القائمة الرئيسية

"رسالة الى الجميلة كريستيان.. من مواطنٍ عربي يعيش في دولةٍ عربيةٍ  ما بين المحيط والخليج" 

22-01-2021, 11:39 د. طلال حمود
موقع إضاءات الإخباري

 

أنقُلُ إليكم هذا النص من مواقع التّواصل الاجتماعيّ، وقمتُ بالتّصرّف به ليكون منطبقًا على واقعنا المؤلم والمزري في لبنان، كما هو الحال في معظم البلاد العربيّة..
فقد بتنا نرى كلّ شيء في الحياة بعيون مأساتنا.. وباتت الدّنيا تقف خلف نظّارتنا السّوداء بفضل ما فعله من وثقنا بهم فخانوا العهود... فاعذروا سوداويّتنا....

واليكم النصّ كما تصرّفت به :


شابّ لبناني أو سوريّ أو ليبيّ أو تونسيّ أو عراقيّ أو يمنيّ إسمه عمر أو عماد أو محمود أو مرتضى أو جاد او كرم   لا همّ أيضًا..


قرر أن يبعت برسالة غزل إلى المذيعة المشهورة "كريستيان" ، وهي مذيعة متألّقة في "قناة الحدث" ، وقد فوجئ الشّاب في اليوم التّالي بأنّ المذيعة المذكورة ردّت عليه برسالة  مُرهفة غاية في الرّوعة، أطول من رسالته!
وفي الحقيقة إنّ الرسالة والردّ كانا في غاية اللّطف والجمال، ولذلك سأنشرهما بتصرّف مع إدخال بعض التّعديلات الّتي تُحاكي واقعنا الأليم في لبنان، أو في أيّ دولة عربيّة، طالما أنّنا نعاني من الأزمات والمشاكل والهموم والآلام ذاتها.  
رسالة عمر:

أتدركين ماذا يعني أنّ شابًّا لبنانيًّا يمقُت السّياسة والحديث عنها، وسماع أخبارها يقف مشدوداً بالنّظر إليك مبتسمًا وأنتِ تتحدّثين عن كوارث بلده وأخبار سياسيّية وحكّامه الماليّين النّتنة؟
أتُدركين كم يودّ أن يكون ولو مرّةً واحدة مكان أولئك الحمقى الّذين يظهرون مرّتدين البدلات الرّاقية وربطات العنق المعروفة ذات الماركات العالميّة المشهورة، أو العقُل والعبايات المزركشة، ليحادثك على الهواء مباشرة من أجل أن يخبركِ فقط كم تبدين جميلة؟
سأخبركِ حينها أنّ فيكِ من السّحر ما يجعل الأخبار السّيّئة الّتي تطال كذب ودجل ونفاق رياض سلامة، وسليم صفير وتنال الصّباح وآل الأزهريّ والصّحناوي وباسيل وكلّ من يدعمهم من سياسيّين وقضاة ومُدّعين عامّين في التّمييز و المال و الجزاء و التّحقيق ...كلهم  أقسموا  اليمين على قول الحقّ وما قالوها يوميًّا!
ومن التّناقضات ماتجعل الأبكم ينطق! أتُصدقين؟!!
سأحدّثك عن عينيكِ وكونها تحملان حربًا وسلامًا، وموتًا وحياة على كلّ من لم يعودوا قادرين على شراء الخبز أو الدّواء أو المحروقات، والمتروكين لأقدارهم يموتون على أبواب المستشفيات، التي تمرّدت على من سرقته، أي الشّعب والخزينة طيلة أكثر من أربعين سنة حين حقّقت كما المصارف أرقامًا وأرباحًا خياليّة، والّذين عندما احتاجهم الوطن لنصرة شعبه الّذي تلاحقه كورونا، تركوه يموت في البيوت أو في سيّارات الإسعاف أو على الطّرقات!

