القائمة الرئيسية

كتب محمد عبد الجبّار الشبّوط: في ذكرى استشهاد الصدر

10-04-2021, 21:26 محمد باقر الصدر
موقع إضاءات الإخباري

 .الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، بالتوصيف الديني، فقيه، نال درجة الِاجتهاد بالفقه الإسلامي على يد أستاذ الفقهاء الإمام الخوئي رحمه الله.
لكنه، بالتوصيف الحضاري والاجتماعي، أحد أبرز دعاة الإصلاح الحضاري، في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد استثمر اجتهاده الديني في أهم مسألتين تواجهان المصلح، وهما القضاء على التخلف، والنهوض بالمجتمع. 
كان هذا هاجسه الذي شغل حياته وتفكيره، والحبل المتين في كل كتاباته وأفعاله. ومن أجل تحقيق ذلك، اشتغل على مشروع تفصيلي، لمكافحة التخلف وتحقيق النهضة، يتم تتويجه بإقامة دولة عادلة كريمة، "على أساس الإسلام"، كما قال عام ١٩٧٩، أو على أساس مشروع حضاريٍّ حداثيّ، إذا تعذر ذلك، لأيّ سبب من الأسباب، كما قال رفيقه السيد محمد حسين فضل الله، في عام ١٩٨٨، حين دعا الى إقامة "دولة الإنسان"، إذا تعذّر إقامة "دولة الإسلام". 

وهذا ما أطلقت عليه لاحقا اسم "الدولة الحضارية الحديثة"، التي تمثل الِاتجاه التاريخي الموضوعي، لمجمل حركة البشرية. 
ويمكن الآن،العثور على"أصول"
الدولة الحضارية الحديثة في فكر الصدر، وهو يتحدث عن البعد القيمي للدولة، والبعد السياسي لها، والبعد الِاقتصادي لها.  
ومن أجل تحقيق ذلك، طرح الصدر سلسلة أفكار ومفاهيم تشكل هيكل مشروعه النهضوي، بدءاً من "الشرط الأساسي للنهضة"، والفهم الحضاري للقران، على أساس الحداثة وسنن التاريخ، والِاتجاهات الموضوعية فيه، والبعد الِاجتماعي لِأصول الدين: (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة والمعاد)،والدلالات الحضارية لصفات الله، والمركب الحضاري، وعناصر المجتمع، والسير التكاملي للبشرية بصورة عامة، و علاقة العمل الصالح بمنظومة القيم العليا، والعدالة، والحرية، والمدلول الِاجتماعي لمصطلح "في سبيل الله" القرآني، وغير ذلك الكثير مما يستحق الدراسة والتحليل والمقارنة والتطوير. محمد باقر الصدر كتب ما كتب، بعد أن كتب جان جاك روسو (١٧١٢-١٧٧٨) "العقدالِاجتماعي" في عام ١٧٦٢. وكان معاصراًلفيلسوف الأمريكي جون راولز (١٩٢١-٢٠٠٢) مؤلف كتاب
"نظرية في العدالة" عام ١٩٧١. لكنه تجاوز الِاثنين، في تصوره لِأهمّ مسألتين تشغلان بال أي مصلح اجتماعي، وهما الحرية و العدالة. ليس من الضروري أن نقول: إنّه اختلف أو اتّفق معهما، لكن من المؤكد أنّه أضاف إليهما فيما يتعلق بهاتين المسألتين. في الأولى، أي الحرية، أضاف إلى ما قاله روسو فكرة تحرير الإنسان، من الداخل،على أساس التوحيد،وفي الثانيةأي العدالة، أضاف إلى ما قاله راولز، فكرة التضامن الاجتماعي،رغم أنّ الفيلسوف الأمريكي اقترب كثيراً، من الفكرة التي طرحها القرآن الكريم بقوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. 
في ذكرى استشهاد الصدر، التي تصادف يوم التاسع من نيسان، لا تكفي العبارات التبجيلية بحقه، بل هو ليس بحاجة إليها.
انما المهم ضخ هواجس التخلف والنهضة و الحرية والعدالة، بالمزيد من الحيوية والإلحاحيّة ومواصلة بذل الجهد في الطريق النهضوي الذي رسم معالمه الصدر الشهيد، بمعنى إبقاء هذه المفردات في ذروة الوعي والحساسية الاجتماعية والمسؤولية، لكي تكون محركات ودوافع كافية وذات طاقة حرارية عالية، لِإدامة الحراك الِاجتماعي الهادف إلى تحقيق الأهداف السامية التي يستبطنها ويتضمنها المثل الأعلى المطلق للجماعة البشرية، أينما وجدت في الأرض. 
ليس من مهمة هذا المقال رسم معالم الطريق، ولا تحديد المهمات الحركية، في طريق النهضة الحضارية، لكن لا يمكن اختتام هذه السلسلة من المقالات، دون التأكيد على أنّ إشاعة منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة وتحويلها الى ثقافة سائدة واتجاهات سلوكية قائدة، تشكل  شرطاً أساسيا ومقدمة ضرورية في الحراك الاجتماعي السليم ببعده الحضاري.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك