المعطيات المتوافرة لا تتحدث هذه المرة عمّا يستعد له حزب الله، بل عمّا يجري التحضير له في مواجهته داخل لبنان. ثمة استعدادات لدى خصوم الحزب للانتقال خلال المرحلة المقبلة إلى استخدام الشارع بأشكال متعددة، ورفع مستوى الضغط السياسي والشعبي والإعلامي عليه، ضمن مسار يبدو، وفق هذه المعطيات، متقاطعًا مع توجه أميركي–سعودي يريد استثمار الأشهر المقبلة في إعادة تشكيل موازين الضغط قبل حلول مواعيد التسويات وفرض المعادلات إقليميًا وداخليًا.
لكن الأكثر حساسية أن الحركة المرتقبة لن تنحصر بالجهات المعروفة بهويتها ومواقفها وخصومتها المعلنة للحزب. ثمة دوائر أخرى قد تدخل المشهد من عناوين مختلفة، وبعضها لن يظهر منذ اللحظة الأولى بوصفه جزءًا من جبهة سياسية واحدة. الشارع هنا قد لا يتحرك بصورة واحدة ولا تحت راية واحدة: ملفات معيشية، اجتماعية، سياسية ومطلبية يمكن أن تتقاطع في لحظة معينة لتشكّل ضغطًا متراكمًا، بحيث يصعب في البداية تحديد أين ينتهي الاعتراض الداخلي وأين تبدأ المعركة السياسية الأكبر.
المسألة، إذًا، ليست حدثًا واحدًا منتظرًا ولا ساعة صفر معلنة. هناك من يحرّك عقارب الساعة اللبنانية على توقيت الأشهر الثلاثة المقبلة تحديدًا. مرحلة قصيرة ومزدحمة، يراد خلالها رفع منسوب الضغط واستنزاف هوامش الحركة وإعادة خلط الأوراق قبل الوصول إلى اللحظة التي تبدأ فيها التسويات الإقليمية بفرض أثقالها على الداخل اللبناني. ومن ينجح في تحسين موقعه قبل تلك اللحظة، سيدخل زمن التسويات بأوراق مختلفة عمّن يصل إليها منهكًا ومحاصرًا.
ولهذا قد تكون الصورة المقبلة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه الآن. ليس بالضرورة أن يبدأ المشهد من عنوان سياسي كبير، ولا من جهة ينتظر الجميع تحركها، ولا حتى من مكان يمكن توقعه مسبقًا. الخطر الحقيقي في تعدد العناوين وتزامنها وتراكمها؛ حدث هنا، شارع هناك، أزمة تُرفع حرارتها، خطاب يتصاعد، واصطفافات تتشكل تدريجيًا، إلى أن تكتمل الصورة التي لم تكن واضحة عند بداية المشهد.
في المقابل، يصبح خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير أكثر قابلية للقراءة ضمن هذا السياق. فإذا كانت قيادة حزب الله تمتلك تقديرًا مشابهًا لما يجري التحضير له، فإن رفع سقف الرسائل والحديث عن عدم القبول باستمرار الاستضعاف والحصار قد لا يكون منفصلًا عن استشعار أن المواجهة المقبلة قد تبدأ من الداخل قبل أن تتغير قواعدها على الحدود.
الأشهر الثلاثة المقبلة، وفق هذه القراءة، ليست زمن انتظار بين مرحلتين؛ إنها قد تكون زمن صناعة المرحلة التالية نفسها. هناك من يريد الوصول إلى موعد التسويات بعدما يكون قد فرض وقائع جديدة على الأرض، وهناك من يستعد لمنع فرضها عليه.
ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر:
من سيحرّك الشارع أولًا؟ وتحت أي عنوان؟ ومن سيدخل المشهد بهوية لم تكن محسوبة مسبقًا؟
الساعة تتحرك…
لكن ليس كل من يحرّك عقاربها ظاهرًا في الصورة حتى الآن.
عباس المعلم - كاتب سياسي