عزيزتي "كريستيان"....
ملامحك الشّقراء فاتنة جدًّا...
لكنّ اللّون "الأسود" عليكِ جميلٌ جدًّا جدًّا... 
شامتك الّتي تتوسّط عضدك الأيسر تُثبت ذلك، ولا تدع مجالاً للشّكّ بأنّه من الظّلم أن يُستخدم هذا اللّون في العزاءات الّتي كثرت في بلادي هذه الأيّام، بحيث أصبحت أخبار الدّمار والانهيار والموت هي الأخبار الّتي نسمعها أينما توجّهنا، وعلى صفحات الجرائد أو في نشرات الأخبار الإذاعّية أو التّلفزيونيّة وعلى كلّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ، حيث ننتقل من رفع دعاء وفاتحة وصلوات إلى أخرى دونما راحة، وحيث أصبحنا نرى الأقارب والأحبّة والأصحاب يرحلون( أو بالأحرى يرتاحون من الجحيم الّذي بشّرنا به الكثير من حُكّامنا في السّنة الماضية ) واحدًا تلو الآخر..
أنتِ لاتحتاجين للأدلّة، ولا إلى شهود العيان والمراسلين لتُثبتِي صدق ماتقولين..
أظهري في خبرٍ عاجل، قولي فيه أنّ القدس تحررت، والسّودان أصبحت آمنة، وسورية أضحت عامرة، وتوقّفت الحروب في اليمن، أو أنّ رياض سلامة وأعضاء المجلس المركزيّ ولجنة التّحقيق الخاصّة، ولجنة الرّقابة على المصارف، ومعها كلّ مافيات جمعيّة المصارف والرّؤساء والوزراء والنّوّاب والمديرين والعمداء والعسكريّين والقضاة ورجال الأعمال والإعلاميّين وحيتان المال الفاسدين والمفسدين قد سلّموا أنفسهم للقضاء النّزيه الّذي نحلم به، واعترفوا جميعًا بكلّ جرائمهم، وهم على استعداد لإعادة الأموال المنهوبة والمسلوبة والمُحوّلة إلى خزينة الشّعب، وسوف يدفعون أموال المودعين ملّيمًا ملّيمًا، وقرشًا قرشًا، وسوف يهاجرون بعدها إلى جزيرة تبعد آلاف السّنوات الضّوئية عن لبنان، لأنّهم تابوا وعرفوا حقارة ما أذاقوه لهذا الشّعب، أو أنّهم حاضرون لمحاكمة عادلة ولتعليق المشانق الموعودة الّتي استحّقوهها بحقّ..
تحدثي عن "بايدن" ، وقولي لنا: إنّه قدّم استقالته بعد أوّل يومٍ على تنصيبه، وأنّ الحكومات العربيّة قامت بمقاطعة أمريكا وقطعت معظم دول التآمر علاقاتها بإسرائيل، وجهّزت جيوشها لحربٍ طاحنة حاسمة لاستعادة القدس وكامل تراب فلسطين والجولان ومزارع شبعا وكلّ شبرٍ من أراضينا المُحتلّة، وأنّ حاكم مصر السّابق "جمال عبد النّاصر " قد بُعث من جديد، وأنّ فرائص إسرائيل ترتجف من توحّد العرب خلفه، أو أنّ القذّافي وصّدام حسين وبوتفليقة وغيرهم قد عادوا إلى كرسيّ الحكم في بلادهم، وأنّ رئيس حكومتنا الحالي قد أصبح حاملًا في شهره السّابع من كثرة القرف والاشمئزاز!
قولي كلّ تلك الأشياء وسأصُدّق! معكِ فقط كلّ الأنباء قابلة للتّصدّيق، وكلّ المآسي الّتي تمرّ على شفتيكِ تكون جميلة...

ردّ المذيعة:

