القائمة الرئيسية

نحو تأسيس مصطلح قومي عربي واضح

01-12-2020, 02:11 د. ابراهيم علوش
إضاءات

 

نحو تأسيس مصطلح قومي عربي واضح- طلقة تنوير 72

 

لأن القومية العربية باتت تعني أشياء مختلفة، وحتى متناقضة، للناس المختلفين، وقد التبست المعاني المتصلة بها وتداخلت إلى حدٍ بات معه الخلط هو سيد الموقف، لا بد من تأسيس مصطلح قومي عربي واضح.  فإذا كان لا بد من أن نختلف على القومية العربية، دعونا نحدد على الأقل على ماذا نختلف بالضبط.

 

العروبة أو القومية العربية كهوية وانتماء:

هي الرابط الذي يشد أبناء الأمة العربية إلى بعضهم البعض استناداً إلى اللغة والتاريخ والثقافة والرقعة الجغرافية والمصير المشترك، وهي عوامل تاريخية عمرها آلاف السنين تنتِج الهوية القومية العربية والانتماء القومي العربي طبيعياً. 

نقول القومية العربية تمييزاً لها عن القوميات الأخرى، الصينية مثلاً أو الفرنسية أو الطورانية أو غيرها، إذ أن الوجود البشري على هذه الأرض يأتي على شكل شعوب وقبائل، والشعوب قوميات، ولا نقول شيئاً هنا عن أفضلية قومية على أخرى، إنما نقول إن انتماء أي فرد لقوميته هو هوية تاريخية تستند إلى حقيقة الوجود القومي. 

والعروبة، بالمجرد، هي تلك الهوية وذلك الانتماء بغض النظر عن التوجه السياسي أو الفكري أو الديني أو الأصل العرقي  لحامل الهوية العربية.

القومية العربية (كمدرسة فكرية وعقيدة):

هي أيديولوجيا أو مبدأ فكري تلتزم به حركات أو أحزاب سياسية أو مثقفون أو مناضلون، فهناك حركات أو أحزاب قومية عربية، ناصرية أو بعثية أو قومية يسارية مثلاً، وهنالك مفكرون قوميون، مثل ساطع الحصري أو عصمت سيف الدولة أو ياسين الحافظ أو ناجي علوش وغيرهم، وهناك قادة قوميون، مثل الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس بشار الأسد، وهذا يعني أن هؤلاء عملوا أو يعملون من أجل وحدة الأمة العربية وتحررها ونهضتها، أو أنهم قدموا رؤىً فكرية تبلور المفاهيم القومية أو طرق تحقيق مشاريع الوحدة والتحرر والنهضة، وهناك مناضلون قوميون هم جنود وضباط المشروع القومي الذين يعملون ويضحون من أجل تحقيق أهدافه.   

 

العروبة الرسمية أو الجامعة العربية:

هي الإطار الذي يضم الدول التي صنع حدودها الاستعمار، فهي تمثل منظومة التجزئة، ولا تمثل الأمة العربية، لأن الأمة العربية هي الشعب العربي بلغته وتاريخه وثقافته ومصالحه ومصيره، والأمة العربية لم توجد تاريخياً بالشكل المقسم الذي تعبر عنه الجامعة العربية اليوم، فالجامعة العربية إطار صنعه البريطانيون ليمثل حدود التجزئة، وليحافظ عليها، وبالتالي فإن الأمة العربية والهوية العربية لا علاقة لهما البتة بما تفعله الجامعة العربية التي باتت تسيطر عليها أنظمة رجعية متخلفة تابعة للغرب، وما يحدث داخل الجامعة العربية هو نتاج ميزان القوى بين الأنظمة العربية، فلا يمكن أن ينتج عن الجامعة العربية شيءٌ جيدٌ إلا بتأثير أنظمة ذات توجه وطني وقومي داخلها، والجامعة ما هي إلا انعكاس للوضع العربي، ولكن المهم أن الجامعة العربية أو الأنظمة العربية ليست ممثلة العروبة.

 

الوطن العربي:

هو الموطن الجغرافي للأمة العربية، وهو يتميز بحدود طبيعية معرّفة بالحواجز الطبيعية من جبال طوروس وزاغروس إلى البحار والمحيطات والصحارى الكبرى، وهذا الموطن يتعرض للتآكل بالغزو والاحتلالات عندما تكون الأمة ضعيفة ومجزأة كما يحدث اليوم، وبالتالي فإن مصطلح الوطن العربي أوسع من "البلدان العربية"، لأن في وطننا العربي أراضيَ محتلة كثيرة، لا فلسطين فحسب.  ويجب أن نحذر من مصطلح "العالم العربي" المضلل، الذي يوحي أننا لسنا أمة واحدة، والأخطر منه طبعاً مصطلح "الشرق الأوسط" الاستعماري.

 

الشعب العربي:

هو أبناء الأمة العربية وبناتها في كافة الأقطار العربية وعددنا اليوم 450 مليوناً تقريباً، وهو يختلف عن مفهوم "الأمة العربية" في أن مفهوم الأمة يتضمن معنى الذاكرة التاريخية واللسان العربي والأجيال السابقة وتلك التي لم تولد بعد، فمفهوم الأمة العربية أوسع من مفهوم الشعب العربي.  فالشعب العربي جزء من الأمة العربية بشرياً ومعنوياً لكنه يعني الحاضر فقط، وهو تحديد بشري، أي "العرب"/الناس هنا واليوم، أي هو السوريون والعراقيون والحجازيون واليمنيون والمصريون والسودانيون وأهل المغرب العربي إلخ...

 

وبالتالي فإن من يشتم "العرب"، فإنما يشتم ذاته، ولا يجوز الخلط بين الأنظمة العربية وما تقوم به من جهة، وبين العروبة أو الشعب العربي من جهةٍ أخرى، فإذا قام نظام عربي تابع للغرب بشيء ما ضد عرب آخرين فإن ذلك لا يدين كل أبناء البلد الذي يحكمه ذلك النظام، ولا يجعل عداءنا مع القُطر الذي يتحكم فيه ذلك النظام.  وكما قال الرئيس الأسد بعد تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية: "العروبة هي انتماء لا عضوية..

 

العروبة هي هوية يمنحها التاريخ، لا شهادة تمنحها منظمة.. العروبة هي شرف يتمثل بالشعوب العربية، وليست عاراً يحمله البعض من المستعربين على الساحات السياسية في العالم أو في الوطن العربي" (جامعة دمشق 10/1/2012).

 

العروبة الحضارية:

هي مفهوم طرحه السيد الرئيس بشار الأسد، مع العلم أن الرئيس الأسد من أكثر المثقفين العرب عنايةً بالمصطلحات وتفكيكها وكشف رسائلها ومضامينها، ويجد القارئ الكريم تأصيل مفهوم "العروبة الحضارية" وتنظيره في مادة "ما هي العروبة الحضارية؟" لكاتب هذه السطور يمكن إيجادها بسهولة على الإنترنت، ولكنه باختصار مفهوم يركز على العروبة كوعاء متعدد الأعراق والأديان والتوجهات السياسية والفكرية، وهو يركز بالأخص على أن العرق، أو الأصل العرقي، ليس من عوامل تكوين الأمة أو القومية، وأهمية ذلك أنه يبني العروبة على أساس لغوي ثقافي وجغرافي وحتى مصلحي (جغرافي-سياسي)، بمعنى المصالح الكبرى لأهل الوطن العربي الكبير الذين قد يتحدرون من أصول غير عربية أو من أصول عربية قديمة، وبالتالي فإن هذا المفهوم يضع العروبة على أساس منفتح متفاعل، لا على أساس شوفيني، من شوفينية، بمعنى تعصب قومي. 

وسنجد لو عدنا لتعريف العروبة الحضارية أن العروبة منذ العصر العباسي حتى منظري الفكر القومي الحديث استندوا لمفهوم العروبة الحضارية، لا للمفهوم النازي للقومية الذي بناها على أساس العرق الآري وما شابه.  وكما قالها الرئيس الأسد: "آخر شيء في العروبة هو العرق.. والعروبة هي حالة حضارية" (جامعة دمشق 10/1/2012)، وكما أكد سيادته في لقائه مع العلماء ورجال الدين في 23/4/2014: "عندما نتحدث عن العروبة لا نتحدث عن العرق.  العرق هو آخر شيء نفكر فيه منطقة مثل منطقتنا المتنوعة".   

