القائمة الرئيسية

حول بيان جمعية الشتات الفلسطيني الموجه إلى كافة الفلسطينيين

08-01-2021, 19:17 د. ابراهيم علوش
موقع إضاءات الإخباري

 

لقد مضت مدة طويلة منذ ذكر الميثاق القومي (المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية) لعام 1964 في بيان صادر عن هيئة أو منظمة شعبية فلسطينية أو عربية، لذلك كان مثلجاً للصدر التأكيد على الميثاق القومي كمرجعية للثوابت الوطنية الفلسطينية والقومية بشأن فلسطين في بيان جمعية الشتات الفلسطيني الصادر في 6/1/2021، وهي علامة ومفاجأة إيجابية فارقة مبشرة بالخير في الحقيقة.

ثمة مقتطفات من البيان على موقع "بوابة اله د ف" وغيره، غير أن النسخة الكاملة لم تنشر على الفيس، بحسب علمي، على الأرجح لضرورات تجنب الحظر، ولكنها وزعت على مجموعات خاصة مختلفة.

وقد ورد فيها التأكيد على أن فلسطين كلها لنا، وعلى ضرورة العمل لتحريرها بكافة الوسائل المطلوبة وعلى رأسها الكفاح الم س ل ح. كذلك ثمة دعوة لسحب الاعتراف بالكيان وخروج قيادة المنظمة من تحت سلطة الاحتلال إلى الخارج، واستعادة زخم العمل الوطني الفلسطيني ليشمل كل أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجده، في الشتات والأرض المحتلة عام 48 والضفة وغزة، وضرورة مغادرة الرهان على الولايات المتحدة ومعسكرها والرجعيات العربية والإسلاموية وقرارات الأمم المتحدة إلخ...

وفي النهاية ثمة تأكيد على استمرار الثورة طالما بقي الاحتلال الصهيوني جاثماً على أرض وطننا من البحر إلى النهر. وجاءت الجملة الختامية هكذا: عاشت فلسطين حرة عربية، والنصر لنا، ومثل هذا التأكيد على عروبة فلسطين، على الرغم من أنه ورد ضمناً عند الحديث عن الميثاق القومي، هو أيضاً علامة فارقة في الخطاب السياسي السائد حول فلسطين، لأن الصراع هو في النهاية حول عروبة الأرض.

لأن القاسم المشترك واسعٌ جداً مع الإخوة والرفاق الذين صاغوا البيان، فإنني أرجو أن يتسع صدرهم لبعض الملاحظات، من موقع الصديق والرفيق، من دون أن يقلل ذلك أبداً من أن الهامش الأعظم هو هامش الاتفاق.

أولاً :

الحديث في البيان عن "فشل الجميع يميناً ويساراً وإسلاميين وقوميين..."، بعد تحميل المسؤولية لقيادة م. ت. ف الرسمية عن الوضع المأساوي الذي آلت إليه القضية الفلسطينية، يحتاج إلى بعض التدقيق والتحديد، فما فشل هو نهج التسوية والاستسلام، وما أثبت نجاعته هو نهج المقاومة والتمسك بالثوابت الوطنية والقومية التي يدعو البيان للتمسك بها، ونحن معه في ذلك، وإذا كانت هناك فصائل وشخصيات بعينها قد فرطت وتنازلت أو هادنت نهج التسوية والاستسلام، فإن ذلك يدين ذلك النهج تحديداً ويدينها هي، ولا يُسقط كل الخطوط داخل وخارج منظمة التحرير بغض النظر عن موقفها من التسوية والاستسلام.

وربما كان هذا ما قصده الرفاق الذين صاغوا البيان إنما الصياغة قد توحي بغير ذلك. فالميثاق القومي لعام 1964 مثلاً يؤكد على قومية معركة تحرير فلسطين، وبالتالي لا يمكن أن يكون الخط القومي ذاته قد سقط. وقس على ذلك بالنسبة لكل من يتمسك بالمقاومة نهجاً ومشروعاً وموقفاً وممارسة.

 

ثانياً :

إن الدعوة لرحيل المسؤولين الفاشلين، وإن لم يرحلوا فشعبنا مطالب بترحيلهم، قد تلتبس على البعض كمطالبة "ربيعية" بتغيير الوجوه، وهذا من أسهل ما يمكن بالنسبة للغرب وأدواته، وهناك رعيل كامل من الليبراليين تم إعداده ليحل محل الرموز المستهلكة بصيغة أكثر شبابيةً وعصريةً، لكنها تتلطى بشعارات الإصلاح والشفافية والحوكمة والديموقراطية إلخ... لكي تنقض على كل شيء وطني وقومي، ولذلك إن لم نبدأ من صراع الخطوط فلسطينياً، خط النضال والقتال من جهة، وخط التسوية والتصفية من جهةٍ أخرى، هذا الصراع المستمر في الساحة الفلسطينية منذ بدأت الحركة الصهيونية تؤسس لها وجوداً في فلسطين في القرن التاسع عشر، فإن البوصلة قد تتوه، وقد تدفعنا باتجاهات "ربيعية" بدلاً من أن تدفعنا باتجاه العودة لبوصلة الميثاق القومي.

 

ثالثاً

 ما جرى تعديله وتشطيبه في غزة على مرحلتين في نهاية التسعينيات هو الميثاق الوطني الفلسطيني لعام 1968، الذي حل محل الميثاق القومي لعام 1964، والقومي هو الأفضل، ولكن الوطني (غير المعدل) لعام 1968 جيدٌ أيضاً، وهو وثيقة الإجماع الوطني الوحيدة في التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني.

 

رابعاً:

التوجه حصرياً للرفاق في ال ج. ش. ت. ف، لإنقاذ الحالة الفلسطينية، لأن أمينها العام معتقل، سوف يستثير، برأيي المتواضع، نزعات فصائلية تنال من توجه البيان نحو تجميع الصفوف على قاعدة الميثاق القومي لعام 64، وهو طرح متقدم جداً. لكن الواقع هو أن هناك قيادات كثيرة من كافة التنظيمات، ومن خارجها، استشهدت، أو سجنت، أو تعرضت للويلات، وهذا لا يقلل على الإطلاق من بطولة الأمين العام لـ ج. ش. ت. ف ومن بسالته وصموده الذي نعتز به جميعاً، ولكن كان لا بد من أن يتوجه البيان للمتمسكين بخط النضال والقتال جميعاً، خط الميثاق القومي والوطني، لإنقاذ الحالة.

على سبيل المثال، ثمة تنظيم فلسطيني وازن هو ال ج ه^ا د، لم يسجل عليه حتى الآن أي تعاطٍ مع مقولات "الدويلة" أو أنه رضي الدخول في البنية السياسية للسلطة أو أي شيء من هذا القبيل، وعلينا أن نقر بهذه الحقيقة وأن نثمنها عالياً، فأين نذهب بمثل ذلك التنظيم، ولماذا لا نتوجه إليه أيضاً (لا حصراً)؟ وهناك غيره طبعاً، إنما هذا مثالٌ فحسب... والحقيقة هي أن الشرفاء من شعبنا منتشرون في كافة التنظيمات الفلسطينية، حتى تلك التي قد نختلف حتى النهاية مع قياداتها وخطها السياسي.

 

أخيراً، كل التوفيق لواضعي البيان، وهو يعبر، برأيي المتواضع، عن نفس وطني أصيل ومقاوم، وكم نتمنى لو عمّ مثل هذا التوجه لا في الساحة الفلسطينية فحسب، بل حيثما يتم التطرق للقضية الفلسطينية عربياً أو إسلامياً أو أممياً. أخوكم إبراهيم علوش

 

د. ابراهيم علوش

باحث وكاتب 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك