القائمة الرئيسية

كتب م. زياد أبو الرجا: الناصرية والفتحاوية

19-04-2021, 00:49 الراحل جمال عبد الناصر
موقع إضاءات الإخباري

كتب م. زياد أبو الرجا:

جمال عبد الناصر وياسر عرفات.


عندما أسقطت ثورة الضباط الأحرار الملكية في مصر وتسلمت زمام السلطة وتولي عبد الناصر الزعامة  ورثت كل ما في الماضي من عيوب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والتشريعية والتنفيذية والهيمنة الانجليزية على قناة السويس والوجود العسكري الانجليزي والأمية وهيمنة الاقطاع، وبالرغم من هذا الموروث الهائل استطاع عبد الناصر  والناصرية أن تكتسح الشارع المصري عن طريق تبني نهج الاستقلال والسيادة الوطنية وتأميم قناة السويس والقضاء على الاقطاع ومحو الامية بتوفير التعليم المجاني لكل ابناء مصر بعد أن كان محصورا في أبناء الذوات.
    كما سيطرت الناصرية على الشارع العربي وقلوب الجماهير العربية حينما تبنى عبدالناصر ومعه مصر دورا إقليميا مناديا بالوحدة العربية رافعا شعار( ارفع راسك يا اخي من الخليج الفارسي حتى المحيط الأطلسي ) والذي عدل بعد فترة  ( من الخليج الثائر الى المحيط الهادر) مناديا وداعيا الى الوحدة العربية وتحرير فلسطين وإسقاط الرجعية العربية ودعم حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. سطع نجم ناصر والناصرية بعد تأميم قناة السويس وجلاء القوات البريطانية والعدوان الثلاثي على مصر حيث انخرطت مصر كلها في التصدي للعدوان جيشا وشعبا هذه المواقف الوطنية والقومية وضعت مصر في الصدارة على مستوى الإقليم وصار عبد الناصر والناصرية سيدا للشارع العربي ومالكا لقلوب الجماهير حيث كان يحرك الشارع العربي بخطاب هنا أو نداء من  اذاعة صوت العرب.
كان التفاعل الجماهيري العربي مع عبد الناصر ومصر الناصرية هو حاصل المواقف والسياسات التي اتخذها عبد الناصر من القضايا الوطنية والقومية ( وليس نتيجة بناء  وتراكم حزبي- تنظيمي ) اذكر ابان العدوان الثلاثي على مصر كيف تم إغلاق المدارس في الضفة الغربية وزحفت الجماهير من القرى الى المدن وكانت الهتافات أمام القنصلية البريطانية في رفيديا - نابلس ( عبد الناصر يا جمال فلسطين بعد القنال - ويا شبلوف طل وشوف عا القنال لمع سيوف) .
حصلت هزيمة حزيران المدوية سنة ١٩٦٧ لتوجه طعنة نجلاء لعبد الناصر والناصرية مما دعاه إلى التنحي عن السلطة وتحمل النتائج الا ان عفوية الجماهير المصرية التي نزلت إلى الشارع والمثقفين الوطنيين والقوميين وكلها نادت بصوت واحد( حا نحارب حا نحارب) وبدأ عبد الناصر بإعادة هيكلة الجيش المصري معطيا كامل الصلاحيات لمجموعة من الجنرالات الأكفاء والوطنيين " الذين يجسدون الوطنية المصرية" مثال الفريق محمد فوزي والمشير عبد المنعم رياض الذي استشهد على ضفة السويس أثناء حرب الاستنزاف وقائمة طويلة من رفاقهم في السلاح. وخلال فترة وجيزة استعاد الجيش المصري جهوزيته وانخرط في ما سمي بحرب الاستنزاف التي كان يراد لها اعادة الثقة بالنفس والأمل بالنصر على العدو وتمكن الجيش المصري من تحطيم خط بارليف والسيطرة على الضفة الشرقية للقناة. ولان الناصرية ليست حزبا وانما فكرة وحلما اضمحلت بعد استشهاد عبد الناصر وجاء او جيئ من بعده بالسادات لينسف كل إنجازات المرحلة الناصرية على كافة الاصعدة مع عودة رأس المال للسيطرة على الاقتصاد المصري وتغول رجال الأعمال و تخلي مصر عن دورها القومي وانخراطها في مشاريع التسوية مع الكيان الصهيوني متوجة باتفاقية " كامب ديفيد" والتي ادت الى غياب الناصرية وغياب تأثير مصر في الإقليم.
