لا يهرب الإنسان من الحقيقة بالضرورة لأنه يجهلها؛ ففي حالات كثيرة تكون الأدلة أمامه واضحة، لكنه يعجز نفسيًا عن منحها الاعتراف الكامل. يفسّر علم النفس المعرفي ذلك جزئيًا بمفهوم التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، وهو التوتر الناشئ عن اصطدام الواقع بمعتقد سابق أو قرار أو قناعة أو صورة كوّنها الفرد عن ذاته والعالم. ولتقليل هذا التوتر، قد تنشط آليات مثل الإنكار (Denial) والتبرير (Rationalization) والتحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، فيبحث العقل عما يؤيد روايته القديمة ويقلّل من شأن المعلومات المناقضة لها. ولهذا قد يدافع الإنسان عن فكرة ثبت فشلها، أو موقف سياسي أو اجتماعي، أو قرار مهني خاطئ، أو تقدير غير واقعي لقدراته ومحيطه؛ لأن تعديل القناعة قد يكون نفسيًا أشد كلفة من استمرار الخطأ نفسه.
وتزداد مقاومة الحقيقة كلما أصبحت القناعة جزءًا من الهوية النفسية والاجتماعية. فالإنسان لا يستثمر في أفكاره المال أو الوقت فقط، بل يضع فيها سمعته ومكانته وتاريخه وقراراته وصورته أمام نفسه والآخرين. وهنا يظهر انحياز التكلفة الغارقة (Sunk Cost Bias): كلما ازدادت الموارد التي استثمرها الفرد في مسار ما، ازدادت صعوبة الاعتراف بأن الاستمرار فيه غير مجدٍ. وقد يحدث ذلك في مشروع اقتصادي، أو مسار وظيفي، أو انتماء فكري، أو تقدير سياسي، أو نمط حياة، أو علاقة اجتماعية، أو حتى في حكم قديم على شخص أو حدث. وهكذا يصبح الدفاع عن الوهم دفاعًا غير مباشر عن الماضي؛ لأن الاعتراف بالحقيقة لا يهدم الفكرة وحدها، بل يجبر الإنسان أحيانًا على إعادة تفسير سنوات كاملة من اختياراته.
لذلك فإن الخروج من الوهم ليس مجرد انتقال من معلومة خاطئة إلى معلومة صحيحة، بل عملية إعادة تنظيم معرفي (Cognitive Restructuring) تتطلب قدرًا مرتفعًا من المرونة النفسية (Psychological Flexibility) والقدرة على مراجعة الذات من دون الشعور بأن المراجعة هزيمة. فالعقل الناضج لا يقيس قوته بعدد الأفكار التي ظل متمسكًا بها، وإنما بقدرته على تعديلها عندما تتغير الأدلة. والحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل أقل خطرًا من وهم يتحول مع الزمن إلى نظام مغلق يفسر كل شيء لمصلحة بقائه؛ لأن أخطر الأوهام ليست تلك التي تخدع الإنسان مرة، بل تلك التي تجعله يعيد تشكيل الواقع كل يوم كي لا يضطر إلى الاعتراف بأنه كان مخطئًا.
عباس المعلم - إعلامي