القائمة الرئيسية

كتب محمد محفوظ جابر: مصير المترجمين وعملاء الأمريكان في أفغانستان

26-07-2021, 00:19 محمد محفوظ جابر
موفع إضاءات الإخباري

كتب محمد محفوظ جابر:

 

 

أكد الرئيس الأميركي جو بايدن في خطاب رسمي في البيت الأبيض أن "الوقت قد حان لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة" بسحب جميع قوات بلاده من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وكانت الولايات المتحدة قد اتخذتها مبررا لعدوانها على افغانستان.
"حان الوقت لوضع حد لهذه الحرب التي لا تنتهي"، ومعتبرا أن لا جدوى من انتظار "توافر الظروف المثالية للانسحاب"، وأضاف "ستبدأ الولايات المتحدة انسحابها النهائي في الأول من أيار/مايو" لكنها "لن تغادر بشكل متسرع"،وبعد ثلاثة أشهر من الإعلان، اكتمل الانسحاب فعليًا.
وأعلنت دول حلف شمال الأطلسي أنها قرّرت المباشرة بسحب قواتها العاملة في إطار مهمة التحالف في أفغانستان بحلول الأول من أيار/مايو على أن تنجز ذلك "في غضون بضعة أشهر"، وفق بيان نشره الحلف. وأعلنت واشنطن قرار الرحيل "بدون شروط"، بالتنسيق مع بقيّة دول التحالف الدولي، لماذا؟ وهل ينسحب منتصر بدون شروط.
وذكر بايدن أن الجيش الأميركي تدخل قبل 20 عاما "لضمان ألا تستخدم أفغانستان قاعدة لمهاجمة "الولايات المتحدة مجددا معتبرا انها "حققت الهدف". والسؤال هو هل حقا حققت هدفها؟ هل انتصرت على طالبان، وماذا عن اهداف الامبريالية الأمريكية في المنطقة اقتصاديا وعسكريا، علما بأن علاقة الولايات الامريكية مع ابن لادن كانت مبنية على تسليحه وتدريبه فلماذا اغتالته؟ هل فعلا حققت استقرارا امنيا او سياسيا في افغانستان وجعلت حكومة كابول تستقر، وهل قدمت الحماية الكافية لعملائها من مترجمين وموظفين وجواسيس لها قبل ان تنسحب تجرجر اذيال خيبتها؟
ان خروج الحامي الأميركي لحكومة تفقد السيطرة على البلاد بوتيرة متسارعة، وإعلان خصمها "طالبان" سيطرته على 218 مديرية من أصل 370 في أفغانستان، لا يشير الى انتصار يسجل للولايات المتحدة بل الى هزيمة تضاف لسجلها الذي بدأ في فيتنام مرور بالعراق وليس انتهاء في افغانستان.

