القائمة الرئيسية

كتب م. زياد أبو الرجا: الثقافة والمثقفين بين جنون الإرهاب واشتعال الميادين

07-04-2021, 13:18 مساهمات العب في النهضة الثقافية
موقع إضاءات الإخباري

   كتب م. زياد أبو الرجا: 

 

شهد النصف الأخير من القرن الماضي صعود حركة ثقافية وفكرية واكبت مرحلة النضال من اجل الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية و كان في مقدمة هذه الحركة الفكرية والثقافية كوكبة من الفلاسفة و المفكرين من اقطار المغرب العربي ومصر و سوريا و العراق و لبنان، و اثرت المكتبة و الثقافة العربية بعشرات المؤلفات التي عالجت الموروث الثقافي و كيفية التعامل معه بوسائل النقد العصرية العلمية لوضع الأسس المعرفية ولمعالجة الوضع الراهن معالجة علمية و الانطلاق نحو المستقبل ان هذه الطليعة من المفكرين أخرجت المثقف و السياسي العادي من حيرته و عجزه عن الالمام بمشاكل المجتمع و اطلقت العنان لجدلية التفاعل بين المفكر و المثقف و كانت المحصلة قيام و تأسيس أحزاب و منظمات و اتحادات نقابية فاعلة و مؤثرة لعبت دورا مهما في رسم سياسات و توجهات الأحزاب ووضعت السلطات الحاكمة امام المسؤوليات المترتبة عليها مثل استكمال السيادة الوطنية
والتخلص من التبعية الاقتصادية والثقافية، ونظرا لقصور الوعي لدى السلطات الحاكمة من جهة وارتباط ارتهان المتنفذين فيها لقوى الاستعمار والخارج من جهة أخرى رأت في المفكرين بكل أطيافهم (فلاسفة، حكماء، شعراء، أدباء، الخ...)
منافسين لها على السلطة مما أدى الى محاربتهم وزجهم في السجون ولكن الأخطر من ذلك كله ان السلطات بحكم رجعيتها وتخلفها شرّعت الأبواب امام الأحزاب والتنظيمات الدينية شاهرة سلاح الدين لوأد الثقافة الوطنية والقومية والتقدمية وكبح تطلعات الجماهير الى غد ومستقبل أفضل.
 
وأصبحت الجماهير حبيسة  فكر السلطة ومعزولة عن الفكر الإنساني المعاصر وانتشرت ظاهرة اللجوء الى المرجعية الدينية (الإسلام هو الحل، الإسلام هو العدل والمساواة) والتي تحكمت بها وامسكت بلجامها القوى التي لبست لباس الدين والدين منها براء حيث قدمت هذه القوى المسوغ والمبرر لاتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو (...وان جنحوا للسلم فاجنح...)
 
 
فتح المفكرون النوافذ المطلة على ثقافات ونضالات وتجارب الاخر ومهدت السبل للتعامل معه والاستفادة من تجاربه. لدينا سابقة تاريخية حيث أسس المأمون ما يمكن تسميته اول جامعة عربية في بغداد (دار الحكمة) وجمع فيها المترجمين الذين قاموا بترجمة كل ما توصلت اليه حضارات ذلك الزمن الهندية الفارسية، اليونانية، والبيزنطية. حتى انه كان يبادل الأسري بالكتب، وأدى انتشار هذه الترجمات لأكبر عملية
(عصف ذهني Brain storming) للعقل العربي  مما جعله تواقا لبناء حضارته الخاصة به مستلهما و مستوعبا المنجزات الحضارية للأخر و غارسا فيها قيمه الخاصة و منطلقا من على ارضيتها الى الفضاء الذي أراده فكانت الحضارة العربية الإسلامية علينا ان لا ننسى و نذكر ان محمد بن يوسف الكندي الفيلسوف واضع أسس الفلسفة العربية الإسلامية كان ملازما للمأمون و معلما لا بناءه لم يستطع الكندي ان يحمل مشروعه الفلسفي الى نهايته المنطقية لسببين ان والده كان مرتبط بالسلطة مصلحيا و الثاني قصر الوعي المحكوم ببيئته ذاتيا و موضوعيا.
ان الحضارات الإنسانية قامت على دعامتين أساسيتين الأولى القادة العظام والثانية الثقافة (فلاسفة ومفكرون) من الاسكندر المقدوني وارسطو والمأمون والكندي والحمدانيون والفارابي وروسيا البوتينية وفيلسوفها العظيم ألكسندر دوغنين الى اخر القائمة الطويلة.
 
