القائمة الرئيسية

كتب الاستاذ موسى عبّاس: المعضلة البنيوية للكيان اللبناني وتأثيرها على نهضته.

28-01-2021, 22:08
موقع إضاءات الإخباري

كتب الاستاذ موسى عبّاس :



من سُنن الحياة أن يتطوّر كلّ شيء نحو الأفضل في المجتمعات التي تحكمها القوانين الوضعية والإنسانية، والتقدّم ينبثق  أساساً عن إحترام الإنسان لذاته الذي من البديهي أن ينتج عنه إحترامه الآخرين، ومن البديهي أيضاً أن يُكرِّس الإحترام المتبادل محافظَةً على الأُسُسْ التي تُنظِّم العلاقات بين الأفراد أنفسهم وبينهم وبين الدولة التي يحكمها القانون قبل أن يحكمها أشخاص وصلوا إلى مواقع جعلتهم مسؤولون عن تطبيق القوانين التي ترعى شؤون الخاصّة والعامّة دون تمييز ، وهكذا تنتظم الأمور بشكلها الطبيعي وكلّما  تقدّم الزمن وتطوّرت الحياة البشريّة وجب تطوير القوانين لتتلاءم مع الواقع المُستَجِدْ لتساهم بدورها بتحسين ظروف الحياة لمن تُطبّق عليهم .

لكن في لبنان تعيش الدولة خارج منظومة الدستور  والقوانين لأنّ ذلك الدستور أوجدوه على قياس المحاصصة بين الزعامات السياسية والدينية وليس على قياس دولة مدنية ترعى شؤون مواطنيها وتعمل لصالح رُقيِّهم ، ولا حتى على أساس دولة تحافظ على كرامة  شعبها، وإنّما الدولة الموجودة بالشكل فقط من خلال دوائر رسميّة يديرها أشخاص شاءت الظروف  أن يتولوّا مناصب كان يجب أن تكون في خدمة عامّةً الشعب وليس في خدمة الزعيم وأزلامه ممّن تسلّطوا على رقاب العباد.

بحثت فلم أحد بلداً في العالم نظيراً للبنان، من جميع النواحي .

 -ليس هناك من بين بلدان العالم من فصّل له الإستعمار دستوراً تتوزّع فيه المناصب على الطوائف وليس بناءً على الكفاءة والجدارة.

-ليس هناك بلد في العالم تتنافر فيه الثقافة الوطنيّة لطوائفه كلبنان.

- هل يوجد بلد في العالم فيه من يتآلف ويتحالف جهراً مع من يحتل أرضه وتصبح فيه الخيانة وُجهة نظر ، ويصبح من يضحي لأجل حماية تلك الأرض محاصراً ومُداناً ويتآمر عليه القريب قبل البعيد، ومن يتآمر لا يتورّع عن الإعتراف علناً دون أن يرُفّ له جفن ودون أن يخشى المساءلة والمحاسبة؟!.

 

-لا يوجد بلد في العالم لا يستطيع أبناء شعبه إيجاد صيغة تحكمهم يرتضونها جميعاً يكون فيها الجميع تحت القانون دون وصايةٍ أو انتداب سوى لبنان.

- بلد لم يستطع أبناؤه ولو لمرّةٍ واحدة إنتخاب مجلس نيابي يُمثّلهم حقيقة التمثيل ولا يُمثّل عليهم ، لأنّه محكوم بقوانين إنتخاب تتبدّل حسب أهواء دول الوصاية أو لتتوافق مع التوزيع التحاصصي الطوائفي .

 

- بلدٌ مؤسسات الرقابة والقضاء فيه لا تجرؤ على إصدار حُكم بحق المجرمين الحقيقيين المسؤولين عن سرقة أموال الفقراء وتهريبها إلى الخارج وعن  انهيار ماليّة الدولة وعن تفجير أدّى إلى وفاة المئات وكاد يُدمّر مدينة بأكملها، مؤسسات رقابية تقف عاجزة أمام تسلّط منظومة من الفاسدين ، والسبب هو أنّ من يتحكّم بتعيين مجالسها القضائية والرقابية هم أنفسهم "الفاسدون" المفترض بهم أن يخضعوا للمساءلة أو المحاكمة. 

-لا يوجد بلد في العالم يحكمه ويتحكّم بشعبه مجموعة من أمراء الطوائف  من الإقطاع السياسي والإقتصادي والديني لأكثر من قرنٍ من الزمن دون أن يحدث أي تغيير .

 

 -هل هناك بلد في العالم لا يستطيع انتخاب رئيس الدولة إلّا بعد أن تأت "كلمة السرّ  " من دول قريبة وبعيدة توافقت فيما بينها على رئيس يدير أزمات ولا ينجح في حلّ أيٍّ منها لأنّه محكوم بتوافق الداخل

 ( السياسي والديني ) والخارج الإقليمي والدولي؟!.

 

إنّ الطبقة السياسية في لبنان تعلم تمام العلم أنّ لبنان يعوم فوق بحرٍ من الفساد، يشمُل جميع جوانب الحياة وجميع المواقع من أعلى السلطة إلى أدنى مفاصلها التشريعية والتنفيذية والأمنية، وتلك الطبقة تستمر وتعيش بفضل هذا الفساد الذي اتخذوا من محاربته شعاراً لحملاتهم الإنتخابية ، علماً أنّهم الذين أوجدوه وكرّسوه حتى بات متلازماً مع استمرارية وجودهم في السلطة فبفضله هم مهيمنون.

 

في باقي الدول  أنظمة لا تقتل شعوبها بل إنّ تلك الشعوب تخرُج لإسقاط منظومة حاكمة تعجز عن الإيفاء بتعهداتها والتزاماتها إمّا عن طريق صندوقة الإنتخاب ، وإمّا عن طريق ثورة شعبية سلمية يقودها من يؤتمنون على المصير  الذين لا يسمحون باختراق صفوفها  ولا باستدراجها إلى ما لا تُحمَد عقباه.

يبدو أنّ إصلاح النظام في لبنان أو إسقاطه أصبح من الأحلام.

شارك