القائمة الرئيسية

كتب نارام سرجون:《 ثورة الخليج الثقافية .. قيء مخلوط بالدم 》

03-01-2021, 14:19 اعرم ومال عربان التطبيع
موقع إضاءات الإخباري

            
  لا أزال لا  أقدر على أن أقول الكلمة وأخونها وأطلق النار عليها في ظهرها .. لأنني سأكون كمن يطلق طائرا كان في قفص ثم ما ان يحلق قليلا الا ويصوب عليه بندقيته ويقتله بدم بارد ..

فمن يخون الكلمة سيخون كل شيء .. ولذلك أحسست بالصدمة من ان صاحب مقولة (أبناء القحبة .. هل تسكت مغتصبة؟) الشهيرة قد خان قصيدته الثائرة ونال جائزة من ابناء القحبة وأطلق النار على كلماته التي كانت عصافير تطير في كل الدنيا ؟؟

كلماته تحولت الى سبايا صارت ملك يمين أبناء القحبة الذين اشتروها في سوق الجواري .. يضاجعونها كل ليلة في سرير النفط .. وتبين لي لاحقا ان الخليج تحول بشكل مدروس الى مغناطيس يجتذب كل الشعراء وكل المفكرين وكل الكتاب وصناع الفن والثقافة ..

وكنت أظن ان السبب مبرر لأن الثقافة تحتاج الى رعاية ومال .. ولكن تبين ان الأمر مقصود ومتعمد حيث ان المال الخليجي أنيطت به مهمة اسرائيلية منذ زمن وهي تدمير الفكر والثقافة في الشرق عبر تدمير حملة الفكر والثقافة وترويضهم بالدولار وتحييدهم بالجوائز الثمينة تحت اسم وشعار دعم الثقافة على شكل رشوة الثقافة ..

وهكذا صارت صاحبة (ذاكرة جسد) أحلام مستغانمي بلا ذاكرة لأن الجوائز صادرت ابداعها وقلمها وأسكتت قلمها الى الابد .. حيث يستحيل ان يكون هناك ابداع في ظل المال ومن أجل المال .. وتحول تميم البرغوثي من شاعر القدس الى شاعر النفط الاسود وشاعر قاعدة العيديد القطرية بلا منازع في انحطاط أخلاقي وقيمي لم يشهد شاعر مثله ..

تخيلوا ان أكثر من يقوم باجراء لقاءات مع المفكر والشاعر السوري أدونيس هو الاعلام الخليجي واعلام لبنان (اعلام الطوائف) التابع للخليج .. وهم يفتشون جيوبه في كل لقاء عن كل كلمة قالها مؤيدا للخميني ويحققون معه بسببها وعن كل كلمة عاتب فيها ثورة الاخوان المسلمين .. ويحلبون كل كلمة قالها بحق بلده ليصنعوا منها وقود التحريض على بلده .. ولكن لايوجد هناك أي دراما او وثائق او اعلام سوري او مقاوم يقوم بمحاكمة نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية المتخلفة والاستهلاكية وغياب القوانين والدستور في الخليج المحتل كنوع من الفعل الموازي والضروري كيلا يظن الناس ان الخليج لايحق له ان يقوم الشرق لأنه ليس بلا عيوب ولاثقوب ..

الفن السوري صار أيضا يهاجر والوجوه السورية اجتذبتها رائحة النفط والجوائز وكان هناك سخاء في استيراد الفن السوري والدراما وكتاب النصوص والكلمة .. وصارت المسلسلات السورية والدراما المصرية بدل أن تركز على تنوير الجمهور انتقلت الى حالة ارضاء النرجسية الخليجية .. فالغريب ان كثيرا من الاعمال الدرامية السورية والمصرية (التي تحكي عن زمن عبد الناصر) تركز على بعد واحد وهو رجل المخابرات الذي لايرحم والذي يصادر الحريات ويدمر العائلات .. وهو مايشكل بيئة تحريض على الدولة لانها تتجسد في شخص ضابط المخابرات المتنفذ الذي يجب ان يكرهه الجميع ويقتله الجميع .. رغم ان مايعانيه المواطن العربي من رجل المخابرات لايمكن الاستهانة به على الاطلاق ولكن التركيز على هذا الجانب في حياة المواطن يجعلنا نحس أن كل هزيمة وكل فشل عشناه كان سببه رجل المخابرات .. وهذه الفكرة بحد ذاتها فكرة عجزية عن حل المشكلات .. لأن مشكلاتنا كبيرة جدا والكل مسؤول عنها ورجل المخابرات ليس الا جزءا من الصورة .. فالجهل والتدين المريض والغزو الثقافي والعولمة والغزو الاقتصادي والتخلف في البحوث وضعف مصادر تمويل التعليم ومعالجة قضايا الطائفية والتنوير احدى المعضلات الكبرى والتحديات التي لعبت أدوارا أكبر بكثير من رجل المخابرات الذي كان مجرد شماعة نعلق عليها فشلنا الفكري والحضاري ونقول ان رجل المخابرات الذي يحمي الفاسدين هو من منعنا عن التطور والتعلم .. بدليل ان الحرب على سورية كانت تتغذى على قصص الفساد التي تقولها المسلسلات السورية تحديدا وتشرب من حكايات الرعب عن القمع البوليسي للمخابرات مثل مسلسل الولادة من الخاصرة وأمثاله .. وكان المخرجون يجدون ان هامش الحرية المفتوح للنقد مخصص فقط لادانة عقلية الدولة وهو مادة جذابة للجمهوروتدل على نبل الرسالة الفنية وجرأتها .. وهذا كلام نتفق فيه الى حد ما ولكنه قدم للمشاهد حلا كاملا لكل مشاكله يقتصر في التخلص من الدولة الفاسدة والذي ترجمه البعض الى عداء مطلق للدولة .. كل شيء بدا بريئا وجميلا وناقدا كانت في الظلام تقف خلفه قوى مالية خليجية تحقن السم من خلاله في العروق والخلايا .. حتى مسلسل الملك فاروق الذي أنتجته الأموال السعودية بممثلين سوريين ومصريين واخراج سوري أراد ان يقتل عبد الناصر بقسوة بفكرة ان العهد الملكي كان الأفضل وان الملك فاروق كان مظلوما وأن ثورة يوليو عار بما فعلته بالعهد الملكي الذي برأه المسلسل من كل مانسب اليه .. وكذلك عندما تم انتاج التغريبة الفلسطينية وصلاح الدين من قبل الراحل حاتم علي تمت استمالة حاتم علي الى الخليج والهائه بانتاج هامشي وأعمال هابطة لاتقترب من القضية الرئيسية للعربي والمشرقي .. وهذه معضلة حقيقية حيث يموت الابداع او يتتفّه ويميل الى شباك التذاكرومدائح الجرائد .. الغريب ان كل الانتاج الدرامي العربي اليوم صار بيد الخليج وهناك نوع من الارهاب المالي والردع لكل مفكر او ممثل او مخرج يفكر في تحدي هذا الارهاب حيث يتعرض للعزل والحرم والمقاطعة والتغييب .. بحيث لايوجد مسلسل واحد يحدثنا عن سيرة الاسرة الحاكمة القطرية او الاماراتية أو الكويتية او الهاشمية .. بل كل الانتاج العربي والغناء والشعر والدراما والافلام عن القمع البوليسي لعبد الناصر وحافظ الاسد وصدام حسين ..

