بقلم: د. هناء سعادة
الجزائر- استُشهد أبو عبيدة نتيجة قصفٍ مباشر بصواريخ محمّلة بقنابل حرارية حارقة محرّمة دوليًا، وأخرى تطلق سحابة من الوقود المتفجّر تمتد في الهواء قبل أن تشتعل فجأة، مولّدة حرارة هائلة وضغطًا قاتلًا؛ وقد استُشهد معه 40 فردًا من عائلته (الكحلوت)، بينهم زوجته وثلاثة من أطفاله، إضافة إلى 30 مدنيًا؛ في مشهدٍ يلخّص طبيعة الحرب المفتوحة التي تُدار خارج أي إطار للمحاسبة، ويكشف مرة أخرى حجم الانتهاكات الصهيونية التي تُرتكب بدمٍ بارد وتحت غطاء الإفلات من العقاب.
ففي تصعيدٍ يضع المنظومة الدولية برمّتها أمام امتحان أخلاقي وقانوني بالغ الخطورة، تتواصل الاعتداءات الصهيونية بأسلحة توصف—وفق تقارير ميدانية وشهادات طبية وحقوقية—بأنها تحمل سمات القنابل الحرارية الحارقة والقنابل ذات الوقود المتفجّر، وهي أسلحة محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني. صواريخ تُطلق حمولةً لا تُميّز بين هدفٍ عسكري ومدني، تُنشر سحابة من الوقود المتفجّر في الهواء قبل أن تشتعل دفعةً واحدة، مولِّدة حرارةً هائلة وضغطًا قاتلًا، تاركةً وراءها أجسادًا متفحّمة، ومبانٍ منهارة، ونظامًا صحيًا عاجزًا عن استيعاب حجم الكارثة.
ما يجري ليس مجرد “عمليات عسكرية” كما تُقدَّم في البيانات الرسمية، بل نمطٌ متكرر من الإفلات من المساءلة، تُستباح فيه حياة المدنيين وتُداس فيه أبسط قواعد التمييز والتناسب والضرورة العسكرية. فالقانون الدولي الإنساني—الذي وُضع أصلًا لحماية غير المشاركين في القتال—يحرّم الهجمات العشوائية ويقيّد استخدام الأسلحة التي تُسبّب آلامًا مفرطة أو آثارًا لا يمكن حصرها مكانيًا وزمانيًا. ومع ذلك، تتكدّس الأدلة على أرض الواقع فيما يتبدّد أي أفقٍ لمحاسبةٍ جدية.
يتجاوز الأثر الإنساني لهذه الهجمات أرقام الضحايا، فنحن أمام جراحٍ لا تُرى فقط في صور المستشفيات الميدانية، بل في الذاكرة الجمعية لمجتمعٍ يُدفع قسرًا إلى حافة الانهيار. الحروق العميقة، الاختناقات الناتجة عن موجات الضغط، تدمير البنى التحتية الحيوية، وتشريد العائلات—كلها حلقات في سلسلة عنفٍ تُدار بمنطق القوة الغاشمة لا بمنطق القانون. والأخطر أن هذا النمط يُغذّي سابقةً خطيرة: حين تُعلّق القواعد على مشجب “الاستثناء”، يصبح الاستثناء هو القاعدة.
واليوم، لم يعد الصمت الدولي—أو الاكتفاء ببيانات التنديد والشجب— موقفًا محايدًا؛ بل تواطؤًا غير مباشر يُكرّس ميزانًا مختلًّا للمساءلة. فحين تُشلّ آليات التحقيق، وتُفرغ القرارات الأممية من مضمونها، وتُستخدم معايير مزدوجة في توصيف الجرائم، تتآكل الثقة في النظام الدولي نفسه. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، والإنسانية التي تُجزّأ بحسب الهوية أو الجغرافيا تفقد معناها.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيدٍ من الخطابات، بل إلى مسارٍ واضح للمحاسبة: تحقيقات مستقلة وشفافة، حماية فورية للمدنيين، وضمان عدم تكرار الجرائم عبر آليات ردع حقيقية. فالقانون الدولي ليس نصًا للزينة، والكرامة الإنسانية ليست بندًا قابلًا للتعليق. ما يحدث يصرخ في وجه العالم: إما أن تُستعاد سيادة القانون، أو يُترك المجال لعنفٍ بلا حدود—وعندها سيدفع الجميع الثمن.
انتهاكات صهيونية موثّقة ومحظورة دوليًا: سجلٌّ أسود للقانون الدولي الإنساني
تُظهر الوقائع الميدانية في فلسطين نمطًا متكاملًا من الانتهاكات الجسيمة التي يصنّفها القانون الدولي الإنساني كجرائم حرب. في مقدّمتها استخدام أسلحة ذات آثار عشوائية أو مفرطة، بما في ذلك القنابل الحرارية والوقودية، التي تتعارض مع مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، إذ لا يمكن حصر آثارها ضمن نطاق عسكري محدّد، ولا تقليل أذاها على المدنيين.
كما يُسجَّل الاستهداف المتكرر للمدنيين والأعيان المدنية—المنازل، والمدارس، والملاجئ، ومراكز الإيواء—في انتهاكٍ صريح لحظر الهجمات الموجّهة ضد السكان المدنيين، ولحظر العقاب الجماعي. ويُفاقم ذلك استهداف المرافق الطبية والطواقم الصحية وسيارات الإسعاف، وهو خرقٌ جسيم لحماية الجرحى والمرضى والعاملين الطبيين، ويقوّض حقّ العلاج ويحوّل المستشفيات إلى ساحات خطر بدل أن تكون ملاذًا آمنًا.
وتُضاف إلى ذلك سياسة تدمير البنى التحتية الحيوية—شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات—بما يندرج ضمن تجويع السكان كوسيلة من وسائل الحرب، وهو محظور صراحةً بموجب القانون الدولي. فهذا التدمير المنهجي لا يخلّف أضرارًا آنية فحسب، بل يزرع كارثة إنسانية ممتدّة الأثر، تُصيب الأطفال والنساء وكبار السن على نحوٍ غير متناسب.
وتشير الشهادات إلى منع أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وفرض قيود على الإغاثة، في انتهاكٍ لواجب السماح بمرور المساعدات دون عوائق. كما يُلاحظ غياب التحقيقات المستقلة والفعّالة في الانتهاكات المبلّغ عنها، بما يخالف الالتزام الدولي بملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة وضمان عدم الإفلات من العقاب.
إن تراكم هذه الانتهاكات—استخدام أسلحة محظورة أو مقيّدة، الهجمات العشوائية، استهداف المدنيين والمرافق الطبية، التجويع وتدمير سبل الحياة، وعرقلة الإغاثة—لا يترك مجالًا للبس أو التأويل. نحن أمام سجلّ موثّق لجرائم صهيونية تحظرها قواعد القانون الدولي الإنساني حظرًا قاطعًا، وتستوجب مساءلة قانونية عاجلة لا تقبل التسويف أو الانتقائية.