إنّ الفكرة الأساسية في قضية ملاحقة أخي العزيز حسن عليق لا ترتبط، حتى من بعيد، برعونة توظيف القضاء في ملاحقة أصحاب الرأي استنادًا إلى مواد وإجراءات قانونية طالما استُخدمت في لبنان على قاعدة “غب الطلب”، تبعًا للظروف والتوازنات السياسية الداخلية والإقليمية، ولا بالانتقائية التي رافقت تطبيق القانون عبر عقود.
فذلك، على خطورته، ليس سوى الوجه الظاهر للمشهد. أما جوهر القضية، وهو الأخطر والأبعد أثرًا، فيكمن في محاولة استنساخ نموذج سلطوي ذي نزعة شمولية داخل لبنان، بما يعنيه ذلك من تحوّل جذري يطال هوية الدولة نفسها، عبر سلخ لبنان عن إحدى أبرز ركائز تكوينه التاريخي والسياسي، وهي حرية التعبير والاعتقاد والتعددية الفكرية والسياسية، وكأن المطلوب عمليًا شطب أحد الأعمدة التي قام عليها الدستور اللبناني، أو ما تبقّى منه بعد سلسلة طويلة من الانتهاكات التي أصابت نصوصه وروحه.
ويزداد هذا التحول خطورة إذا ما وُضع في سياقه الأشمل؛ إذ يأتي،، بعد مسار شهد تجاوزات دستورية وسياسية مست ثوابت قانونية كانت تُعد من المسلّمات في النظام اللبناني، وفي مقدمتها الأحكام المرتبطة بتجريم التواصل مع العدو، والتي يرى كثيرون أنها تراجعت عمليًا بفعل المسارات التفاوضية والاتفاقات والإجراءات التي جرت في هذا الإطار، سواء ما أُعلن منها أو ما بقي موضع جدل ونقاش. وبغضّ النظر عن اختلاف القراءات السياسية لهذه الوقائع، فإن الإشكالية الحقيقية تكمن في نشوء معايير مزدوجة، تُجيز ما تُجرّمه في الوقت نفسه على الآخرين، فتتحول الدولة من مرجعية قانونية واحدة إلى منظومة انتقائية تُطبّق النصوص وفق ميزان القوة والنفوذ، لا وفق مبدأ المساواة أمام القانون، وهو ما يُفقد القضاء هيبته، ويُضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
لسنا اليوم أمام حادثة جانبية تتعلق برأي إعلامي، ولا أمام تدبير قضائي أو أمني فجّ، بل أمام مشروع يعيد صياغة طبيعة النظام اللبناني من الداخل. فالخشية الحقيقية لا تنبع من ملاحقة شخص بعينه، بل من ترسيخ فلسفة سياسية تعتبر الرأي المخالف خروجًا على السلطة، لا ممارسةً لحقٍ دستوري. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يبدأ الانتقال التدريجي من مفهوم الدولة التي تحتكم إلى القانون، إلى مفهوم السلطة التي تطلب الطاعة. وهي الفلسفة ذاتها التي قامت عليها أنظمة شمولية عديدة عبر التاريخ، حيث يتحول انتقاد الحاكم أو معارضة سياساته إلى ما يُعامل بوصفه خروجًا على طاعة وليّ الأمر، أو مساسًا بـ”هيبة الدولة”، أو “خدشًا للشعور العام”، أو “تهديدًا للأمن القومي”، وهي عناوين فضفاضة تُستخدم لتوسيع نطاق التجريم حتى يشمل الكلمة والفكرة والرأي، قبل أن يمتد إلى كل مساحة مستقلة عن إرادة السلطة. وعندما تتسلل هذه المقاربة إلى لبنان، فإننا لا نكون أمام تطور قضائي عابر، بل أمام محاولة إحلال ثقافة الطاعة محل ثقافة المواطنة، واستبدال الحق في الاختلاف بواجب الامتثال، في انقلاب فكري وسياسي يتناقض مع فلسفة لبنان الدستورية التي قامت على التعددية لا على الأحادية.
وقد أثبت التاريخ، من الأنظمة الشمولية في أوروبا خلال القرن العشرين، إلى تجارب عربية معاصرة، أن التضييق على حرية التعبير لم يكن يومًا إجراءً معزولًا أو استثنائيًا، بل كان دائمًا الخطوة الأولى في مسار يبدأ بتكميم الأفواه، ثم إخضاع القضاء، ثم إضعاف المؤسسات، وصولًا إلى احتكار الحقيقة بيد السلطة وحدها. فالكلمة هي أول ما تخشاه الأنظمة المغلقة، لأنها تعلم أن الرأي الحرّ يسبق دائمًا أي تحوّل سياسي أو اجتماعي، وأن المجتمعات لا تُقاد إلى الاستسلام بالقوة وحدها، بل بإقناعها بأن الصمت فضيلة، وأن الاعتراض جريمة.
ومن يلقي نظرة متأنية على طبيعة الأنظمة السياسية في المنطقة ويجري مقارنة موضوعية بينها، يدرك أن لبنان شكّل، منذ نشأته، النقيض الأكثر وضوحًا للنموذج القائم على المركزية المطلقة والسلطة الأحادية. لم تكن خصوصية لبنان في تفوقه الاقتصادي أو العسكري، بل في كونه مساحة مفتوحة للتعددية السياسية والفكرية والإعلامية والدينية، بما حملته هذه الخصوصية من مكامن قوة ومواطن خلل في آن واحد. ولذلك، فإن أي محاولة لاستبدال هذه الهوية بمنطق الدولة التي تُقاس فيها شرعية الرأي بمدى انسجامه مع إرادة السلطة، لا تمثل مجرد تعديل في السياسات العامة، بل انقلابًا على الصيغة اللبنانية نفسها، وتحويلًا للبنان من وطن يتسع للاختلاف إلى دولة تُدار فيها التعددية بمنطق الردع، ويُقاس فيها الولاء بمدى الصمت، لا بمدى الانتماء.
إن أخطر ما يجري اليوم ليس ملاحقة صحافي أو كاتب أو صاحب رأي، بل اختبار حدود المجتمع اللبناني في مدى استعداده للتخلي، خطوة بعد أخرى، عن آخر ما تبقى من هويته السياسية والدستورية. فالأوطان لا تفقد حرياتها دفعة واحدة، وإنما تُنتزع بالتدرج؛ تبدأ بتبرير استثناء صغير، ثم تتحول الاستثناءات إلى قواعد، حتى يستيقظ الناس ليجدوا أن الدولة التي عرفوها لم تعد موجودة، وأن لبنان الذي كان يُعرّف بأنه وطن الحريات، أصبح مجرد نسخة باهتة عن أنظمة تقوم على الطاعة قبل القانون، وعلى الخوف قبل الحرية.
عباس المعلم - كاتب سياسي