القائمة الرئيسية

بالفيديو /كما صلب الحلاج سلخ جلد تلميذه، تعرفوا على قصة النسيمي، قصة من قصص عصر الظلام

26-12-2020, 23:15 عماد الدين النسيمي
إضاءات

 

 

ثقافة 

عندما بدؤوا بسلخ جلد الشاعر  ، شُحب وجهه ، فقال له القاضي ساخراً: «إذا كنت الحق كما تدعي فلماذا بدأ وجهك بالشحوب؟ فرد عليه نسيمي قائلا: «الشمس تشحب دائماً عند المغيب.. لتشرق من جديد».

 

 

في عام 2019م غنّى سامي يوسف قصيدةً لعماد الدّين النّسيمي باللّهجة الأذريّة التركمانيّة، وهي قصيدة قالها بلسان الذّات الإلهيّة ويقول فيها بناءً على ترجمة الأستاذ محمّد هاشم من اللهجة الأذريّة التركمانيّة، وقد ترجمها في تشرين الثّاني "نوفمبر" من عام 2020م ممّا أسهم في تجدّد رواجها بشكلٍ واسع ، 

إتسع كلا العالمين في داخلي، لا يمكن لهذا العالم إحتوائي،( إندمج كلا العالمين في داخلي، أنا لا أندمج مع هذا العالم)

جوهر اللامكان أنا(أن يشمل ذات الله ذاتك في عقيدة فرقة الحروفية)، لا يحتويني الكون ولا المكان،

أنا السهم والقوس، أنا الشيخ و أنا الفتي

من هو  قائل هذه القصيدة  ؟!

ولماذا تم تكفيره من مشايخ السلطان وبرعاية السلطة السياسية ؟!

ولماذا  كانت طريقة قتله - سلخ جلده- بهذه الطريقة الوحشية ؟! 

 أسئلة نجيب عليها ونحن نستعرض وإياكم هذه السطور ....

بدايةً هو ذات الأسلوب القديم الحديث ؛ فعندما تتخوف السلطة السياسية من كل فكرة جريئة تكسر النمطية ومن كل ظاهرة  تجديد  تخلق ثورة خارج المألوف ، خصوصاً إذا ما إستشعرت السلطة السياسية القمعية أنها ثورة تهدد مصالحها ووجودها ؛ فأسهل الطرق هو إستغلال الخطاب الديني من خلال مشايخ السلطان ، وفقهاء السياسة الذين يتلونون بحسب أهواء الحاكم ومطامعه، ومازالت حادثة ابن رشد والحلاج اكبر دليل على علاقة المصالح ما بين الحكم السياسي ومشايخ البلاط ، و التي تتبع أكثر الطرق الوحشية واللاإنسانية لتطبيق الغاية التي بمنظورهم تستبيح الوسيلة حتى وإن تجاوزت كل مفاهيم الإنسانية والرحمة وإتساع الفكر والتنوير ، ولكن  وكما قال النسيمي قبل مقتله بلحظات : " الشمس تشحب دائماً عند المغيب.. لتشرق من جديد».

من هو نسيمي؟
عماد الدين النسيمي شاعر وفيلسوف ومتصوف كبير عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. وتم اتهامه بالهرطقة والكفر ثم تم اعدامه قتلاً في حلب بطريقة بشعه ؛ حيث تم سلخ جلده  في سوريا سنة 1418 للميلاد ، وكان من جماعة "الحروفيين" .

أبصر النور عام 1369، بمدينة شماخي (أذربيجان) ليصبح أحد أشهر الشخصيات في عصره. يدعي العديد من الباحثين أنه ولد في شماخي فيما يرى آخرون منهم أنه ولد في بورصة وتبريز وباكو وديار بكر وبغداد وحتى شيراز. عكف عماد الدين نسيمي على دراسة آثار الفلاسفة والأدباء البارزين في عصره، فيما وقف بشكل متعمق على الفلسفة اليونانية القديمة وفلسفات الشرق الكلاسيكية

نسج نسيمي أولى قصائده باسم «حسيني» تكريماً للمتصوف الشهير حسين منصور حلاج، ثم استفاد من تعاليم مؤسس الحروفية فضل الله نعيمي الاسترآبادي، وتبنى اسمًا مستعارًا عرفَ بـ «نسيمي»، ليبدأ تحت هذا الاسم يكتب قصائد وأشعارا تهدف لنشر أفكار الحروفية.

لقد أصبح واحداً من أشهر الشخصيات الحروفية، ليس على مستوى أذربيجان وحسب، ولكن أيضًا في مصر والعراق وإيران والأناضول، وبدأت قصائده تدور على الألسن.

 

تأثره بالمذهب الحروفي :
آمن نسيمي بمذهب يسمى «المذهب الحروفي».

