بكتيريا حليب الأم تساهم في بناء صحة أمعاء الأطفال منذ الولادة
دراسات و أبحاث
بكتيريا حليب الأم تساهم في بناء صحة أمعاء الأطفال منذ الولادة
8 كانون الثاني 2026 , 14:20 م

تركز معظم النقاشات حول حليب الأم على العناصر الغذائية والأجسام المضادة والترابط العاطفي بين الأم والطفل، إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف جانبا أقل شهرة، يتمثل في احتواء حليب الأم على مجتمع متكامل من الميكروبات. وتشير دراسة جديدة إلى أن هذه الميكروبات تلعب دورا أساسيا في تشكيل الميكروبيوم المعوي لدى الرضع، مما ينعكس على امتصاص العناصر الغذائية، وتنظيم التمثيل الغذائي، وتطور الجهاز المناعي.

دراسة شاملة نُشرت في Nature Communications

قدّمت دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications واحدة من أكثر الصور تفصيلا حتى الآن حول كيفية مساهمة أنواع مختلفة من البكتيريا الموجودة في حليب الإنسان في بناء الميكروبيوم المعوي لدى الأطفال خلال الأشهر الأولى من الحياة.

تحديات تحليل ميكروبيوم حليب الأم

يُعد تحليل ميكروبيوم حليب الأم مهمة معقدة، نظرا لارتفاع نسبة الدهون فيه وانخفاض الحمل البكتيري نسبيا، مما يصعّب عملية استخراج المادة الوراثية.

وتوضح باميلا فيريتي، الباحثة الرئيسية في الدراسة وزميلة ما بعد الدكتوراه في مختبر بليخمان بجامعة شيكاغو، أن حليب الأم يُعد المصدر الغذائي الوحيد الموصى به خلال الأشهر الأولى، إلا أن الأسئلة المتعلقة بميكروباته ظلت دون إجابة بسبب التحديات التقنية الكبيرة.

قاعدة بيانات واسعة من الأمهات والرضع

اعتمدت الدراسة على مئات عينات حليب الأم التي جُمعت ضمن مشروع MILK (الأمهات والرضع المرتبطون بالنمو الصحي)، وهو مشروع بحثي تقوده جامعتا مينيسوتا وأوكلاهوما، بالتعاون مع جامعة شيكاغو.

كما استفاد فريق البحث من أدوات التحليل الميتاجينومي وخبرة واسعة في دراسة الميكروبيوم، خاصة في ما يتعلق بانتقال الميكروبات من الأم إلى الطفل.

تحليل 507 عينة من حليب الأم وبراز الرضع

حلل الباحثون 507 عينة من حليب الأم وبراز الرضع تعود إلى 195 زوجا من الأمهات وأطفالهن. وأظهرت النتائج أن حليب الأم يحتوي على مزيج مميز من البكتيريا، تهيمن عليه بكتيريا البيفيدوباكتيريا، وخاصة:

Bifidobacterium longum

Bifidobacterium breve

Bifidobacterium bifidum

وقد وُجدت بكتيريا B. longum في أكثر من نصف عينات الحليب، كما كانت موجودة في أكثر من 98% من ميكروبيومات أمعاء الرضع.

نتائج تخالف الدراسات السابقة

أشارت فيريتي إلى أن هذه النتائج كانت مفاجئة، إذ ركزت دراسات سابقة على بكتيريا أخرى مثل Staphylococcus وStreptococcus، مما قد يدفع إلى إعادة تقييم الفهم العلمي السائد حول ميكروبات حليب الأم.

تتبع انتقال الميكروبات من الحليب إلى أمعاء الرضيع

اعتمدت معظم الدراسات السابقة على تقنية التسلسل الأمبليكوني، التي تحدد أنواع البكتيريا لكنها لا تكشف الفروق الدقيقة بين السلالات. أما في هذه الدراسة، فقد استخدم الباحثون التحليل الميتاجينومي المتقدم، ما أتاح تتبع انتقال السلالات البكتيرية نفسها.

وتم توثيق 12 حالة مؤكدة وُجدت فيها السلالة البكتيرية نفسها في حليب الأم وأمعاء الطفل، وهو دليل قوي على انتقال الميكروبات مباشرة عبر الرضاعة الطبيعية.

بكتيريا نافعة وأخرى محتملة الخطورة

شملت السلالات المنتقلة بكتيريا نافعة تساعد على:

هضم سكريات حليب الأم

دعم نمو الجهاز الهضمي الصحي

كما شملت أيضًا بكتيريا تُعرف بـالبكتيريا الانتهازية مثل E. coli وKlebsiella pneumoniae، والتي قد تكون غير ضارة في الأفراد الأصحاء، لكنها قادرة على التسبب في العدوى في ظروف معينة.

وأكد الباحثون أن جميع الأمهات والرضع المشاركين كانوا بصحة جيدة، ما يشير إلى أن وجود هذه البكتيريا لا يعني بالضرورة وجود مرض.

دور فم الرضيع في تشكيل ميكروبيوم الحليب

رصد الباحثون وجود بكتيريا مرتبطة عادة بتجويف الفم، مثل:

Streptococcus salivarius

أنواع من Veillonella

ويرجّح الفريق أن ذلك ناتج عن ظاهرة تُعرف بـالتدفق الارتجاعي أثناء الرضاعة، حيث تنتقل كميات صغيرة من بكتيريا فم الرضيع إلى قنوات الحليب.

آفاق جديدة لأبحاث حليب الأم

أوضحت فيريتي أن هذه الدراسة ضاعفت تقريبا عدد عينات حليب الأم المتاحة للتحليل الميتاجينومي عالميا، وربطتها ببيانات صحية ونمط حياة مفصلة للأمهات.

وفي الدراسات المستقبلية، يخطط الباحثون لاستخدام نهج متعدد التحليلات (Multi-omics) لدراسة:

السكريات قليلة التعدد في حليب الأم (HMOs)

المركبات البيئية مثل PFAS

مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية

تؤكد الدراسة أن حليب الأم لا يقتصر على التغذية والمناعة فقط، بل يمثل وسيلة أساسية لنقل الميكروبات التي تسهم في بناء صحة الجهاز الهضمي والمناعي للطفل، وقد يكون لها تأثير طويل الأمد على الصحة في مراحل لاحقة من الحياة.

المصدر: University of Chicago Medical Center
الأكثر قراءة حرامية النفط وقراصنة البحار الجدد
حرامية النفط وقراصنة البحار الجدد
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً