نجح باحث دكتوراه في جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية (USTC) في تطوير مادة جديدة مقاومة للنيران قادرة على تحمّل درجات حرارة تتجاوز 1500 درجة مئوية (2732 درجة فهرنهايت)، وهي حرارة أعلى بكثير مما تسجله معظم الحرائق الهيكلية، مما يبرز الإمكانات الكبيرة لهذا الابتكار في تطوير معدات الحماية لرجال الإطفاء وغيرهم من العاملين في البيئات شديدة السخونة.
ووفقا لفيديو بثّه التلفزيون المركزي الصيني (CCTV) ونقلته مجموعة الصين الإعلامية، جرى اختبار المادة باستخدام لهب شعلة لحام تتجاوز حرارتها 1500 درجة مئوية. ويُظهر المقطع الباحث وهو يضع ذراعه، المغطاة بالمادة، مباشرة أمام اللهب، حيث احترق السطح الخارجي ببطء دون أن تشتعل المادة أو تسمح بانتقال فوري للحرارة إلى الداخل.
من يقف وراء هذا الابتكار العلمي؟
يُنسب هذا الإنجاز إلى الدكتور فانغ تيانتشنغ، طالب الدكتوراه في جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية. وذكرت وسائل إعلام صينية أن فانغ خاطر بتأخير تخرجه بسبب إصراره على متابعة هذا البحث، الذي أثمر عن تطوير مادة قادرة على الحفاظ على تماسكها البنيوي في درجات حرارة قصوى.
مقارنة مع بدلات الإطفاء المستخدمة حاليا
صُممت بدلات الإطفاء الحالية لتحمّل التعرض القصير للحرارة الشديدة، لكنها تبقى محدودة القدرات. ففي حالات ما يُعرف بـ الاشتعال الكامل (Flashover)، حيث تشتعل جميع محتويات المكان في وقت واحد، لا تستطيع البدلة القياسية حماية رجل الإطفاء سوى نحو 18 ثانية قبل حدوث حروق من الدرجة الثانية رغم الطبقات الواقية.
في المقابل، يشير داعمو المادة الصينية الجديدة إلى أنها قد تمدد زمن البقاء في ألسنة اللهب المحيطة إلى ما لا يقل عن 30 دقيقة، وهو تحسن كبير مقارنة بالمعدات الحالية.
وللمقارنة، تصل حرارة لهب شعلة اللحام الاحترافية إلى نحو 1500 درجة مئوية، بينما تتراوح حرارة معظم حرائق المنازل والمباني بين 600 و800 درجة مئوية. ويُظهر هذا الاختبار القاسي مستوى المقاومة الحرارية الاستثنائي للمادة الجديدة.
ما التقنية الكامنة وراء هذه المقاومة الحرارية؟
لم تكشف تقارير CCTV عن التركيب الدقيق للمادة، إلا أن محللين مطلعين على أبحاث علوم المواد في جامعة USTC يرجحون أن يكون الابتكار مستوحًى من تقنيات الأيروجيل (Aerogel) والمركبات النانوية الليفية.
وتُعد مختبرات USTC من الرواد عالميا في تطوير أيروجيلات مستوحاة من الكتلة الحيوية، وهي مواد فائقة المسامية، خفيفة الوزن، وتتميز بقدرة عالية جدا على العزل الحراري.
وقد استُخدمت الأيروجيلات سابقا في تطبيقات متعددة، من عزل المباني إلى بدلات رواد الفضاء، حيث أظهرت الدراسات أن دمجها في الأقمشة الواقية يقلل انتقال الحرارة بشكل ملحوظ، ويخفف الوزن مقارنة بالطبقات الواقية التقليدية.
وعلى عكس ألياف الأراميد المستخدمة حاليا في بدلات الإطفاء مثل نومكس وكيفلار، والتي تركز على إبطاء انتشار اللهب، يبدو أن المادة الجديدة تعمل كـ حاجز حراري أقوى، ما قد يمثل تحولا من مبدأ “التأخير” إلى “المنع” في تصميم معدات الحماية.
تحديات قبل الاستخدام الميداني
رغم النتائج المبهرة في المختبر، لا تزال هناك عقبات عملية قبل اعتماد هذه المادة في بدلات الإطفاء أو المعدات الصناعية:
مشكلة التهوية والراحة الحرارية
المواد التي تمنع انتقال الحرارة بكفاءة عالية غالبا ما تحتجز الرطوبة والعرق، ما قد يزيد من الإجهاد الحراري الداخلي. ويُعد التحكم في حرارة جسم رجل الإطفاء من أهم عوامل السلامة.
المتانة وطول العمر
قد تفقد الطلاءات المتقدمة أو الطبقات النانوية فعاليتها بعد عمليات الغسل الصناعي المتكررة، وهي متطلب أساسي للمعدات المهنية.
وتسلّط هذه التحديات الضوء على الفجوة بين الإنجازات المخبرية والتطبيق العملي في بيئات غير متوقعة وعالية الخطورة.
يمثل هذا الابتكار الصيني خطوة علمية لافتة في مجال مواد الحماية من الحرائق، وقد يغيّر مستقبل سلامة رجال الإطفاء والعاملين في البيئات شديدة الحرارة. غير أن الانتقال من المختبر إلى الاستخدام الواقعي سيتطلب مزيدا من التطوير والاختبارات لضمان التوازن بين الحماية، والراحة، والمتانة