جماعة "الحروفيين" أي الذين يعتقدون أنه يمكن التوصل إلى معرفة أسرار الوجود عن طريق معرفة سر تبادل الأرقام والأعداد والحروف. وهي فكرة كان فيها جرأة في التفكير وقوة في مواجهة رجال الدين المتزمتين آنذاك والذين افتوا بقتله.

في عهد السلطان العثماني «مراد الأول»، ظهر من يُدعى فضل الله بن محمد التبريزي المعروف بالحروفي. وقد دعا «التبريزي» تيمورلنك الى هذا المذهب ؛ فعزم تيمورلنك على قتله .
 

تحت ضغط تيمورلنك اضطر الحروفيون إلى الهجرة في اتجاهات مختلفة، ولاسيما إلى شرقي منطقة الأناضول وغربيها. وفي أثناء ذلك نظم النسيمي كثيراً من الأشعار التبشيرية بالحروفية، موضحاً فلسفتها بحسبان أن الموجودات كافة انعكاس للرب الذي قال: «كن، فكان»، بما يعني أن الرب قد تجسد في كلماته المؤلفة من حروف. فإذا عرف الإنسان حروف القرآن الكريم (28 حرفاً) وحروف كتاب الأسترابادي «كاڤيدان نامه» (32 حرفاً) فبإمكانه تفسير كل شيء في العالم اعتماداً على قيمه العددية وتأويلاته


 مذهبه بقى بعده الى منتصف القرن السابع عشر الميلادي.
وتمذهب به شاعران هما عماد الدين نسيمي.. ومريده الشاعر «رفيعي».

 

كتب الشاعر أعماله الغنية والخلاقة، بثلاث لغات - التركية (التركية الأذربيجانية) والفارسية والعربية وقد وصلنا الكثير من أعماله المكتوبة بالتركية (لغته الأم) والفارسية. إن الشاعر قد كتب وصنع الشعر الكلاسيكي في مختلف أشكال الفن وأنواعه (الغزل، والقصائد، والمستزاد، والعروض، والرباعيات، والمثنويات، إلخ)، كما وضع نسيمي أسس القصيدة الفلسفية باللغة الأم في الأدب الأذربيجاني.

و برع نسيمي في نظم حزنه ومعارضته بقوة بأسلوب جميل وقيم تحمل معاني الشجاعة والعاطفة والتشويق.

 

أسلوبه:

حاول النسيمي  أن يعكس العلاقة المباشرة التي لا تنضب بين الخالق وعبده من خلال فلسفته الخاصة واستخلص دارسو مجموعة النسيمي الشعرية التركية «الديوان» أنه قد مرّ على صعيد تطوره الفكري والفني الشعري بمرحلتين أساسيتين:

•مرحلة ما قبل التقائه المعلم فضل الله الأسترابادي ـ مؤسس المذهب «الحروفي» والذي أُتهم بالهرطقة وأُعدم في عام 1393

  حيث تأثر النسيمي بعمق  بأعمال كبار شعراء الصوفية مثل أحمد يسوي (ت.1166) وجلال الدين الرومي ويونس إمره (1240-1321) والتأثر الأكثر كان بكتابات الحسين بن منصور الحلاج شهيد المتصوفة الأول.

وقد ظهرت آثار ذلك بجلاء في قصائده الأولى، كما ظهرت في شعره في الوقت نفسه أغراض شعر الغزل الدنيوي كالشوق والفراق واللقاء بجمالية فريدة ذات طابع تجديدي. وقد كان النسيمي آنذاك من أتباع الشيعة الاثني عشرية، وعبّر في كثير من قصائده عن إيمانه هذا بإسهاب وعمق تصويري.

• المرحلة الثانية ترتبط بالتقائه المعلم فضل الله الأسترابادي في مدينة باكو، وكان بمنزلة المنعطف الحاسم في مصيره؛ إذ إعتمدت على تفسير الوجود والكون  مستعيناً بتأثره بالكتب السماوية إضافة إلى عناصر من التراث الإيراني القديم.

وسرعان ما صار النسيمي بمنزلة خليفة المعلم في الحركة الصوفية الحروفية، فتغيرت مضامين أشعاره وإيقاعاتها، ولقَّب نفسه في قصائده الجديدة لأول مرة بالنسيمي أسوة بمعلمه الذي لقَّب نفسه بـ "نعيمي"

 

ولما كان الإنسان أجمل تمظهر لعملية الخلق الإلهي، فقد تجلى الله في أحسن خلقه. ولما كان وجه الإنسان أبرز أجزاء جسمه وهو قابل للتفسير بالقيم العددية، فعلى الإنسان اكتشاف نفسه وفهمها كي يجد طريقه إلى الله.

 

سبب تكفيره وطريقة قتله :

تجاوز النسيمي في حماسته لإيمانه كل الحدود  التقليدية والنمطية المتعارف عليها دينياً واجتماعياً، وكان تأثيره في الناس سريعاً وعميقاً، مما جعله خطراً على الدولة المملوكية في سورية التي قررت التخلص منه.
 