 

 

الوطنية:

من وطن، وهو تحديد جغرافي، كما الشعب تحديد بشري، فيما الأمة تمثل تحديداً اجتماعياً-سياسياً يتضمن الوطن والشعب، وفي حالة الوطن العربي يتضمن كل الأراضي العربية والأقطار الموجودة ضمنها، وقد استخدم العرب كلمة وطن، أو موطن، قديماً لوصف أشياء متنوعة، من الحي إلى القرية التي يسكنها الإنسان أو ينتمي إليها إلى المنطقة أو المدينة التي تنتمي إليها تلك القرية أو ذلك الحي إلى البلد أو القطر الذي يكون الإنسان مواطناً فيه، والحس الوطني بالمعنى المعاصر يعني الحرص على ذلك القُطر والشعور بالانتماء إليه واتخاذ موقف من أي محاولة لإخضاعه أو الهيمنة عليه أو التدخل فيه أو احتلاله من قبل الاستعمار سابقاً أو الإمبريالية حالياً أو أدواتها أو من قبل قوة أجنبية، ولذلك توصف حركات التحرر من الاستعمار بأنها حركات وطنية، تسعى للتخلص من الاستعمار الفرنسي أو البريطاني في البلدان العربية، من المغرب للمشرق العربي، أو الاحتلال الصهيوني لفلسطين طبعاً، وكلها وطنيات حظيت بدعم شعبي عربي عارم.

 

فهل هناك تناقض بين الوطنية والقومية يا ترى؟ لا تناقض بين الوطنية والقومية العربية على الإطلاق إذا حددنا عن أي وطنية وقومية نتحدث بالضبط.  فعندما يتعلق الأمر مثلاً بمواجهة قُطر عربي مع استعمار أو قوة هيمنة خارجية، على سبيل المثال، عندما تحتل فرنسا الجزائر، كلنا جزائريون، وعندما يحتل الصهاينة فلسطين، كلنا فلسطينيون، وعندما يعتدي الناتو على ليبيا، كلنا ليبيون، وعندما تحتل الولايات المتحدة العراق، كلنا عراقيون، وعندما يحتل العدو الصهيوني لبنان، كلنا لبنانيون، وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان من الطبيعي أن نكون كلنا مصريين، إلخ...

 

بالتالي فإن الدفاع عن استقلال قطر عربي في مواجهة عدوان أو احتلال أو تدخل، مثل التدخل التركي في سورية أو ليبيا، هو دفاع عن الأمة العربية كلها، وريثما تتحقق الوحدة العربية، فإن التأكيد على الهوية الوطنية في وجه المخاطر الخارجية أو الداخلية، مثل الإرهاب التكفيري أو مشاريع التفكيك، هو عمل قومي بامتياز، وكذلك محاولة استنهاض القطر ثقافياً أو اقتصادياً أو إدارياً أو بأي شكلٍ إيجابي، مع الإدراك والتأكيد أن لا نهوض حقيقياً في أي قطر عربي بمفرده من دون مشروع قومي، ولا تحرر حقيقياً من دون مشروع قومي.  

 

فمن أين يأتي مثل ذلك الانسجام بين الوطنية والقومية يا ترى؟  لو نظرنا إلى كل الوطنيات العربية الحقة لوجدنا أن القاسم المشترك فيما بينها هو عروبتها، فتلك هويتها وجوهرها التي تجعلها جزءاً من وطنية الانتماء للوطن العربي الكبير، ولكي تتسع العروبة لكل تلك الوطنيات، وكل ما فيها من أعراق وأديان ومناطق وعشائر، فإنها لا بد من أن تكون عروبة حضارية، غير عرقية، وبالمقابل فإن الوطنيات الحقة لا تجد ضيراً في الاندماج في وطنيات أخرى في بوتقة العروبة، أما عندما يكون الحس القُطري مناهضاً للعروبة كقاسم مشترك، ورافضاً للانضواء تحت لوائها، وعندما يوضع الحس الوطني لأحد الأقطار العربية في مواجهة الحس الوطني لقطر عربي آخر، كعائق قُطري في وجه قُطر عربي آخر، فإن ذلك لا يعود حساً وطنياً، بل يصبح نزاع قُطريات، مثلاً، ما حدث مرة من تراشق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها نتيجة مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر، أو عندما تُفتح نزاعات على مستوى الشارع مثل فلسطيني-أردني، أو سوري-لبناني، أو مغربي-جزائري، إلخ.. فهذا بكل صراحة لا علاقة له بالوطنية من قريب أو بعيد، وبالتأكيد لا علاقة له بالقومية العربية، بل هو أشبه بصراعات داحس والغبراء المألوفة في تراثنا وثقافتنا للأسف، حتى داخل القطر الواحد أو المحافظة الواحدة أو القرية الواحدة، وهي نزاعات، على كل حال، لا تغير من انتماء المتنازعين للعروبة شيئاً، لأن العروبة هوية حضارية ترسخت عبر آلاف السنين، وهي أقدم من أي قُطر عربي ضمن حدود عابرة رسمها الاستعمار ولا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

 

د. إبراهيم علوش 

باحث وكاتب 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك