هل ما يحدث هو التحرير الثاني للقارة السوداء أم تبديل طرابيش...!؟
مقالات
هل ما يحدث هو التحرير الثاني للقارة السوداء أم تبديل طرابيش...!؟
علي وطفي
2 نيسان 2025 , 17:03 م


لا تزال شعوب أفريقيا تسعى للخلاص من إرث النظام الاستعماري الغربي ، و هل ما يلوح في افق أفريقيا يعتبر معركة السيادة ؟

لا تزال حقائق العالم الرأسمالي الحالي تؤكد دقة ما قيل عن الاستعمار الجديد من منظري المعسكر الاشتراكي قبل نصف قرن: "إن انهيار النظام الاستعماري لا يؤدي إلى القضاء الفوري عليه في العديد من البلدان المحررة ، فأدواته تسيطر على مناصب اقتصادية مهمة و مهيمنة يتم تنفيذ هذه السيطرة من خلال الحفاظ عليها كالتخلف و التخصص الزراعي المواد الخام لإقتصادهم و هيمنة الاحتكارات الأجنبية و التحكم في المجالات السياسية و العسكرية تثبت الأحداث في البلدان الافريقية بصعوبة التحرير من القيود التي فرضها المستعمرون السابقون.

بدأت الدولة السنغالية خطوات حاسمة في هذا الاتجاه حين واتخذت قرار بانسحاب القوات الفرنسية و دعت إلى مراجعة الاتفاقيات المستعبدة و تتبعها في ذلك كل من النيجر ، تشاد ، مالي و دول أخرى ، في شهر آذار الماضي بعد فوز "باسيرو ديوماي فاي" مرشح الوطنيين الأفارقة السنغاليين اليساريين للعمل و الأخوة و في الانتخابات الرئاسية شارك زعيم هذه المنظمة "عثمان سونكو" في احتجاجات ضد السياسة النيوليبرالية الغربية و تم إطلاق سراحه قبل أسبوعين من التصويت.

كانت الخطوة الأولى للحكومة الجديدة هي إجراء تحليل شامل خصوصا الوضع المالي و الاقتصادي للبلد و مراجعة الاتفاقات التي أبرمتها الحكومة السابقة، اتضح ان العجز الحقيقي في الميزانية 10.4في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بدلا من 5.5 وصل الدين الوطني 76.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بدلا من 65.9 كم تم تعليق مشاركة السنغال في برنامج صندوق النقد الدولي و اتخذت الإدارة عددا من الإجراءات لخفض الأسعار و مكافحة الفساد و القضاء على البيروقراطية في جهاز الدولة و لكن حتى هذه الإصلاحات المعتدلة تم تخريبها من قبل البرلمان حيث معظمهم من أنصار الرئيس السابق "ماكي سال" في النهاية حاول النواب منع اعتماد الميزانية و تمرير تصويت بحجب الثقة عن مجلس الوزراء بقيادة "عثمان سونكو" فقام الرئيس بحل البرلمان

و دعا إلى انتخابات مبكرة و تم توحيد الأحزاب البرجوازية المتنافسة سابقا تحت قيادة "سالا" و لكن تم هزيمة هذا التحالف و فاز الوطنيون الأفارقة بـ 130 مقعدا من أصل 165و قبل وقت قصير من التصويت أعلنت الحكومة استراتيجية تطوير حتى عام 2050 تنص على أن النموذج الاقتصادي السابق لم يجلب الرخاء للشعب و لا يمكن تحويل السنغال إلى بلد ذي سيادة و عادل و مزدهر إلا برفض التبعية الأجنبية من خلال مراجعة العقود مع الشركات الأجنبية المرخص لها بتطوير الثروات الباطنية ، تمتلك شركة "و ودسايد إنرجي الأسترالية" حصة 82 في المائة في حقل نفط "سانغومار" الذي بدأ في الإنتاج العام الماضي و حصة الشركة الأمريكية "كوزموس" للطاقة التي تنتج الغاز في حقل "ياكار تيرانغا"90 في المائة و شركة "بريتيش بتروليوم" البريطانية(56 في المائة من الأصول) و شركة "كوزموس" للطاقة المذكورة أعلاه 27 في المائة حقل النفط و الغاز عبر الحدود "بولشوي تورتو" أخميم اما الشركات السنغالية و الموريتانية المملوكة للدولة راضية بنسبة متواضعة تبلغ 17 في المائة.

