القائمة الرئيسية

 الجبهة الثقافية و الغالبية العظمى.. القومية والمساواة\ خالد فارس

04-10-2020, 19:31 خالد فارس
موقع إضاءات الإخباري


اقتباس

حمل جورج لويد, رئيس وزراء بريطانيا فى 1916م, الفكر الإنجيلى البروتستانتى المعتزل الذى ساد فى بريطانيا, الذى "كانت توجهات عمرها قرون نحو تولى القيادة فى عملية إعادة اليهود الى جبل صهيون, وعلى خلاف زملائه كان لويد جورد يدرك وجود هذه التوجهات بحماسة, بل, فى الحقيقة, كانت هذه التوجهات تشكل خلفية عقيدته المعتزلة", "لقد كان لويد جورج عبارة عن حلقة أخيرة فى سلسلة طويلة من المسيحيين الصهاينة فى بريطانيا, وهى سلسة امتدت جذوها منذ عهد البيوريتانيين المتطهرون أو الطهريون وزمن انطلاق سفينة مايفلاور أو زهرة أيار التى حملت مجموعه من المهاجرين البيورتانيين مبحرة نحو العالم الجديد أمريكا. كانت أراضى الميعاد لا تزال تشكل محورا للتفكير فى تلك الأيام, سواء كانت تلك فى الولايات المتحدة أو على أرض فلسطين". 
من كتاب ديفيد فرومكين نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط. دار عدنان (2015). قراءة وتقديم منذر الحايك, ترجمة وسيم حسن عبدو. صفحة 215. النسخة الانجليزية الاصلية فى صفحة 267.


مقدمة


الغاية من ادراج هذا الاقتباس, لاظهار أمر مهم مفاده أنه لا يوجد اقتصاد أو سياسة بلا ثقافة. الخلفيات الثقافية للقادة والنخب تكشف لنا عن الشرعية التى يسعون لتحقيقها.

المشاريع السياسة الاقتصادية, بحاجة الى معنى وهوية, وبدونها لا تتجسد فى الواقع. و هنا يكمن دور الثقافى, فى صناعة وانتاج المعنى والهوية. سنسلط الضوء فى هذا المقال, على الصراع الدائر مع المشروع الصهيونى, فى الجبهة الثقافية. 
ونبدأ بطرح السؤال التالى: هل أثرت المعركة الثقافية على العقل الجمعى العربى, مما أدى الى اختراق ثقافى فى هذا الوعى, آل الى ولادة تصورات تبسيطية أو مارقة, لطبيعة الصراع وأولوية وجوهر الصراع مع الاستعمار الامبريالى, ورأس حربته الكيان الصهيونى؟ 
يؤكد لنا الإقتباس الذى أوردناه, بأنه أثناء مرحلة تأسيس الامم, أو تأسيس لنظام عالمى جديد, يتم استحضار مسوغات ثقافية, يمكننا ألتقاط حيثياتها من المزاج العام لدى النخب, التى تعنى بالشأن العام. حيث تعمل هذه النخب على بناء حيز ثقافى, ليصبح الاطار الذى تنطلق منه عملية انتاج المفاهيم الجديدة التى يراد شرعنتها. و عندما تتبلور هذه المفاهيم, تتحول الى نمط ثقافى, يتخذ شكل الجسد المتكامل, الذى سينمو ويتطور ويتأزم, أيضا. 
عندما يصل الجسد الثقافى الى لحظة يصبح فيها المعادل العام, له خاصية عامة تعبر عنه, بمعنى أنه يقيس ويقاس به, ويقارَن على أساسه أى ثقافة أخرى, يحمل هذا الجسد الخاصية العامة للمرحلة. يتناتج منه تصنيفات وتعريفات وقيم ومبادىء وماهية الهوية. بلغة أخرى, فان الخاصية العامة للجسد الثقافى هى عبارة عن مجموعة مبادىء وأفكار وعقائد تنبنى فى ممارسات ثقافية, يمكن التعبير عنها بأنها المشترك الثقافى, أى أنها تمثل العمل الثقافى أو العمل المطلوب تنفيذه ليصبح العام. ويشكل هذا العمل, سمة عامة للجسد الثقافى. 
لقد دأب الاستعمار البريطانى على تكريس فلسطين للصهيونية, كل فلسطين دون أجزاء, "ففى آخر مذكراته كتب جورج لويد: أنه عارض فى الماضى تقسيم فلسطين فى اتفاقية سايكس-بيكو لأنها تمزق ذلك البلد, حيث يذهب معظمه إلى فرنسا أو مناطق حكم دولية. وقال: أنه من غير الجدير أن نفوز بالأرض المقدسة "لنمزقها إلى قطع أمام الخالق". وأكد أنه "إن أعيدت السيطرة على فلسطين يوماً, فيجب أن تكون موحدة غير مقسمة, لكى تجدد عظمتها ككيان مفعم بالحياة". ص 215. 
الجسد الثقافى للمسيحية الصهيونية يقوم على معادل عام, مقياس لكل شىء, أن فلسطين هى ارض لبنى صهيون, وليس ممكنا أن يتم تقسيم هذه الأرض أو حتى مشاركة العرب فيها. ووجود العرب ليس سوى سكان, يمكن التعامل معهم من خلال قوانين خاصة أو مدنية, أو اعطائهم حقوق لا تتعدى تجمع سكانى كبير. 
ولكن هذا الجسد الثقافى, المسيحى الصهيونى, الذى حملته النخب فى بريطانيا, وتم تتويجه فى وعد بلفور, تعرض عبر سنوات الى تغيرات, آلت الى التراجع عن بعض من مكوناته, الى أن جاء دونالد ترامب, وأعاد اطلاقه من جديد, العملية التى تعمل على بعث قيم المسيحية الصهيونية, بعث الخاصية العامة لهذا الجسد, بمعنى تجسيدها كحقيقة كونية, تحتوى المنظومات الديمقراطية الليبرالية الأوروبية وغيرها. أما المنظومات الأخرى سيتم وضعها تحت ضغط شديد, حتى تستسلم لهذا الجسد الثقافى.    
حافظ المشروع الصهيونى على الخاصية العامة للثقافة الصهيونية, بعد أن تأسس فى دهاليز المسيحية الصهيونية فى بريطانيا وأميركا. مازالت التجمعات اليهودية الصهيونية تتجذر بهذه الخاصية العامة. يقول تشومسكى  "أن أكثر مجتمع دينى متطرف فى العالم هو المجتمع اليهودى الاصولى المتجذر فى أميركا". المسألة هنا ليست فقط فى التطرف, إنما فى ثبات الجسد الثقافى الصهيونى على معادل عام, وعدم قبول أى تغيير فيه.  