لاتوجد قضية فساد واحدة في الخليج مثل صفقة اليمامة يعبر عنها دراميا .. او قصة ناصر السعيد .. ولايوجد مسلسل واحد يحكي عن قمع ملك المغرب وقصة أوفقير .. ولايوجد وثائقي واحد عن طريقة حكم مشيخات الخليج .. بل هناك عشرات الوثائق عن القذافي والخميني وبوميدين .. وكلها تزوير بتزوير ..

ولكن من الذي يجب أن يلام أيضا؟ أليس المجتمع الذي يجلس في المقاهي للثرثرة حيث مطاحن الوقت؟؟ ومن الذي كان يجمع التبرعات لبناء الجوامع بدل الجامعات بحيث ان ماأنفق على المساجد من أموال التبرعات والناس يكفي لاحداث ثورة علمية في البحوث واطلاق برامج تعليم بلاحدود؟ .. ومن الذي كان يدفع الرشى للفاسدين؟؟ انه المجتمع الذي انهار أخلاقيا وانتج شخصية رجل المخابرات .. المجتمع في أعماقه كان يرى الانحطاط الاخلاقي والفكري ولكنه كان يبحث عن مبرر ويرمي بثقله على رجل المخابرات كأسهل طريقة للتخلص من المسؤولية .. لأن لومه سهل ومقبول في الثقافة العربية والذائقة العربية منذ ان كان هناك عسس و”حجاج” في تاريخنا .. ومنذ ذلك الوقت ونحن نبحث عن الحجاج ورجاله لأنهم صاروا جزءا من ثقافتنا في التهرب من المسؤولية عن كل مانحن فيه ..

هذا الفشل في تصويب الثقافة هو فشلنا جميعا .. وفشلنا في وزراة الاعلام والمؤسسات الثقافية .. التي وقعت في الفخ الخليجي ولم تقم برقابة صارمة على نوعية الانتاج وأثرها التراكمي على الثقافة ..

والنتيجة هي انتشار الفساد وانتشار ثقافة الانتقام والثأر من الدولة ولوم الدولة والاتكالية والحياد السلبي بل وسرقة الدولة كجزء من الثقافة حيث اننا ننتقم من الدولة التي تسرقنا ونسرق الفاسدين الذين يسرقوننا كما نتعلم من الدراما الممولة خليجيا .. والنتيجة هي عدم وجود مبادرات خلاقة جماعية بل أسطوانة لطم جماعية تلوم الدولة فيما الجميع يقف ينتظر معجزة من السماء .. وللأسف فاننا تحولنا الى آلة انتاج ضخمة لثقافة وفلسفة الخليج المحتل وهي فلسفة تتحكم فيها الفلسفة الصهيونية ..

نحن نكتب مايريده الخليجي في دفتر الشروط والمواصفات .. ونحن نمثل وفق ما يريده صاحب الدفتر .. ونحن نخرج .. فيما الخليجي يشتري ويتحكم في البورصة .. ويفرض نوعا من الثقافة والأفكار .. ويكون طابخ السم آكله .. فالخليجي يشتري السم .. ونحن نطبخ هذا السم .. وشعبنا يأكله .. ويتقيأ من جوفه .. 

الربيع العربي .. قيئا مخلوطا بالدم برائحة نفط أسود وعباءات نتنة ..

شارك