وفقا "لسونكو" تم إبرام الاتفاقات على حساب المصالح الوطنية في المرحلة الأولى و من الضروري "موازنة نسب أسهم الشركاء الأجانب و الوطنيين في الأحجام التي تناسب كلا الجانبين "يجب على الشركات الأجنبية تحمل المزيد من المسؤولية الاجتماعية و مشاركة السنغاليين بالتقنيات و تدريب المتخصصين المحليين في المستقبل تهدف السنغال إلى معالجة المواد الخام داخل البلاد من المخطط تدريب700 ألف موظف مؤهل لهذا الغرضزكما تنص استراتيجية التنمية على كهربة البلاد ، اليوم ما يزيد قليلا عن ثلثي الأسر لديها إمكانية الحصول على الكهرباء ، مع قرار هام للحكومة اليسارية في التخلي عن الفرنك الأفريقي التي تستخدمه 14 دولة في القارة خلال المفاوضات مع البنك المركزي لدول غرب إفريقيا اقترح ممثلو السنغال التحول إلى عملتهم الإقليمية ضمن إطار "منظمة التعاون الاقتصادي" لضمان السيادة على السياسة النقدية هذا على وجه الخصوص ، أي فصل العملة الجديدة عن اليورو و وقف تخزين نصف احتياطيات النقد الأجنبي في فرنسا.

تدرك "داكار" أنه لا يمكن التغلب على التبعية الاقتصادية دون التخلص من القيود السياسية و اول هذا التحول بدأ من موقف الحكومة الجديدة بإعلان تضامنها مع قطاع غزة و وقف العدوان كما دعت إلى تشكيل نظام أكثر إنصافا للعلاقات الدولية ، كما زار الرئيس "فاي" الصين و وقع عددا من الاتفاقيات الثنائية على وجه الخصوص و أصبحت السنغال مشاركا في برنامج إنشاء محطة أبحاث على سطح القمر و تجري مع إيران مفاوضات بشأن التعاون في قطاع التعدين و التدريب المشترك للمتخصصين.

أما قرار السنغال القاضي بانسحاب القوات الفرنسية ، أتى في خطاب العام الجديد للشعب حيث ذكر "فاي"أن السيادة الحقيقية مستحيلة مع الحفاظ على القواعد الأجنبية نحن نتحدث عن 350 فردا عسكريا فرنسيا متمركزين في قاعدة( أوكام) هذه المطالبة حدثت في ذكرى الأحداث المأساوية المعروفة باسم "مذبحة التياروي"في نهاية عام 1941 تجمع الجنود السنغاليون الذين قاتلوا في الجيش الفرنسي و حركة المقاومة ضد ألمانيا النازية في هذه المدينة و نشرت السلطات الاستعمارية قوات ضد الذين طالبوا بالتعويضات و المعاشات التقاعدية و قتلت 400 شخص في هذه المجزرة و اعترفت السلطات الفرنسية بذنبها في العقد الماضي فقط ، لكنها رفضت تقديم وثائق أرشيفية ، فأنشأت الحكومة السنغالية لجنة خاصة لتقصي الحقائق للتحقيق في الجرائم المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية.

بدأ انسحاب القوات الفرنسية و وعد بان يتم إكماله بحلول الصيف و لكن في الوقت نفسه أكدت "داكار"أن فرنسا لا تزال "الشريك المميز" للبلاد و أول زيارة خارجية للرئيس "فاي" كانت الى باريس و كما يثير بيان صدر مؤخرا عن وزير المالية "الشيخ دبا" و نيته تنسيق برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بحلول يونيو / حزيران تساؤلات كثيرة و تخبط و كما يلاحظ تزايد المشاعر المعادية لفرنسا في دول أخرى في المنطقة حيث أعلن رئيس ساحل العاج " الحسن واتارا "الانسحاب المنسق و المنظم للقوات الفرنسية" في خطاب العام الجديد فحتى وقت قريب كانت البلاد تعتبر حليفا وثيقاً لباريس ، حيث تمركز حوالي ألف جندي أجنبي.

في 20 من شهر شباط تم تسليم قاعدة "بورت بوت" للجيش الإيفواري و لم يتبق سوى حوالي 80 مدربا عسكريا فرنسيا في البلاد ، كما تم انسحاب القوات الفرنسية من تشاد ، حيث كانت هناك وحدة من 1000جندي في نهاية العام الماضي و أعلنت السلطات إنهاء اتفاقية الدفاع و وصف وزير الخارجية "عبد الرحمن كلام الله" الوثيقة بأنها " عفى عليها الزمن و تتعارض مع الواقع السياسي و الاهداف الجيوستراتيجية في عصرنا و أضاف الوزير "لقد حان الوقت لإعلان سيادتنا الكاملة".

هي لاشك ضربات كبيرة جدا لفرنسا (المستعمر العتيق) و في وقت سابق "طُلب منها مغادرة" مالي و بوركينا فاسو و النيجر" في غضون خمس سنوات كما تم تخفيض قواتها الأفريقية من 10000 إلى 4000 جندي و بعد الانسحاب من تشاد و السنغال و كوت ديغوار ، سيصل عددهم إلى أقل من ألفين متمركزين في قواعد في "جيبوتي و الغابون"، لكن لم يغير هذا الاتجاه عملية إنشاء القيادة الأفريقية الخاصة للجيش الفرنسي و اعتماد استراتيجية جديدة للقارة تقوم على شراكة متجددة و مفيدة للطرفين تأخذ في الاعتبار احتياجات الدول الأفريقية مع الاحترام الكامل لسيادتها" و أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا "عدم امتنان" الدول الأفريقية (لمساعدة) فرنسا طويلة الأجل.

فرنسا اليوم تعاني أيضا من خسائر اقتصادية كبيرة حيث أعلن "أورانو" زعيم الصناعة النووية الفرنسية ، إنهاء المشاريع في النيجر و إلغاء ترخيصها لتطوير منجم "إيمورين" لليورانيوم تم إيقاف العمل بسبب عقبات من السلطات المحلية كما هو موضح في نيامي عاصمة البلاد ، لا يمكن لباريس المطالبة بالترحيب الحار ، و رفض الاعتراف بقيادة النيجر الجديدة

*حان وقت تبديل الرعاة*....

في كثير من الحالات تعتبر هذه الخطوات المناهضة لفرنسا هي مواقف النخب المحلية الوطنية في تشاد ، فعلى سبيل المثال : تم تقديم مطالب بسحب القوات بعد هجوم إسلامي على قاعدة عسكرية و مقتل أربعة عشر جنديا و اتهمت فرنسا برفض تبادل المعلومات الاستخباراتية و مساعدة الجيش التشادي بالإضافة إلى ذلك أعربت السلطات عن عدم رضاها عن وعد فرنسا في مكافحة الفساد الذي أطلقته باريس و المتهمون مسؤولون أفارقة قاموا بشراء عقارات فاخرة و أصول أخرى في فرنسا.

لكن المفارقة أتت بتوقيع الحكومة السنغالية اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة ، تسمح بنشر القوات لإجراء تدريبات مشتركة برأي "داكار" إن هذا سيعزز قدرتها على الاستجابة للتحديات الأمنية المتزايدة و تم إطلاق أول قمر اصطناعي سنغالي من قاعدة "فاندنبرغ" الأمريكية في كاليفورنيا.

و تتبع سلطات تشاد سياسة غير ثابتة فقبل الانتخابات الرئاسية في إيار من العام الماضي أكدوا الانسحاب الكامل للوحدة الأمريكية و مع ذلك في أيلول توصل الطرفان إلى اتفاق بشأن عودة القوات الخاصة الأمريكية إلى البلاد كما تبقى القوات العسكرية الإيطالية في النيجر سلطاته لا تطلب فقط رحيلهم ، إنما أيضا تعزيز العلاقات مع روما و قال وزير الخارجية "بكاري ياو سانجاري" في منتدى للتعاون الثنائي" ايطاليا شريك خاص للنيجر".

فهل مناهضة الاستعمار القديم يكون بتبديل راعي بآخر ، بمعنى مابين القوى القديمة و الجديدة ، بينما اقامت تشاد علاقات وثيقة مع دولة الإمارات في السنوات الأخيرة التي تزود البلاد بكميات كبيرة من المعدات العسكرية و يقوم مدربوها بتدريب الجيش المحلي ، بينما منحت تشاد الإمارات بقاعدة جوية في "أمجاراسا" شرق البلاد و سمحت باستخدام أراضيها لدعم قوات الرد السريع السودانية، أحد أطراف الحرب الأهلية في السودان رغم ذلك بدأ اليوم "حميدتي" مواقعه امام تقدم الجيش السوداني...

كما وقعت تشاد مع تركيا اتفاقيات للتدريب العسكري و تبادل المعلومات الاستخباراتية و التعاون في مجال الاتصالات و زودت أنقرة جيش الدولة بطائرات هجومية "هوركوس سي" و طائرات "أنكا إس" بدون طيار و صواريخ "سيريت" و عربات مدرعة و معدات أخرى.

اتبعت النيجر نفس المسار حيث وقعت سلسلة من المعاهدات مع تركيا بالإضافة إلى شراء طائرات بايراقدار تي بي 2 القتالية الحالية ؟ و ترغب "نيامي" شراء طائرات كارايل سو بدون طيار وفقا لبعض التقارير تم نشر مرتزقة من سوريا ما يسمى (الجيش الوطني ) التابع الاستخبارات التركية على اراضيها عن طريق النظام التركي وقعوا عقدا مع شركة الحماية "سادات" العسكرية التركية في النيجر.

كما من الواضح انه تجري احداث غير مفهومة في "مالي" عزز المجلس العسكري الجيش تسليحا وتدريبا بمساعدة روسيا و تركيا ، لكن المفارقة ان الشركات الغربية لا تزال مهيمنة في قطاع التعدين و هو أمر حاسم للاقتصاد لزيادة مدفوعاتها و تعزيز ميزانياتها، بدأت قيادة البلاد في اعتماد قانون تعدين جديد و مراجعة العقود و قدمت بعض الشركات مثل بي 2 جولد الكندية تنازلات تم تطبيق طرق أخرى للتأثير على الآخرين بالمطالبة بدفع 160 مليون دولار نيابة عن شركة التعدين الأسترالية، ألقت السلطات القبض على مديريها التنفيذيين الذين وصلوا إلى البلاد لإجراء مفاوضات دفع نجاح هذه العملية المجلس العسكري إلى تقديم مطالبات أكبر (مقابل نصف مليار دولار) للشركة الكندية باريك جولد ، كما هددت سلطات "بوركينا فاسو" بحرمان الدول التي ترفض مساعدة جيش البلاد من العقود في الوقت نفسه ، دعا رئيس الوزراء "جان إيمانويل و يدراوغو"الولايات المتحدة إلى "إقامة تعاون مباشر مع و اغادوغو."

أما الغياب الاكبر المؤسف هو لنفوذ مصر التاريخي هناك و من ثم القضاء على نفوذ الجماهيرية الليبية الصاعد قبيل أحداث2011 و قتل القذافي الذي سعى بجدية في محاولة تحقيق تجمع اقتصادي افريقي من خلال خطوات قطعها في الاتفاق على إنشاء عملة موحدة (الدينار الافريقي) و البنك الافريقي الموحد و لم يتخلص الغرب من القذافي و نظامه دفاعا عن حقوق إنسان ليبيا ، فآخر ما يفكر به الغرب الاستعماري هو الانسانية و التجارب لا تعد و لا تحصى على ذلك.

لكن لا يمكن تحقيق التحرر الحقيقي من خلال هكذا تغييرات و استبدال بعض الرعاة الكبار بآخرين ، بل يكون في تغيير جذري في المسار الاجتماعي و الاقتصادي يترافق مع تشعب العلاقات في كل الاتجاهات حيث تتأمن مصالح الدولة الوطنية و بقاء عنصر التوازن في السياسة و عدم التبعية المطلقة اهم سمات الاستقرار و التطور و حسن إدارة مصالح المجتمعات الوطنية.

المصدر: موقع إضاءات الإخباري