القائمة الرئيسية

كتب الأستاذ حليم خاتون: لبنان، الداء والدواء 

29-08-2021, 05:27 مواجهة امريكا
موقع اضاءات الاخباري

كتب الأستاذ حليم خاتون:
 

بين نظرية المؤامرة من جهة وبراغماتية الإستعمار تخرج غشاوة تزيد من ضبابية الرؤيا عند القسم الأعظم من ضحايا الإمبريالية في هذا العالم بشكل عام، وفي عالمنا العربي بشكل خاص...

لا شك أن هذا العالم العربي يعيش أزمات خانقة تترواح بين ثقافة غباء العبيد الذي يمكن اختصاره بعالم ماكدونالدز وكوكاكولا في مشيخات وأشباه دول تعيش رفاها فارغا من أي قيمة إنسانية أو حضارية...
 وبين إفقار مادي ومعنوي مدقع وحروب من مختلف الأشكال والألوان يحاول الاستعمار من خلالها سلب هذا الشرق من الروح التي تعطي الحياة معناها... كما جرى ويجري في المجتمعات العربية الحاملة لثقافة الحرية والسمو الإنساني والتي تتركز في البلاد التي طالها ما يسمى بالربيع العربي...

لبنان ليس مجرد مثل عن هذه المجتمعات... لبنان اختصار لهذه المجتمعات المختلفة، كما هو اختصار لكل ما جرى ويجري...

لماذا لبنان؟
لأن الإمبريالية جعلت منه الهدف الثاني بعد فلسطين منذ أكثر من ستة عقود...
قد يكون وجود منظمة التحرير الفلسطينية لعب دورا في هذا الاستهداف... لكن اكيد أن الاستهداف زاد حدة وتصميماََ بعد بروز المقاومة الإسلامية وتلقيها التأييد الكامل الشامل من الجمهورية الإسلامية في إيران...

لماذا لبنان؟
لأن هذا البلد الذي لم يكن الاستعمار يعطيه أية أهمية، والذي أُعتبر دائما وسيط السيطرة الغربية على العالم العربي...
 هذا البلد الصغير جدا والذي كان وزير حرب الكيان موشي دايان في القرن الماضي يقول بسخرية أنه لا يحتاج إلى أكثر من فرقة موسيقية لاحتلاله...

 هذا البلد هو الذي أجهض كل الخطط والعمليات الغربية... واستطاع تقليم أظافر اميركا بعد أن حول إسرائيل إلى بيت من خيوط العنكبوت، وجعل من جحافل التكفيريين فئرانا لا تلوي على شيء... وترك الأنظمة العربية عارية حتى من ورقة التوت...

عندما اوجد الغرب لبنان، كان الهدف هو إيجاد نسخة مسخ عن  هذا الغرب... نسخة تقوم بكل ما يجب لإطالة عمر الاستعمار وتعميق تأثيره حتى يمتلك روح الشرق ويجعل منها امتدادا لثقافة "عالم الزنوج والأمريكان"...

انتهى القرن الماضي وأميركا هي سيدة العالم دون أي منازع...
بين القوى العظمى، سادت اميركا لتكون هي القوة الاعظم...

لم يتجرأ أحد على رفض أوامرها، بما في ذلك روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وكل أوروبا...

شئنا أم أبينا... لبنان فعل ذلك...
في البدء أهملت اميركا جنين المقاومة الذي خرج من قلب هزيمة غزو ال٨٢...
ثم، وعندما قوي عود هذه المقاومة، فعلت اميركا كل ما يلزم وما لا يلزم... اتفاق الطائف، إرساء نظام المقاولة على يد رفيق الحريري، ثم اغتياله بعد الفشل، واستغلال هذا الاغتيال للنيل من سوريا التي أفشلت كل مقاصد غزو العراق، قبل الانتقال الى المقاومة التي ظهر بوضوح صعوبة تدجينها...

فقط الأعمى هو من لا يرى أن حزب الله أفشل كل خطط اميركا في العراق وفي سوريا وفي اليمن.... وبالتأكيد في لبنان...

سواء اقتنعنا بنظرية المؤامرة ام لم نقتنع... كل الخبراء وكل السياسيين يقولون نفس الحقائق عند تشخيص أزمة النظام في لبنان...

المافيات، كارتيلات الاحتكارات، الطائفية، الفساد بكل أشكاله، أفقيا وعاموديا... نظام الريع غير المنتج...
الكل يعرف ما هو الداء...
باختصار، تشخيص الداء  يقول بأن الغرب وأميركا إقامتا هذا البلد المسخ، وبالشكل الذي هو عليه... كما فعلت في كل المنطقه... لأن كل همهما هو إطالة عمر الإمبريالية عبر استعمال إسرائيل كأفضل كلب حراسة ممكن إيجاده...
متى ما عرف الداء، يسهل وصف الدواء....
لماذا إذاََ يعجز الكل عن حل الأزمة؟

لنعد قليلا إلى الوراء...
حزب الله هزم اميركا في كل البلاد التي واجه خلالها  هذا الكيان.

اميركا تعرف انها خسرت وأنها لا تزال تعاني على يد المقاومة...

أميركا تعرف، لكنها غير مقتنعة أنها هزمت بشكل نهائي...

لا تزال اميركا مقتنعة بأنها خسرت معارك مع المقاومة في لبنان تحديدا ومع المحور بشكل عام... وأنها تستطيع قلب الأمور...

ما يجري في لبنان هو قطعا شكل من أشكال الحرب الإمبريالية على إرادة المقاومة في هذا البلد...
لماذا تأخر حزب الله للرد على اميركا...؟
سؤال فيه الكثير من المنطق...
صحيح أن المقاومة في لبنان ترفض الإذعان...
لكن هذه المقاومة تأخرت في الرد إلى درجة تلقي الكثير من الانتقادات من جمهورها وجمهور المناضلين الثوريين...

ليس انتقاصا من ثورية هذه المقاومة... لكن إذا عدنا إلى ما بعد تحرير ال ٢٠٠٠، نجد أن هذه المقاومة لم تكن حاسمة في خيار الصدام مع اميركا...
كأن هناك فيها من يعتقد بإمكانية التفاهم مع الإمبريالية... هذا ليس بالضرورة تخوينا لأي كان...

ربما هي نفس السذاجة الثورية التي جعلت عبد الناصر يعتقد في وقت من الأوقات بإمكانية تحييد اميركا في مسألة الصراع مع الكيان الصهيوني، خاصة أثناء تبادل الرسائل بينه وبين جون. ف. كينيدي...

حتى تعيين السادات نائبا للرئيس، بدل تعيين أحد من صقور ثورة يوليو، يشتم فيه المرء رائحة إيجاد جسر تفاوض مع الأميركي...

أليس هذا ما حدث سنة ٢٠٠٦؟
هل يمكن اعتبار القرار ١٧٠١، تعبير محق عن الوقائع على الأرض...
إن أي قارئ، مهما حاول، لا يستطيع سوى رؤية نوع من التسوية غير العادلة والتي حولت جزءا من النصر الكبير إلى نوع من الهزيمة، أو على الأقل إلى اللانتصار...

هل كان حزب الله في وضع فيه بعض الصعوبات، ولذلك قبل بال١٧٠١...
كل شئ جائز، بما في ذلك أمكانية خوف المحور من التفوق التقني الأميركي أثناء الحرب...

المعطيات قليلة، وفقط قيادة المقاومة هي المؤهلة للإجابة على هذه التساؤلات، وأن كان من حق جمهور المقاومة أن يرفض سلبه الحق في النضال حتى النصر أو الشهادة...

عندما سقط المجاهد علي محسن في سوريا... أجبرت المقاومة كامل الكيان على الوقوف على رجل ونصف...
كان هذا موقفا صداميا ذهب بالمقاومة إلى آفاق أبعد بكثير من كل السابق...

ماذا عن الشهيد القائد عباس اليتامى؟
أين كانت الشهادة؟ 
في أية جبهة؟
هل سقط في حرب مع الكيان أثناء قصف؟

هل أن المقاومة تتريّث؟
هل هناك شعرة اتصالات غير مرئية بين المقاومة وأميركا  

هل تجري هذه الاتصالات من موقع قوة، حيث قام الحزب وبعد صبر فاق كل الوصف الممكن بالرد على الحرب الاقتصادية بتحدي اميركا بثلاثة بواخر نفط تتجه إلى لبنان في خلال حوالي اسبوع واحد...

بعد تشخيص الداء بكل التفاصيل المملة، يبدو أن الحزب انتقل الى الدواء...
هل يمكن مواجهة مافيا الاحتكارات دون مواجهة حامي هذه الاحتكارات...؟

هل يمكن مواجهة الفاسدين والفساد هو أحد أهم أعمدة السيطرة الأميركية على لبنان دون مواجهة اميركا نفسها؟

إن مجرد محاولة تغيير النظام الطائفي هو تهديد لمخططات اميركا التي قامت مباشرة بعد غزو العراق بوضع دستور طائفي مذهبي على الطريقة اللبنانية...
والتي تحاول المستحيل في جينيف لفرض دستور طائفي مذهبي في سوريا...
وهي تحاول الأمر نفسه في اليمن...
إن إقامة سلطة وطنية بالفعل، وأقامة نظام وطني بالفعل هو في غير مصلحة إسرائيل...
إسرائيل بحاجة إلى تطبيع مذل كذلك الذي جرى مع الإمارات والسودان والبحرين... تطبيع يستند الى نظرية شيمون بيريز حول وضع الثروة العربية في يد العقل الصهيوني...
حتى أكثر الأنظمة العربية خنوعا، لا تجد اميركا فيه سوى كيس مال لإعلاء شأن الكيان...

لذا، ومهما حاولنا، لا يمكن، ولا بأي حال من الأحوال بناء وطن دون مواجهة اميركا...

عاجلا، أم آجلا... هذه المواجهة آتية لا محالة...

إذا كان سمير جعجع أو وليد جنبلاط أو سعد الحريري بيادق أميركية...
إذا كان ميشال عون أو باسيل أو نبيه بري خاضعين لمشيئة اميركا في كل الامور الاقتصادية وهم كذلك فعلا...
هل يمكن فعلا القيام بأي شيء دون مواجهة هؤلاء ومواجهة اميركا من ورائهم...

أكيد أن طريق جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة... كما من المؤكد أنه مهما كانت رؤى المقاومة مترددة وغير حاسمة... فإن اميركا لن تسمح لأية سلطة وطنية بالقيامة....

هكذا لا يوجد امام المقاومة والمحور إلا رد وحيد ممكن هو زيادة مقدار التحدي والذهاب إلى المواجهة لو مهما بلغت التضحيات...
لقد أظهرت لنا فلسطين أن ثمن التصدي هو دائما أقل بكثير من ثمن الخنوع والخضوع والاستسلام...
البواخر الآتية ليست فقط كسرا للاحتكارات. إنها الخطوة الأولى في رحلة تحرير المنطقة...
                 

شارك