعب اليهودي، سأكون على استعداد لجمع حكومتي للمطالبة بتجميد جديد للبناء الاستيطاني".
 فتصوروا الى أي مبلغ بلغ الكرم الصهيوني على اصحاب الوطن..؟!
    فالواضح اذن، ان التشريعات والاجراءات والمطالبات العنصرية الاسرائيلية تصل الى ذروتها الايديولوجية السياسية الاستراتيجية، بالاجماع السياسي الصهيوني على المطالبة  ب"يهودية اسرائيل".
     وكان نتنياهو قد فتح ملف "الدولة اليهودية النقية"، بكل ما يترتب عليها من اجندات استراتيجية بعيدة المدى، ومن هواجس ترانسفيرية ضد الفلسطينيين، حينما طالب الفلسطينيين ب"الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي كشرط للحديث عن حل الدولتين"، مضيفا: "إسرائيل تتوقع من الفلسطينيين أن يعترفوا قبل كل شيء بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي قبل أن نبدأ بالحديث عن حل الدولتين".
    والحقيقة الساطعة هنا ان نتنياهو لا يتفرد بهذه المطالبة التعجيزية، اذ باتت الخريطة السياسية الحزبية الاسرائيلية تشير بوضوح الى توفر الاجماع الاسرائيلي الى حد كبير على هذه المطالب والاشتراطات الابتزازية.
فقد كانت وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي لينفي اكدت اكثر من مرة متحدثة باسم الاجماع الصهيوني "أن مطالبة إسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف بالطابع اليهودي للدولة تعكس حقيقة كونها وطنا قومياً للاجئين اليهود الذين توافدوا عليها من الدول العربية"، وكذلك رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أولمرت الذي كان أعلن"أن اعتراف السلطة الفلسطينية بإسرائيل على أنها "دولة يهودية" سيكون شرطا لمواصلة المفاوضات بين الجانبين"، وقال الجنرال باراك في كلمة ألقاها في مؤتمر"الإرهاب العالمي والجريمة الدولية" الذي عقد في "المركز متعدد المجالات" في هرتسليا: " يجب أن تعترف المفاوضات بإسرائيل كدولة يهودية والتأكيد بأن حق العودة لن يكون إلى داخل إسرائيل، بل فقط إلى داخل دولة فلسطين حينما تقوم".
    ويذكر في هذا الصدد ان هذه المطالبة كان وقف معهم فيها الرئيس بوش ووقف الرئيس اوباما كذلك يقف وراءهم فيها اليوم بكامل قوته وجبروته الرئيس ترامب بصفقته القرنية التصفوية، ففي حينه، لم يقرأ كثيرون جيداً وبعمق وتمعن رؤية الرئيس الاميركي السابق جورج بوش بحل الدولتين: "اليهودية والفلسطينية"، بل رحّبوا بها خير ترحيب غير مدركين لمعنى الدولة اليهودية، فظنوا – وعن طيبة قلب أو سوء تقدير – أن ما عناه بوش بالدولة اليهودية هي دولة اسرائيل الحالية التي تعتبر نفسها دولة يهودية، ودولة لابناء الشعب اليهودي في العالم كله، بينما جاهر ترامب بهذا الجوهر الصهيوني بمنتهى الوضوح والصراحة إذ يطالب الفلسطينيين والعرب بالاستسلام الشامل والكامل والنهائي للمشروع الصهيوني وتطويب فلسطين كاملة لهمك"دولة الشعب اليهودي"...!؟
تحتاج فلسطين في هذه المرحلة الاخطر في تاريخها الى وقفة مراجعة استراتيجية جادة جدا من الفلسطينيين وهم عمليا على هذا الدرب والمنهج، وكذلك من العرب العروبيين،  من اجل إعادة ترتيب وصياغة الاولويات الوطنية والقومية العروبين في زمن تهافت الأعراب التطبيعي الخطير جدا على مستقبل القضية....!

 نواف الزرو
Nzaro22@hotmail.com

شارك