- ان ما اجبر الولايات المتحدة على اتخاذ هذه الخطوة أسباب عديدة، تقف في مقدمتها مسألة الخسائر المادية الكبيرة ( 2 تريليون دولار تقريبا) والبشرية حيث وصلَ عدد القتلى بين صفوف جنودها (أكثر من 4000 قتيل و20.000 جريح، ناهيك عن العدد غير المسجل من قتلى الشركات الامنية العسكرية الخاصة التي استأجرتها الولايات المتحدة لمساعدة قواتها النظامية، وعدد أخر من جنود التحالف).
- كما أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للهروب لم تأت لأجل إنهاء مشكلة أفغانستان وإنما من أجل أن تركز على ما تعتقده الولايات المتحدة مخاطر أكبر تواجه مكانتها ومصالحها العالمية والمتمثلة بالخطرين الذين بدءا يحدقان بها: الأول اقتصادي حيث ثبت ان القوة الاقتصادية الصينية، وحتى الاوروبية الحليفة، بدأت تنافس الولايات المتحدة، وفي حالة الصين فإنها ربما تكون قد تجاوزتها. والثاني عسكري تمثل في تطور القدرات العسكرية الصينية والروسية، وهذا يعني ان عهد القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة والمتحكم بمسار العالم قد انتهى.
وحسب تقديرات المراقبين أن حكومة افغانستان وعاصمتها كابول قد تسقط بعد 6-12 شهراً من مغادرة القوات الامريكية. وهي تمتلك جيشا من 300 ألف جندي بتدريب وتسليح أمريكيين، ومحاولاتها عقد شراكات قبائلية لا يحميها من السقوط، ومن هزم حلف الناتو لا يصعب عليه هزيمة جيش كابول.
ان فرار قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة لم يخلق ازمة سياسية لحكومة كابل فقط، بل خلق ايضا ازمة اجتماعية كبيرة تحت عنوان خجول "المترجمين" أي العملاء. والولايات المتحدة كما عهدناها، لا تقدر ثمنا لحلفائها والقوات الموالية لها في أفغانستان ولا تقبلهم أيضا.
بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، تقدم عدد كبير من المترجمين الأفغان العاملين في الجيش الأمريكي بطلبات اللجوء إلى الولايات المتحدة خوفًا على حياتهم. وأبدى عشرات الأفغان مّمن عملوا مترجمين لصالح القوات الأمريكية على الرغم من مخاطر هذا الأمر، خشيتهم من أن يتحوّلوا إلى أهداف لطالبان بعد خروج الولايات المتحدة من أفغانستان، مناشدين واشنطن عدم التخلي عنهم. وتجمّع هؤلاء المترجمون في أحد أحياء كابول بعد صلاة الجمعة، عشية بدء انسحاب القوات الأمريكية رسميا من أفغانستان. واشتكى أفراد في هذه المجموعة يعتبرون أنفسهم "أبطال حرب منسيين" من فسخ عقودهم مع القوات الأمريكية وحلف الأطلسي بشكل مفاجئ. وأطلق متظاهر قال إنه يدعى جعفري مناشدة جاء فيها "رجاء لا تتخلوا عنا، نحن أبطالكم المنسيون"، مضيفا أن النجاح الذي تحقق في القتال "مرده إلى وجود مترجمين في ساحة المعركة،.
وحذّر الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس من تجدّد ذكريات تصفية الموالين لواشنطن في حرب فيتنام، والذي "لا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه" لنحو 18000 مترجم محلي في أفغانستان (مقال على موقع "وكالة بلومبيرغ"، 22 حزيران/يونيو 2021).
وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك لعدد من الصحافيين "ندرك أنّ هناك عدداً كبيراً من الأفغان الذين دعموا الولايات المتّحدة والتحالف، وأنّ هذا قد يعرّضهم للخطر".
تقول مجموعة "لا أحد يتخلف عن الركب"، وهي مجموعة مكرسة لمساعدة المترجمين الأفغان في الحصول على تأشيرات SIV، إن أكثر من 300 مترجم فوري وأفراد عائلاتهم قُتلوا بالفعل على يد متطرفين بسبب عملهم مع القوات والدبلوماسيين الأمريكيين. وأدانت الولايات المتحدة هجمات حركة طالبان، التي تستهدف المترجمين السابقين والأفغان الآخرين وتدمير البنية الأساسية، داعية الحركة إلى منع مقاتليها من القيام بهذه الأعمال. ولكن الادانة لا تحمي احدا، وتدل ان الولايات المتحدة قد هزمت وتخلت فعلا عنهم، ولا تريد جمعهم على ارضها، ولذلك تماطل في التأشيرات لإدخالهم الى البلاد.
وينتظر نحو 18 ألف مترجم أفغاني وجندي وغيرهم شاركوا في دعم القوات الأميركية اتخاذ قرارات بشأن منحهم تأشيرات هجرة إلى الولايات المتحدة، وهو عمل قد يستغرق أكثر من عامين وفق أعضاء في الكونغرس.
رفضت الولايات المتحدة طلبهم وتريد نقلهم إلى قاعدتها العسكرية في الكويت وإيواء 2000 منهم في الخيام، ولكن الكويت عارضت ذلك بشدة وبعثت برسالة إلى الجانب الأمريكي بأنها غير مستعدة للتعاون على هذا المستوى.
وطلبت الإدارة الأمريكية من دول آسيا الوسطى (طاجيكستان وكازاخستان وأوزبكستان) إيواء آلاف المترجمين الفوريين والمترجمين الأفغان مؤقتًا أثناء انتظارهم للحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، وفقًا لمسؤول أمريكي ومصدر آخر مطلع على المناقشات، ولكن هذه الدول رفضت.
وقال متحدث الخارجية الأمريكية، نيد برايس: "يسعدني أن أعلن أن وزارة الدفاع قد وافقت، بناء على طلب وزارة الخارجية، على السماح باستخدام فورت لي، فيرجينيا، كموقع نقل مؤقت لمجموعة المتقدمين الأقرب لإكمال إجراءات الحصول على تأشيرة الهجرة الخاصة"، وهذا بالطبع لا يحل المشكلة بل مشكلة عدد محدود والى ان يتم ذلك تكون طالبان قد فرضت سيادتها على افغانستان، وحاسبت الخونة وكل من تعامل مع حلف الناتو وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية التي اعتادت ان تعصر العملاء مثل الليمون وتلقي القشرة الى الزبالة.
فهل يتعظ العملاء ويأخذون الدرس من تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك