لم تكن المواجهة بين إيران وإسرائيل، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، حدثاً عابراً أو ضربة عسكرية محدودة، بل انتقالاً إلى مرحلة تاريخية عنوانها كسر الإرادات. الهدف المعلن كان إسقاط النظام في طهران، كما عبّر عنه كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لكن البعد الأعمق يتمثل في إعادة تشكيل موقع إيران في الإقليم وإنهاء نموذجها السياسي كفاعل مركزي في معادلات الشرق الأوسط.
الضربة التي استهدفت مركز القيادة وأدت إلى اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين جاءت ضمن استراتيجية “قطع الرأس”. الرهان كان أن يؤدي غياب القيادة إلى انهيار داخلي سريع، غير أن الحسابات لم تتطابق بالكامل مع الواقع. فبعد حرب يونيو 2025، كانت طهران قد وضعت سيناريوهات طوارئ دقيقة لكل الإحتمالات مع الإستفادة من تجربة الحرب لذلك تم وضع مجموعة تصورات من تفعيل مجلس الامن القومي وتكليف علي لاريجاني وتعيين مجموعة ضباط بدلاء للقادة وصولا لاحتمال استهداف المرشد الأعلى ، وأعادت تنظيم آليات انتقال السلطة ومنظومة القيادة والسيطرة لضمان الاستمرارية ومنع الفراغ.
لذلك رغم هذه الضربة بقيت الامور تسير بشكل طبيعي وتحولت الحرب التي كانت استباقية إلى مواجهة مفتوحة .
وتم ضرب كل القواعد الامريكية في الخليج والاردن وقبرص ليكون مسار الصواريخ الايرانية مفتوحاَ بإتجاه اسرائيل دون عوائق كبرى .
داخلياً، لم يتحول الاغتيال إلى لحظة تفكك، بل إلى لحظة تعبئة. أنصار الثورة الإسلامية استثمروا الحدث لضبط الجبهة الداخلية وتعزيز خطاب الصمود والانتقام، ما حوّل الصدمة إلى عنصر تماسك سياسي وأمني. وهكذا سقطت فرضية “الضربة القاضية”، ودخلت البلاد طور “الوحدة تحت النار”.
خارجياً، اتخذ الحدث بعداً إقليمياً فورياً. في لبنان، تبدو المعادلة واضحة إذا سقط النظام الإيراني فسيكون التالي هو حزب الله، ما يجعل الانخراط في المواجهة مسألة وجودية ولابد منها والثأر للخامنئي العنوان الأنسب في ظل الواقع الراهن .
أما في اليمن، يُتوقع تصعيد قوي وسريع، خلال الساعات القادمة مع تركيز الضغط على إسرائيل كنقطة ارتكاز رئيسية. كما أن الساحة في العراق مرشحة لارتفاع منسوب التوتر بفعل القوى الحليفة لطهران، إلى جانب تحرك حركتي حماس والجهاد الإسلامي بحدود متاحة في سياق توسيع الاشتباك. إضافة إلى ذلك، لا يمكن استبعاد تحرك شبكات لامركزية متعاطفة مع إيران في ساحات متعددة حول العالم واستهداف المصالح الأمريكية والاسرائيلية والدول التي ستشارك في الحرب على إيران لاحقا َ .
في المقابل، لا تبدو المواجهة ثنائية فحسب. فإلى جانب واشنطن وتل أبيب، يُتوقع انخراط دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ضمن تحالف يسعى إلى تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، لا مجرد ردع أو احتواء.
الرد الإيراني يتجه نحو سياسة يمكن وصفها بـ“التصعيد على حافة الهاوية”: توسيع ساحات الاشتباك، استهداف المصالح، وتهديد خطوط الطاقة والملاحة. أي تعطيل واسع للمضائق البحرية سيؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي، ويمنح روسيا هامشاً اقتصادياً أوسع كمصدر طاقة بديل. كما قد تستخدم طهران أوراق الضغط على الإمارات العربية المتحدة والبحرين لإعادة ترتيب توازناتها الإقليمية مع السعودية وقطر وتركيا.
المعضلة الكبرى أن هذه الحرب، إذا اتسعت، لن تبقى محصورة في حدود إيران. المنطقة بأسرها مهددة بفوضى استراتيجية من اضطراب أسواق الطاقة، تصاعد جبهات متعددة، وتآكل منظومة الردع التقليدية. ومع كل خطوة تصعيدية، تقترب الأطراف من حافة هاوية يصعب التراجع عنها.
في المحصلة، نحن أمام حرب لا تُختصر في معركة عسكرية، بل في صراع إرادات مفتوح. بين منطق “قطع الرأس” ومنطق “البقاء عبر التصعيد”، يتحدد شكل الشرق الأوسط المقبل. إنها لحظة زمن العواصف، حيث لا يكفي التفوق العسكري وحده للحسم، بل القدرة على الصمود في وجه العاصفة الطويلة.