" السيد ..
كان ذلك آخرَ لقاء… ولم نكن نعرف أن للأواخر كلَّ هذا البطش بالقلب. آخر خطابٍ استودعنا فيه صوته، آخر سلامٍ ارتفعت به يده نحونا، آخر نظرةٍ مرّت علينا من عينيه، وآخر وصالٍ بين عشقٍ لم نتعلّم كيف نعيش دونه، ورجلٍ كان حضوره في أرواحنا أكبر من أن نتصوّر له غيابًا. حتى عيناه في تلك اللحظة كانتا تقولان شيئًا لم نملك شجاعة قراءته: إلى اللقاء… في جوار الأحبّة، حيث ينتصر الدم على السيف، ولا يكون الفراق إلا بابًا لوصالٍ آخر.
ونحن؟ نحن الذين كذّبنا كلَّ شيء. كذّبنا ارتعاشة القلب يومها، وكذّبنا ذلك السلام الطويل، وكذّبنا النبأ حين جاء، ثم واصلنا الكذب على أنفسنا كي نستطيع أن نُكمل يومًا آخر. قلنا سيعود. قلنا لعلّها شائعة. قلنا إن هذا الصوت لا يمكن أن يصمت، وإن هذا الوجه الذي ملأ أعمارنا لا يمكن أن يصبح صورةً نحدّق فيها ونفتّش بين ملامحها عن زمنٍ كان هنا. لم نكن نكذّب الحقيقة؛ كنّا نحاول تأجيل انهيارنا أمامها.
وإلى اليوم، ما زلنا نعاند الغياب. لا اعتراضًا على مشيئة الله، ولا جزعًا من قضائه؛ بل لأن في الفقد أحمالًا تعرف الروح أنها أثقل من كتفيها. كيف يُطلب من قلبٍ اعتاد هذا الحضور أن يتعلّم فجأةً أدب الغياب؟ كيف نقنع أعيننا أن النظرة الأخيرة كانت الأخيرة، وآذاننا أن الخطاب الأخير لن يعقبه خطاب، وأيدينا أن ذلك السلام المرفوع إلينا كان وداعًا ونحن حسبناه موعدًا آخر؟ لن نتقبّل الغياب، لأن في أعماقنا شيئًا ما زال يرفض حتى الآن أن يتقبّل النبأ.
يا ربّ، نحن الذين طالما قرأنا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾… وها نحن نقف عندها اليوم لا قارئين، بل منكسرين تحت معناها. لم نسألك ردَّ قضائك، وإنما نسألك قلبًا يتّسع له؛ فما حسبنا يومًا أن يكون من بين ما لا طاقة لنا به أن نعيش العمر كلَّه بعد تلك اليد التي ارتفعت بالسلام… ولم تنخفض في قلوبنا إلى الآن.
" عباس المعلم " كاتب سياسي