الفتحاوية نسبة الى حركة " فتح" كتنظيم فيها من اوجه الشبه الكثير من الناصرية حيث شكل المؤسسون الاوائل للحركة النواة القيادية الأولى للحركة عملوا ليلا ونهارا على كسر الجمود الذي كان يحيط بالقضية الفلسطينية وضياع وتشتت الجماهير الفلسطينية ما بين أنظمة وأحزاب ومنظمة تحرير نتجت عن قرار قمة عربية وجامعة عربية ( ملكية فلسطينية) وحين انطلقت في الفاتح من يناير كانون الثاني ١٩٦٥ تبنت الكفاح المسلح نهجا وأسلوبا اخذت تستحوذ على الالتفاف الجماهيري حولها وسطع نجمها بعد معركة الكرامة المجيدة  التي سطرها الدم الاردني الفلسطيني والتي أحجمت بعض الفصائل الفلسطينية عن المشاركة فيها وسيطرت فتح على الشارع الفلسطيني والعربي واسقطت الملكية الفلسطينية في منظمة التحرير أدى اكتساحها للجمهور العربي العريض بعد معركة الكرامة، كما الناصرية بعد العدوان الثلاثي ولم يكن الالتفاف حول فتح نتاج جهد تنظيمي يقف معها في السراء وفي الضراء وإنما نتاج فكرة وحلم كبير.
بعد خروج الثورة من الاردن و تعرضها للنقد والمسائلة حركيا وجماهيريا وخسارتها للجمهور الفلسطيني في الساحة الاردنية وبعد انتقالها الى سوريا ولبنان ومن ثم المراجعة والتقييم للأداء العسكري للحركة ادى الى التركيز على استعادة الثقة بالنفس وأخذ المبادرة وذلك بالاشتباك مع العدو من الجنوب اللبناني وتنشيط الجهاز الغربي المسؤول عن العمليات في الأرض المحتلة وتمكنت فتح من استعادة زمام المبادرة ومعها الفصائل الفلسطينية الاخرى والاحزاب اللبنانية كل هذه الانجازات شكلت تهديدا وجوديا للكيان مما جعله يقوم بأكبر عملية اجتياح للبنان واحتلال عاصمته وسقوط أول عاصمة عربية، وعلى الرغم من الصمود الأسطوري في بيروت فإن ما سقط بيد الاسرائيلي هو الساحل اللبناني وبدل مواصلة القتال والاشتباك مع العدو  اتفقت منظمة التحرير مع فيليب حبيب على الجلاء عن لبنان وركبت البواخر وكان نتاج ذلك ابشع المجازر ( صبرا وشاتيلا)لم تكتفي قيادة المنظمة بالخروج بل اصدرت عدة قرارات تطالب ما تبقى من قوات فتح في لبنان بالخروج الى المنافي، والذين رفضوا هذه الاوامر ولسان حالهم يقول ( حا نحارب حا نحارب) اتهموا بالمشقين والمارقين.وكان حاصل ما جرى في لبنان انفضاض الجماهير العربية والفلسطينية عن فتح ومنظمة التحرير وتاليا تخلي الانظمة العربية عن القضية الفلسطينية ودفع الاجنحة الساداتية- تشبيها- في منظمة التحرير الى التخلي عن الثوابت الفلسطينية الميثاق الوطني الفلسطيني ومنطلقات حركة " فتح" والانخراط في مشاريع التسوية التي ادت كما حذر الشهيد كمال عدوان الى تصفية القيادات الوطنية في فتح والمنظمة وانخراط ما تبقى بمشاريع التسوية مع غياب تنظيم حزبي صارم .
في مصر كانت النتيجة (الناصرية ـــ كامب ديفد)ومع غياب فكر  ونهج تنظيمي صارم في فتح كانت المحصلة (الفتحاوية_ اوسلو).