الجسد الثقافى العربى
لم يتبلور جسد ثقافى عربى له خاصية عامة, الى أن جاء جمال عبدالناصر, الذى سعى الى صناعة الخاصية العامة, من خلال مشروع تحررى قومى. فى مواجهة ذلك, كان الجسد الثقافى الاسلامى يحاول أن يكون خاصية عامة للعرب والمسلمين على السواء, ولكنه تَرَنّحَ أمام خصوصيات ثقافية دينية بين الاسلام الوهابى واسلام الاخوان المسلمين واسلام الهاشميين و حركات صوفية وغيرها, فأنتهى المشروع الاسلامى فى أشكال خاصة, متمايزة, كل منها يعتبر نفسه, الخاصية العامة. 
تَمَيّزَ كل شكل خاص من الاسلام الثقافى بتناقضه أو تضاده مع الأشكال الخاصة الأخرى, وتحول فى ذات الوقت الى مثبط و نقيض أحياناً لنشوء خاصية عامة للجسد الثقافى الاسلامى, يمكن أن تمثل المسلمين والعرب, وتُكَوّن غالبية عظمى. فاستحال الاسلام الثقافى أن يكون الخاصية أو السمة العامة لبلورة الغالبية العظمى العربية. ان الفشل فى تحقيق الكتلة التاريخية, التى تمثل الغالبية العظمى, كقوة منظمة للمشروع, يعنى الفشل التاريخى فى نشوء مجتمع حديث, الذى من نتائجه أن يتناهى الواقع المعيشى الى تجمعات سكانية تجزيئية, ضمن تشكلات خاصة: مذهبية عشائرية اقليمية الخ... 
أدى ذلك الى تنامى الجسد الثقافى الاسلامى فى نمط اقصائى (انموذج التكفير, طاعة ولاة الامر,الخروج من الملة, الولاء والبراء الخ.. ) وتحول الى فكر نخبوى (الفقيه والداعية) مما حدى فى انتاج الفكر والمعرفة عملية فوقية, أى تتم من اعلى الى اسفل الهرم, كأنها عملية بث اخبار للعامة, عن ماهو الصحيح وماهو الخطأ. 
نجح جمال عبدالناصر, فى رسم خطوط الخاصية العامة للمشروع الثقافى العربى, الذى حول فكرة القومية, الى نظرية وحركة فى التاريخ, وليس حزب بذاته أو حكومة أو مشروع نُخَبْ أو دولة وطنية-قُطْرِية على مقياس زعيم. عندما ربط عبدالناصر الصراع مع الاحتلال الصهيونى فى سيرورة بناء الامة العربية الحديثة, يكون عبدالناصر قد زرع المعادل الثقافى العام لفكرة وحركة القومية الحديثة, التى انطبعت بالتحرر من الاستعمار والصهيونية.  
تنامى هذا الجسد الثقافى, السمة العامة, فى سمات خاصة وطنية ومحلية وفرعية, و على مستوى الأفراد. وأصبحت السمات الخاصة شكلاً مميزا للخاصية العامة, وليس نقيضا أو منفصلاً عنها. سَطّرَ ذلك مزاجا عاما للنخب العربية, فانتقل العقل الثقافى العربى الى أنموذج عام. ساهمت السمات الخاصة فى اغناء السمة العامة واثرائها, أى أن هذا الجسد الثقافى هو التجربة الحديثة الأولى, التى استطاعت ان تحول السمات الثقافية الفرعية الى السمة العامة للجسد الثقافى.  
لم يكن لهذا الجسد الثقافى أن ينشأ, الا عندما انطلق من حيثية تاريخية, تعبر عن المرحلة التاريخية التى تمر فيها الامة العربية, وهى فكرة المساواة الانسانية, التى ترسخت فى الوجدان العربى, وكذلك أصبحت لها قيمة تاريخية, لماذا؟ لأن كل أنواع العمل العربى تتساوى بقدر ما تبقى فكرة القومية, فكرة عامة أو سمة عامة لتحرر المجتمع العربى, أو الخاصية العامة للانسان العربى. والقومية فى هذا السياق ليست عرقية, أو معطى ساكن, بل جائت فى سياق مشروع الحداثة, أى أنها منتج حديث, ينطلق من مبادىء تشكل القوميات الحديثة, لهذا فان فكرة المساواة التى عبرت عنها الناصرية, هى عبارة عن تأسيس وطن للجميع, لا يستقى مضمونه من أنه عربى فى سياق اللغة أو العرق أوالدين, أو تصورات ماقبل الحداثة, بل أن العروبة تستقى مفهومها من المساواة الحديثة.  
ثم ارتبطت فكرة مساواة العمل العربى بالاستقلال الصناعى والانتاجى, ففتحت ابواب التاريخ أمام سيرورة تنظيم قوى الانتاج العربى فى عملية البناء الاقتصادى. اذا الاستقلال والمساواة, أصبحا العناصر الفاعلة التى يتنامى حولها أعضاء الجسد الثقافى للعروبة الحديثة.  وقد عبر هذا التنظيم لِقِوى المجتمع, عن تحول فى المجاميع السكانية, فى الهوامش, الى كتلة تتنامى فى أغلبية عظمى, منظمة بوسائل وأدوات انتاج جماعية. 
وحيث أن "كل نضال هو نضال سياسي", فان الفعل السياسى ابان الناصرية فى الحيز السياسى تبلور فى نطاق العدالة السياسية. فأصبحت الديمقراطية ذات جناحين, جناح المشاركة الحقيقية (أن يشارك الجميع بمن فيهم الفلاحين والفقراء والعمال, وليس كما كان سابقاً أن يشارك الأغنياء فقط) والجناح الآخر هو جناح الحريات. 
لم يقبل عبدالناصر أن تقوم واحدة على حساب الأخرى. لهذا أنتجت الناصرية الثقافية, مجتمعا, يقوم على السياسة والاقتصاد و الثقافة, جوهره المساواة و الاستقلال الصناعى والانتاجى والعدالة السياسية. وتطلب تحقيق ذلك, انجاز مهمة كبرى, التحرر من الصهيونية والاستعمار. هذه هى الصيرورة التى ميزت نشوء القومية العربية الحديثة,. بلغة أخرى, هذا هو شكلها الثورى, الذى يميزها تاريخيا. على الرغم من أن هناك أشكال اخرى, ميزت نشوء القوميات الحديثة من خلال ثورات سياسية-اقتصادية (فرنسا) أو صناعية (بريطانيا) أو غيرها. 
لا بد من الاشارة الى مسألة تتعلق بمفهوم الغالبية العظمى. لا نقصد بذلك الغالبية العددية, كما هو متعارف عليه فى الليبراليات الغربية. إنما نقصد بمفهوم الغالبية العظمى, هو مبدأ المساواة داخل القومية وبين القوميات, أى أن يكون هناك غالبية عظمى تدفع وتتوحد حول مساواة الاعمال والممارسات التى تؤول نحو اشتقاق القومية من مساواة الديمغرافيا على أساس مبدأ الانسانية الكلية, أو الحالة العامة البشرية ككل-Mankind.  
شكلت هذه السمة العامة للجسد الثقافى العربى, ابان الناصرية, المزاج العام للنخب العربية, الذى تَمَيّزَ فى شكل تاريخى, تمثل فى التحرر من الاستعمار, لانجاز مهمة المساواة فى الاطار القومى والاستقلال على قاعدة الانتاج والعدالة السياسية.   
كنا فى تلك المرحلة, ولأول مرة فى التاريخ الحديث, وأرَجِّح قبل الحديث, ولكن على الاكيد منذ أكثر من 600 عام (الخلافة العثمانية), أمام فرصة بناء مجتمع. لم يكن للعرب مجتمع قومى يقوم على المساواة, فى السابق, بل كان هناك سمات خاصة فرعية, تشكلت فى قوالب الخلافة الاسلامية, ولم يستطع نظام الخلافة بناء مجتمع عربى. ولا أقول أنه لم يكن للعرب مجتمع انتقاصا أو اخذ الامر باتجاه ما, ولكن أريد أن أشير أن الانتقال الى فكرة مجتمع, هى فكرة حديثة, ولكنها أصبحت ضرورة واولوية تاريخية لبناء الامم الحديثة, فهى صناعة تاريخ حديث, على مستوى الامة. أو الانتقال من نمط الامة فى خلافة الى أمة فى مجتمع متوحد ومتنوع.  
المحاولات التى جرت لضرب التجربة الناصرية, هى ببساطة تدمير للسمة العامة للمجتمع, عدم السماح بوجود غالبية عظمى, وتحويل المجتمع الى أقليات, أو أفكار أقلوية, لا تستطيع أن تنتج كتلة تاريخية ضاربة فى عمق التاريخ لبناء الوجود القومى الحديث لها. بلغة أخرى اعادة انتاج نظام الخلافة العثمانية, أو تمثلاته فى أشكال حديثة, التى أخرجت العرب من التاريخ الحديث. 
بعد وفاة عبدالناصر, وتحول مصر الى حليف للكيان الصهيونى من خلال اتفاقية كامب ديفيد, فان كافة التجارب التى ساقتها النخب العربية, سواء الاسلامية أو العلمانية, لم تستطع انتاج سمة عامة تنتج غالبية عظمى, على الرغم من أن هناك تجارب قاربت الموضوع, منها مازال فاعلا وممكن التحول الى كتلة الغالبية العظمى, ومنها من ارادت نُخَبُهُ, أن تقطف الثمار, فقفزت الى السمة الخاصة (الهوية الفرعية), وأضعفت السمة العامة. 

اقتباس
فى مقال هنرى كيسنجر فى صحيفة الWall Street  بتاريخ 16 /10/2015, يقول أن سُنّةْ الشرق الأوسط (وهو يقصد غالبية الشرق الأوسط) يواجهون خطرا من أربعة مصادر: الحكم الشيعى الإيرانى ودورها الإمبريالى على "الخليج الفارسى", حركات راديكالية أيديولوجية ودينية  تسعى للإطاحة بالبنية السياسية, صراع فى داخل كل دولة بين مجموعات إثنية ودينية تشكل بعد الحرب العالمية الأولى تعيش الآن مرحلة إنهيار دولها, ضغوط محلية من جراء سياسات تدميرية إقتصادية ومجتمعية, وينظر الى سوريا "ثورة السنة على العلويين فى سوريا (الفرع الشيعى)." 
ويقترح كيسنجر أيضا, "منظومة فيدرالية بين العلويين والسنة.....من أجل تخفيف مخاطر الإبادة العرقية", وأن دور الولايات المتحدة هو "تطبيق نظام عسكرى كضمان للدول السنية التقليدية فى المنطقة", ويقصد بذلك الأردن, مصر, الخليج العربى تحديدا. وأخيراً, "بالنسبة لأميركا فإن الشرق الأوسط سيكون الأكثر مباشرة-وربما الإختبار الأكثر قطعاً وحدةًّ, والسؤال ليس فى تقوية أميركا عسكرياًّ, بل فى الحلول الأميركية فى مفهمة وسيادة العالم الجديد".  كما أنه يحذر أميركا من خطر المواجهة بين كتلة شيعية وأخرى سنية, وبناءا على ذلك يطالب أميركا فى الحفاظ على توازنات القوة فى المنطقة. 
بين جورج لويد رئيس وزراء بريطانيا ابان النصف الاخير من الحرب العالمية الاولى, وهنرى كيسنجر ودونالد ترامب ما يزيد عن مائة عام, الا أننا مازلنا أمام نظرية واحدة (هجمة استعمارية), لها ذات القاعدة والمنطلقات, تفتيت الغالبية العظمى فى أو الى أجزاء وشظايا, حتى لا تتشكل القومية العربية الحديثة على أساس المساواة الاجتماعية, أو مجتمع يحقق المساواة والانتاج والعدالة السياسية.
كاتب عربى. 

شارك