إذا كان من حق السياسيين المبالغة في توصيف إنجازاتهم، فإن ما يفعله ترامب تجاه إيران تجاوز منذ زمن حدود المبالغة التقليدية إلى مستوى يصعب إيجاد توصيف مناسب له في أدبيات السياسة والإعلام والدعاية الحديثة.
فمنذ بدء الحرب وحتى اليوم، أعلن ترامب هزيمة إيران عشرات المرات، وسحق جيشها مرات لا تُحصى، وإسقاط نظامها، وإنهاء قدراتها العسكرية، والقضاء على برنامجها النووي، وتدمير صواريخها الباليستية، وفتح مضيق هرمز، وإجبارها على الاستسلام والتوسل من أجل الاتفاق.
لكن المفارقة الساخرة والمذهلة في آن واحد، أنه بعد كل هذا الكم الهائل من "الانتصارات التاريخية"، يعود الرجل نفسه ليقول إن المفاوضات لا تزال تدور حول البرنامج النووي الإيراني، وحول تخصيب اليورانيوم، وحول الصواريخ البعيدة المدى، وحول مضيق هرمز، وحول مستقبل العلاقة مع طهران.
أي إن الملفات التي يقول إنه دمّرها وأنها انتهت وعولجت وحُسمت، هي نفسها الملفات التي يعود ليعلن أنها لا تزال محور التفاوض والنقاش والخلاف.
في العلوم السياسية، يُنظر إلى مثل هذا السلوك بوصفه نموذجاً متقدماً من صناعة السردية الدعائية التي تحاول إنتاج واقع إعلامي موازٍ للواقع الفعلي. أما في علم النفس السياسي، فإن التكرار القهري لفكرة الانتصار، حتى عندما تتناقض مع الوقائع أو مع التصريحات اللاحقة، غالباً ما يعكس حاجة مستمرة لإعادة إنتاج صورة القائد المنتصر أمام جمهوره، بغض النظر عن طبيعة النتائج الفعلية على الأرض.
ترامب اليوم يبدو وكأنه دخل في حالة تفاوضية فريدة من نوعها؛ فهو يعلن الاتفاق قبل حصوله، ويحدد بنوده قبل مناقشتها، ويتحدث عن التزامات إيرانية قبل أن تعلم بها إيران نفسها، ثم يعود بعد ساعات ليهدد بحرب جديدة إذا فشل الاتفاق الذي لم يُبرم أساساً.
وفي مشهد يثير السخرية أكثر مما يثير الدهشة، يطالب طهران بفتح مضيق هرمز، بعدما أعلن مراراً أنه فتحه بالفعل وأعاد السيطرة الكاملة على الملاحة فيه. ويتحدث عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ثم يعود للتفاوض حول البرنامج ذاته. ويؤكد أن إيران فقدت قدراتها الصاروخية، ثم يجعل الصواريخ الإيرانية بنداً رئيسياً في أي اتفاق مقبل.
إنها حالة سياسية وإعلامية نادرة، يصبح فيها الرجل خصماً لنفسه ومفاوضاً مع نفسه وشاهداً على إنجازاته المتخيلة في الوقت نفسه. فكلما أعلن تحقيق هدف، عاد ليطالب بتحقيقه مرة أخرى. وكلما أعلن انتهاء أزمة، عاد ليفاوِض عليها من جديد.
لذلك قد لا يكون الوصف الأدق لما يجري أنه صراع بين واشنطن وطهران، بل صراع دائم بين خطاب ترامب الحالي وخطاب ترامب السابق، حيث ينقض أحدهما الآخر بوتيرة أسرع مما تستطيع الأحداث نفسها مجاراتها.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال المطروح: ماذا حقق ترامب ضد إيران؟ بل أي نسخة من تصريحات ترامب يجب اعتمادها لفهم ما إذا كانت إيران قد هُزمت بالفعل، أم أن هزيمتها ما زالت قيد التفاوض للمرة العاشرة أو العشرين أو الثلاثين
انها اعتى واشد واغرب حالات الشيزوفرينيا في العالم الحديث واجزم ان كل المراجع والعلوم والتجارب والحالات المختصة بعلم النفس لم تواجه مثل هذه الحالة المصاب بها ترامب ، وربما تكون اشارة وباء شيزوفرينيا مخصبة شبيهة بأوبئة يشهدها العالم الحديث لاول مرة حاليا ..
عباس المعلم - كاتب سياسي