 
ان الوضع الراهن في الأقطار العربية اصبح فضاءً مفتوحاً و فراغاً مطلقاً مما أثار شهية الدول الإقليمية و العالمية الى التقدم لملء هذا الفراغ و إعادة السيطرة على جغرافيتها و مقدراتها تحت يافطات متعددة ثقافية كالعثمانية و العودة تحت سيطرتها و اجتياحات عسكرية عبر مليشيات الأحزاب الدينية المتخلفة و ارهابيها كوكلاء و في الحالات التي فشل فيها الوكيل كسوريا تقدم الأصيل دافعاً بجيوشه الى الأرض السورية ( الجيوش التركية في الشمال و الأمريكية في الشرق ) بينما نجحت مشاريع الهيمنة في ليبيا و العراق حيث دمرت مكونات الدولة و فشلت في سوريا.
 
ان السقوط السهل و المدوي للدول و الأنظمة امام هذا المد الإرهابي سببه الرئيسي عدم وجود خط دفاع ثاني الحصن المنيع القادر على تمكين الشعب و الجيش و الدولة من الصمود و التماسك بكل مؤسساتها هذا الخط هو الثقافة الوطنية و مثقفيها الوطنيين و الوعي الذي كان منتشرا بفضلهم و هذا ينطبق على سوريا وحدها لأنها الدولة الوحيدة التي فيها وعليها تجري الحرب الكونية الثالثة التي شاركت فيها جحافل الإرهابيين من كل اصقاع العالم و دعمتها عشرات الدول ( ما يسمى بأصدقاء سوريا ) و صرفت مئات المليارات من الدولارات و استخدمت أكثر من ألف وسيلة اعلام ما بين صحف و مجلات و اذاعات و محطات تلفزة و الاخطر من كل هذا المنابر الدينية و المذهبية و الطائفية و الحقد الأسود و الفكر الظلامي التي جعلت من قتال الدولة السورية و اسقاطها حربا مقدسة و اقصر طريق الى جنة الخلد و حورها العين.
 
لقد عبرت سوريا الدولة بفضل جيشها العربي الباسل و حكمة قيادتها  السياسية و دعم الأصدقاء و الحلفاء الى بر الأمان و الباقي هو تفصيل ( طرد المحتل الأمريكي و الصهيوني و العثماني الأردوغاني), لا نبالغ حين نقول ان الثقافة و المثقفين يشكلان خط الدفاع الثاني و اذا كان ما نطمح اليه هو التحرر و الحرية و الكرامة الإنسانية و الرخاء و السيادة الوطنية و التخلص من التبعية و الارتهان لقوى الاستعمار و الصهيونية و طابورها الخامس المتجسد بالقوى المذهبية و الطائفية و الدين المزيف و الفكر المنغلق ان هذا الخط لا يمكن له ان يصمد امام هذه التحديات الجسام ما لم يتم تطويره و رفده بوسائل و أدوات العصر و النهوض و بما ان الظلم و الاضطهاد صار عالميا في عصر العولمة و غطى انحاء المعمورةفإن التخلص و الخلاص منهما لا يتم الا بتلاقي و تلاقح قوى التحرر العالمية و تنسيق جهودها في جبهة عريضة. ان فتح الأبواب على مصاريعها سيمكن الثقافة العصرية والمثقفين من التعامل والتفاعل مع الأخر من خلال فهم ثقافته والوقوف على تطلعاته ومعانته وامانيه والذي يسعى جاهدا مثلنا الى التخلص من الظلم والاضطهاد.
 
 
لقد أصبح لزاما علينا أكثر من أي وقت مضى ان نرفع الصوت عاليا ونناضل بكل الوسائل الفكرية لدحر وهزيمة الفكر المتخلف الذي يتحكم بسلوك ونهج وتصرفات الغالبية المغلوب على امرها والتي تعاني من مرارة الفقر المدقع والجهل والأمية والبطالة ان حالة العجز والشلل والقصور التي نعاني منها لا يمكن التخلص والفكاك منها بإعادة تجريب المجرب والذي أدى دائما الى الفشل الذريع والخراب وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتخريب المخرب. وحدها الثقافة العصرية المنفتحة على الأخر كل الأخر في العالم بكل الوانه ودياناته واعراقه والتعامل معه على قدم المساواة والاحترام المتبادل.
 
لن تستقر منطقتنا و تعرف السلام حتى يتم ملء الفراغ الجيوسياسي حيث انها ما زالت عرضة لتبدل المواقف و اصطفاف القوى و تحالفاتها و تقلب المصالح مما يجعل عملية الإلمام بها و كيفية التعامل معها عملية عويصة و معقدة يصعب على السياسي و المثقف العادي استيعابها و فك رموزها نظرا لسرعة التبدل في مواقف القوى الفاعلة حيث انها قوى دولية، إقليمية، و محلية ولكن المحرك الأساسي فيها هو القوى الدولية التي لها اهداف استراتيجية كونية معلنة و واضحة و لا يمكن اخفاؤها و تمويهها في عصر الأعلام المعولم الحديث و ما منطقتنا الا حلقة من حلقات هذه الاستراتيجية
 
انتهى شهر العسل الذي تفردت فيه أمريكا بقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتغولت للهيمنة عليه اقتصاديا وثقافيا وتنكرت لكل المواثيق والأعراف والقوانين الدولية واستولت على هيئة الامم المتحدة ومجلس الأمن واتخذت منها أداة لغزو دول واسقاط أنظمة. حيث نهضت قوى عالمية مختلفة ذات تأثير دولي واقتصاد صاعد وقوى عسكرية أخذت تنافس أمريكا لأزاحتها عن مركز التفرد والتحكم بمصير العالم.
في العقد الثاني من هذا القرن انقسم العالم الى معسكرين رئيسيين قائمين على المصالح وليس على أي أسس ايدولوجية
 
1-          معسكر أمريكا وذراعها الناتو وقاعدتها المتقدمة في فلسطين ممثلة بالكيان الصهيوني والقوى التي تعتمد وجوديا على هذا المعسكر
2-          معسكر روسيا والصين ومجموعة شنغهاي وإيران ودول البريكس
 
وكل منهما يقف على ضفة واضحة لا لبس فيها مما يسهل علينا عملية الفرز بين القوى المحلية ومعرفة الصديق من العدو وذلك بالنظر على أي من الضفتين تقف بغض النظر عن الأقنعة والتمويه.
 
ان هذه المرحلة من الصراع الطويل والمحكومة حتما بأفول الإمبراطورية الأمريكية كشفت وعرت الكثير من الأنظمة وارتباط بعضها بالكيان الصهيوني حيث بدأت بالتطبيع معه واقامت علاقات دبلوماسية واقتصادية وتحالفات امنية وعسكرية هذه المرحلة أيضا زادت من حرمان شعوبنا المحرومة أصلا والمشوشة والمهزومة واختلطت عليها الأمور كلها وهي في حيرة من أمرها لا تعرف كيف تلملم اذيال هزيمتها ومداواة جراحها النازفة فانكفأت الى الدين وتقوقعت في داخله وباتت ترى العالم من خلال كوة ضيقة جعلها فريسة والعوبة
للقوى التي تدعي احتكار الدين والدين الحق منها براء مما يلقي على كاهل الثقافة والمثقفين مهمة اخراج الشعوب من قوقعتها الى العالم الرحب الذي يتسع لها وللآخر الذي يتطلع للتخلص من نير الظلم واضطهاد فهو حليفنا ورديفنا في معركتنا للحرية والتحرر والديموقراطية والرخاء الاقتصادي وفوق كل هذا السيادة الوطنية.
 
ان التلكؤ والتردد في حمل هذا المشروع النهضوي الي نهايته المنطقية سيجعلنا نستفيق ذات ضحى لنجد مصيرنا ومصير الأجيال القادمة يتحكم فيه المشعوذون واصحاب العمائم واللحى.
 
 

شارك