بعد عدّة ملاحقات في بلدان عدّة استقرّ ، المقام بالنّسيمي في مدينة حلب التي كانت خاضعةً لحكم المماليك آنذاك ، وسرَت دعوته وتحلّقه حوله الشّباب ، فاستشعرت السّلطة السّياسيّة مع الفقهاء خطورة دعوته ، أمّا الفقهاء فكانوا يرون دعوته إلى الدّين وعلى الشّريعة بما فيها من انحرافات. ، بينما بدأ المماليك يرون فيه خطرًا على استقرار سلامتهم لاتّساع تأثيره وخشيتهم من تحوّل ثوريّته الفكريّة إلى ثوريّة سياسيّة.

 

وبتحريض من الشّيخ شهاب الدّين أحمد بن هلال الحسبانيّ الشّافعيّ الصّوفيّ ، وبتدبير مكيدة من سلطة المماليك تمثّلت في وضع  بعض أوراق المصحف في حقائب النّسيمي وروايات أخرى قالت أنه وضعها في نعليه  ومن ثم الوشاية به ؛  ووقف بعد الوشاية أمام القاضي سأله: ما الحكم في اليد التي تعبث بالقرآن؟ فأجاب: تقطع ، فقال: ها أنت أفتيت لنفسك ، فما كان منه إلّا أن أعلن أن يسلّم امره لله...!


وحكم عليه بالإعدام بطريقة في غاية البشاعة وهي السّلخ حيًّا ثمّ تقطيع أعضائه وهو يسلَخ إلى أن تكون النّهاية بقطع رأسه ، وأن يكون ذلك في ساحة عامّة وربط النسيمي إلى مسلخه ، بما في ذلك من محبّيه الباكين عليه ،  ليكون عًبرة لهم !


ويقول كتاب «تاريخ الأدب التركي»  إن مفتي حلب كان من شهود قتله. وما شهد الكافر وهو يلقى الجزاء على كفره حتى صاح عليه غاضباً وهو يقول: إنه نجس يموت ميتة نجسة، ولو وقعت نقطة من دمه على جارحة من جوارحي لقطعتها! وكان من عجيب الاتفاق أن يُكشط جلد نسيمي، فيصيب المفتي رشاش من الدم، وتسقط على إصبعه، وتنبه إلى ذلك صوفي كان حاضراً، فالتفت إلى المفتي وقالك لقد سقطت نقطة من دمه على إصبعك فاقطعها كما وعدت أيها المفتي».


ويقال إنه عندما بدؤوا بالسلخ، شُحب وجه الشاعر، فقال له القاضي ساخراً: «إذا كنت الحق كما تدعي فلماذا بدأ وجهك بالشحوب؟ فرد عليه نسيمي قائلا: «الشمس تشحب دائماً عند المغيب.. لتشرق من جديد».

من أقواله الفلسفية هذه العبارات ذات الدلالة:

إنك تحتاج كي ترى وجهي
إلى عين تستطيع أن ترى الله.

مختارات من أشعار النسيمي :

•اعلم أيها الإنسان أن نعمة الله هي الإنسان.
وأن سيد الكون هو الإنسان
وأن ذروة الخلق كله هي الإنسان
وأن مالك الأرض والسموات هو الإنسان.

•أنا الجسد والروح
ولكن الجسد والروح لا يسعاني.

•لا إله إلا نحن
نحن نعرف ذلك دون ريب
عندما نرفع القناع عن وجهنا.

•اعطني حبًّا وخذْ الغد لنفسك.
فإن ساعة أقضيها مع حبيبي
لن أبادلها بكل الدهر.

•لقد غصتُ في بحر لا أستطيع عبوره
لقد وقعتُ على كنز خالد لا يدركه الفناء.
لقد دخلت مدينة قناطرها لا يقدر عليها الدمار
لقد وجدتُ قمرًا لا عيب فيه.

•أنا الصدفة واللؤلؤة معًا
أنا الطريق إلى الجنة
ساحة الدنيا لا تسعني
أنا الكنز الإلهي الدفين
أنا العين التي تبصر.

•كوني حبيبتي
فروحي لا تصبوا إلى غيرك.
أنت حبيبة روحي
وروحي لا تصبو إلى غيرك.
إن حديقة ورد وجهك هي جنة النعيم في الفردوس

 

صور :

"نسيمي " فيلم من انتاج استوديو أذربيجان فيلم  في 1973 كان بمناسبة الذكرى الستمائة لمولد الشاعر

 

تحتضن تربة "حلب" رفات الشاعر الصوفي الأذربيجاني "عماد الدين النسيمي" وذلك في زاويةٍ واقعةٍ في الطرف الشمالي من خندق القلعة تُسمى "زاوية النسيمي

 

 

طابع بريدي من الإتحاد السوفيتي صدر في الذكرى الستمائة لمولد عماد الدين النسيمي، 1973

 

 

شارك