مرحبًا عمر
أنا كريستيان
قرأت رسالتك فابتسمت مرّة ، وحزنت مرتين...
ابتسمت بفطرة الأنثى الّتي يسرّها سماع كلمات الغزل والثّناء، وإن أخفت ذلك! 
وحزنت مرّتين، مرّة عليك، وعلى وطننا لبنان وعلى حال كلّ أوطاننا العربيّة، والأخرى عليّ.. إنّها لعنة الجمال يا عمر!
اللّعنة الّتي تقتل الجميع!
تُصيب الرّجال بمرض العشق..
وتصيب النّساء بمرض الغيرة والحقد..وتُصيب الجميلات بمرض الوحدة والاكتئاب...
يتسابق الجميع إليهنّ، لكنهم يظلّون في ميدان السّباق ولا يصل إليهنّ أحد، ومن وصل يتعس من تعاستهنّ، لأنه أحبّ من النّساء من هي في قلوب الجميع، حتى إنّه يكاد يشعر أنّها لم تعد ملكه الخاصّ.. فقد صارت  للجميع..
الجميلات  ياعمر هنّ أتعس النّساء!
يكسرن قلوب البسطاء الّذين تعلّقوا بهنّ، ويكسر قلوبهن الأثرياء الّذين يشترونهنّ كتحفةٍ منزليّة!!
عفواً عمر..
نحن  المذيعات لسنا جميلات، وإن امتلكنا بعض الجمال!
 إنّه فنّ الخدعة يا صديقي، جمال محشوّ، ملامحُ مُركّبة، وإغراءٌ مُتعمّد!
تحزن إحدانا لسقوط رموشها الاصطناعيّة أكثر من سقوط الضّحايا في بلد مّا! 
وتخشى الأخطاء الفنّيّة أكثر ممّا تخشون من أخطاء القصف والرّصاص العشوائيّ!!
ما نحن يا صديقي إلا دمىً  بشريّة، أو آلات إعلاميّة، تقرأ الأخبار الّسيّئة والجميلة بالشّعور والملامح ذاتها، فلا فرق عندنا بين افتتاح مطعم مشهور ومقهىً ليليّ، وبين سقوط عشرات الضّحايا من أطفالكم ليلًا!
عفوًا عمر....
لم أسألك عن أخبارك؟ لأنّني أعرفها جيّدًا!
أعرف أنّها أخبار سيّئة كحال البلد الّذي تعيش فيه، والّذي أسموه يومًا ما سويسرا الشّرق!
ثمّةَ لصوصٌ بينكم ومنكم ياعمر، يظهرون على حساب المساكين والمحرومين والمعدومين والملهوفين والمقهورين،  يعيشون في أرقى الفلل، وأفخم القصور والحصون ويتكلّمون كذبًا بألسنة الكادحين!
أحاديثهم ركيكة، وآراؤهم مُتناقضة، ومعلوماتهم متضاربة...
خوّلوا أنفسهم بالحديث باسمكم  جشعًا في مائتي دولار بعد كلّ حديث! 
بدّلوا صناديق الانتخابات، أو اشتروا الذّمم واستزلموا العباد، وأغدقوا عليهم من حصصهم ومن المناصب الّتي سطوا عليها، على حساب الشّرفاء والنّزيهين والكفوئين والصّالحين.. 
إنّنا نعاني منهم أكثر ممّا تعانون..
وربّما نلعنهم أكثر ممّا تلعنون..
لكنّني أبارك لهذا لبلد التّعيس بك، وبالشّعراء المغمورين فيه، وأعزّيه بهذه العصابة الّتي شوّهت صورتكم للجميع..
دعنا منهم الآن..
أعرف أنّكم تحسدون رجالنا على جمالنا؛ لكنّك  لم تعرف أنّنا أيضًا  نحسد فتياتكم عليكم، وعلى مشاعركم المُفعمة بهذا الإحساس المُرهف، نحسدهنّ على كلماتكم الأخّاذة الّتي تُلامس قلب الأنثى.. 
لكنّ فتياتكم ربما لا يدركن أهميّتكم  كما ندرك نحن، ربّما  تحفّظًا والأرجح غباءً!
كان بالإمكان لجارتك في الحيّ أن تطلّ من الشّرفة، لتخطف قلبك ورسائلك! 
كان من الممكن لزميلتك في الجامعة أو الوظيفة، أن تتقّرب منك، طمعًا بما عندك من الحبّ والكلمات!
كان يمكن لصديقتك أن تعترض طريقك، وتتعلّل بسؤالك عن محلّ بيع الهدايا، لترافقها إليه!
أسفي على الورود  الّتي تموت في قلوبكم أمام أعينهنّ!
أسفي على الكلمات الّتي تشيخ في ألسنتكم أمام صمتهنّ!
وأسفي على قلوبكم المُشتعلة، حين تنطفئ أمام فتيات ترغبن بالزّواج أكثر ممّا ترغبن بالحبّ!
إنّ سطرًا واحدًا برسالتك - ياعمر- يسعدني أكثر من رحلة إلى "سان فرانسيسكو" والتقاط صورة مع "بايدن" أمام حديقة البيت الأبيض..
وإنّ كلمة حبٍّ دافئة تغنيني عن التّزلّج على قمم الألب!
وإنّ وردة صادقة أفضل لديّ من التّنزّه في حدائق الأندلس!
لم أعد أتجوّل الآن بين القارات والدّول كما كنت أفعل، فقد صرت أتجوّل بين الكلمات والأحرف الموجودة في رسالتك..
صار يهمّني تحرير رسائلك إليّ أكثر من تحرير الأوطان!
أخيرًا ياصديقي..
لا تبخل عليّ برسالة أخرى، فهي ليست مجرّد رسالة  كما تظنّ، بل تذكرة ثمينة أعبر فيها إلى المدن والشّواطئ الّتي أحبّها قلبي، ولا.يمنحنا السّفر إليها غيركم أنتم معشر الشّعراء!
.................................................
د.طلال حمود- مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود

شارك