إيران لا تقف على حافة الهاوية، لكنها تسير على خط ضيّق بين الصمود والتحوّل..
مقالات
إيران لا تقف على حافة الهاوية، لكنها تسير على خط ضيّق بين الصمود والتحوّل..
عباس المعلم
12 كانون الثاني 2026 , 00:19 ص


بقلم ( عباس المعلم )

تعيش إيران لحظة سياسية مركّبة لا يمكن مقاربتها بمنطق الانهيار الوشيك ولا بمنطق الاستقرار المطمئن، بل بوصفها دولة تخوض اختبارًا قاسيًا لقدرتها على إدارة التناقضات تحت ضغط متزامن من الداخل والخارج. فالمشهد الإيراني الراهن لا يُعبّر عن أزمة نظام بقدر ما يعكس أزمة مرحلة، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع تحديات الشرعية، وتتشابك حسابات الأمن القومي مع تحولات المجتمع، ضمن بنية حكم اعتادت تاريخيًا العمل في بيئة صراعية، وتملك خبرة طويلة في امتصاص الصدمات وإعادة التموضع بدل السقوط أو القطيعة.

من الناحية البنيوية، لا يمكن فهم ما يجري من دون تفكيك تركيبة النظام نفسه. فالجمهورية الإسلامية ليست كيانًا أحادي القرار، بل منظومة حكم متعددة المستويات، تقوم على توازن دقيق بين الشرعية الثورية، والمؤسسات الدستورية، ومراكز القوة الصلبة. موقع المرشد الأعلى يشكّل محور هذا التوازن، لا بوصفه حاكمًا مباشرًا لكل التفاصيل، بل باعتباره ضابط الإيقاع بين التيارات المتنافسة داخل النظام، وضامن عدم انزلاق الخلافات إلى صراع مفتوح. التيار المحافظ، الذي يمسك اليوم بالمفاصل الأساسية للسلطة، ينطلق من تصور يعتبر أن الاستقرار والسيادة أولوية مطلقة في بيئة إقليمية معادية، وأن أي انفتاح غير محسوب قد يهدد الدولة قبل أن يُصلح النظام. في المقابل، تراجع التيار الإصلاحي من موقع التأثير التنفيذي إلى هامش سياسي-اجتماعي، ليس بالضرورة بسبب إقصاء متعمّد فقط، بل لأن لحظة الأزمات الحادة أعادت مركز القرار من السياسة إلى الأمن والاستراتيجية.

في هذا السياق، برز الحرس الثوري ليس كمؤسسة عسكرية فحسب، بل كفاعل مركزي في بنية الدولة. نفوذه لا يقوم على السلاح وحده، بل على دوره في حماية النظام من التهديدات الوجودية، وإدارة الملفات الإقليمية، وضمان استمرارية الدولة في ظروف استثنائية. تمدده الاقتصادي، رغم ما يثيره من جدل، شكّل أحد أدوات التكيّف مع العقوبات والحصار، وساهم في إبقاء قطاعات حيوية من الاقتصاد قيد العمل عندما كانت القنوات التقليدية مغلقة. في المقابل، بقي الجيش النظامي مؤسسة مهنية منضبطة، بعيدة عن السياسة، ومُصمّمة لتكون عنصر استقرار لا لاعبًا في الصراع الداخلي، بينما تشكّل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية شبكة ضبط داخلي هدفها منع انتقال الاحتجاج من كونه ضغطًا اجتماعيًا إلى تهديد سيادي.

الاحتجاجات التي تشهدها إيران في حاليا يجب قراءتها ضمن هذا الإطار. فهي تعبير عن اختناق اقتصادي وتآكل في القدرة الشرائية وشعور واسع بانسداد الأفق، لكنها لم تتحول إلى حركة سياسية موحّدة ذات مشروع بديل. الدولة تعاملت معها بمنطق الاحتواء الصارم، ليس من باب إنكار الأزمة، بل من باب منع انفلاتها. هذا النهج، وإن بدا قاسيًا، يعكس إدراكًا بأن أي تراخٍ في لحظة ضغط خارجي غير مسبوق قد يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب التحكم بها. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن النظام ينظر إلى القمع كحل دائم، بل كأداة مؤقتة لإدارة الوقت بانتظار إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والسياسية ضمن هوامش محدودة.

خارجيًا، تتحرك إيران في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. المواجهة مع إسرائيل قائمة لكنها مضبوطة بسقوف غير مكتوبة، والولايات المتحدة تمارس سياسة ضغط مستمر من دون الذهاب إلى خيار الحرب الشاملة اقله في هذه المرحلة مع ابقاء اي احتمال مفتوح في ظل وجود ترامب. في هذا المشهد، تدرك طهران أن أي مواجهة عسكرية كبرى ستضاعف كلفة أزماتها الداخلية بدل أن تحلها، ولذلك تميل إلى إدارة الصراع لا تفجيره. في المقابل، لا تبدو إسرائيل أو واشنطن مستعدتين لتحمّل كلفة حرب مفتوحة مع دولة ما زالت تملك قدرات ردع حقيقية وشبكة نفوذ إقليمي واسعة. النتيجة هي حالة “لا حرب ولا تسوية”، حيث تتراكم الضغوط من دون أن تصل إلى نقطة الكسر.

انطلاقًا من هذه المعطيات، يبدو أن الرهان على إسقاط النظام الإيراني، سواء عبر الاحتجاج الداخلي أو عبر حرب خارجية محتملة، يفتقر إلى الواقعية السياسية. ليس لأن النظام بلا نقاط ضعف، بل لأن بنيته صُممت تاريخيًا لتحمّل الأزمات الطويلة، ولأن مؤسساته الصلبة ما زالت متماسكة وقادرة على منع الانهيار. كذلك، فإن فكرة استبدال النظام القائم بمعارضة خارجية تبدو أقرب إلى الوهم السياسي، إذ تفتقد هذه المعارضة إلى الجذور الاجتماعية والتأثير الفعلي داخل إيران، ولا تشكّل في نظر الداخل الإيراني بديلًا وطنيًا أو قابلًا للحكم.

غير أن هذا لا يعني أن إيران مقبلة على جمود مطلق. فالضغط المتراكم، داخليًا وخارجيًا، قد يدفع النظام إلى تغييرات محسوبة من الداخل، سواء في آليات الحكم، أو في توزيع النفوذ بين مؤسساته، أو في مقاربة سياسته الخارجية بما يخفف منسوب الاستنزاف. هذا التغيير، إن حدث، لن يكون ثوريًا ولا جذريًا، بل تدريجيًا وبراغماتيًا، يهدف إلى الحفاظ على النظام عبر التكيّف، لا إلى إنهائه أو استبداله. بهذا المعنى، تبدو الجمهورية الإسلامية أقرب إلى إعادة إنتاج ذاتها في صيغة معدّلة، لا إلى السقوط أو الانقلاب عليها.

في المحصلة، إيران لا تقف على حافة الهاوية، لكنها تسير على خط ضيّق بين الصمود والتحوّل. قوتها تكمن في تماسك دولتها، وخبرتها في إدارة الأزمات، وقدرتها على امتصاص الضغوط، فيما يكمن تحديها الأكبر في كيفية تحويل هذا الصمود إلى مسار استقرار طويل الأمد. المستقبل الإيراني، في الأرجح، لن يُكتب في ساحات الاحتجاج وحدها، ولا في غرف العمليات العسكرية، بل في قدرة النظام على تعديل سياساته من داخل بنيته، من دون أن يفقد السيطرة أو يدخل مغامرات وجودية لا تبدو، حتى الآن، في مصلحة أحد..

عباس المعلم - كاتب سياسي