اثبتت التجربة في مصر بعد مضي اربعة عقود على توقيع اتفاقية كامب ديفيد عدم  وجود الرافعة الحامل ( مفكرون، مثقفون، رجال دولة سياسيون وعسكريون) لتخرج مصر من قمقم الانعزال والسلبية تجاه قضايا الأمن القومي العربي والتبعية للادنى، الى فضاء الفعل والتفاعل الإيجابي إقليميا ودوليا وعلى رأس أولوياته الموقع القومي الرائد الذي يليق بمكانتها وحضارتها ودورها التاريخي عبر العصور وتجسيد الوطنية المصرية الحقة في السيادة والتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية. لقد اتم الجفاف اصطفافه فهل سيأتينا من الكنانة والنيل من ينبئنا بأن السكون فيها مجرد خرافة؟ وان قيامتها كما الساعة آتية لا ريب فيها. اجل انها اتية ومصر ولادة.
بعد تفكك الاتحاد السوفياتي الذي أحدث زلزالا قويا على مستوى العالم كله اثبتت التجربة الروسية ان الرافعة الحامل موجودة بقوة في المجتمع الروسي ذو التاريخ العريق مكنت الاتحاد الروسي في غضون عقدين من الزمن من العودة بقوة وفي شتى المجالات الى الساحة الاقليمية والدولية  ونسجت تحالفات على اسس المصالح المتبادلة واخذت تشكل تهديدا حقيقيا للتربع الأمريكي على عرش العالم وحرصت مع كل الحلفاء على احياء  واعادة الاعتبار لهيئة الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي ينظم علاقات الدول مع بعضها.
أما التجربة الفلسطينية.... وآه من هذه التجربة التي انتهت إلى ( السلطة / الجيتو) ورغم التضحيات الجسام والعذابات والام الشتات إلا ان شعبنا الفلسطيني المعطاء والمضحي والشجاع لا يستكين ولا يلين ولا زال على موقفه الوطني الرافض لكل اشكال والوان مشاريع التصفية فهو يفتقد في هذه المرحلة الصعبة الرافعة الحامل التي تؤطر نضاله وتعيد طرح الرؤية الحقيقية لصراعه الوجودي الصفري مع الكيان ونبذ كل ما يطرح من مشاريع انية ومرحلية، وعدم اعادة تجربة المجرب والذي ثبت فشله.
إن الظروف الذاتية والموضوعية السائدة حاليا لا تشي بوجود الرافعة الحامل وبما أن فلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا التاريخية ( بلاد الشام) والتي استهدفها الاستعمار بكليتها من خلال سايكس - بيكو ووعد بلفور فان الرافعة الحامل حتما ودون ادنى شك هي شامية بامتياز وفي القلب منها دمشق وسيفها الذي ما نبا في الوقت الذي نبت فيه سيوف الكثير من الدول.
أن انتصار سوريا على قوى العدوان من الوكيل الى الاصيل سيجعلها الرافعة الحامل للقضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا القومية بشكل عام.
    ان قوى العدوان التي فشلت في اسقاط الدولة السورية بغية تحويل سوريا الى كيانات طائفية متناحرة خدمة لامن الكيان تدرك وتعي اكثر من غيرها النتائج المترتبة على انتصار سوريا ولذلك تسعى جاهدة لتأخيره.
ان انتصار سوريا اصبح حتميا وسيأتي مكللا بالمجد العروبي والانساني ومطوقا بالياسمين الدمشقي ومعطرا بدم وعرق الشهداء

الخزي والعار لكل قوى التآمر والعدوان 
 المجد والخلود لشهداء امتنا 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك