محمد صبي الخالدي / العراق
تنساب في نص الشاعر العراقي المبدع الأستاذ حسن الساعدي إشراقات غزلية ووجدانية شفيفة، تجسد لوعة الفقد وعنفوان الجمال الحسي والروحي بأسلوب لغوي حصيف وااختيار متقن للمفردة. نستهل هذه القراءة بمشهدية قصصية مقتنصة من أبعاد النص؛ إذ تتراءى لنا تلك الحسناء الخمرية وهي تئن تحت جمر العشق بعد أن فارقها الحبيب، فتتساقط دمعاتها من أحداق الليل كماسَاتٍ تبوح بالسّر ثم تستوي على جمر الفراق. تتكسر أمواج الشوق على جسدها فتغدو كوردة ربيعية امتص الخريف نضارتها فانتصبت مكسورة الخاطر، غير أنها تظل دافئة كشمس الشتاء، يشتعل حولها الذهول كلما تمايلت كغصن البان، لتسقي خمر العناق ويسكر البوح من شهد شفاهها.
وفي السرد التحليلي المتسلسل الذي يفكك معمار النص بدمج البناء اللغوي بالشفرة الجفرية والتحليل الأكاديمي، يفتتح الساعدي المشهد بقوة التعبير الوصفي (تئنُّ من عشقٍ خمريةٌ / بنارِ العشقِ قد اكتوت / فتساقطت من حدقِ الليلِ ماساتٌ باحت ثم استوت)؛ حيث جاء الفعل المضارع (تئنُّ) مرفوعاً بالضمة، و(خمريةٌ) فاعلاً مؤخراً، و(ماساتٌ) فاعلاً للفعل (تساقطت). لغوياً، يجري الشاعر انزياحاً استعارياً بديعاً؛ ونرى أكاديمياً كيف تتشكل الصورة على مبدأ "التضاد الجمالي" بين حرارة النار ولظى الشوق من جهة، وبريق الماسات المتساقطة من أحداق الليل من جهة أخرى. وباطنياً، تشتعل الشفرة الجفرية في حرف الخاء والميم في (خمرية، ماسات)؛ إذ يرمز الخاء إلى الخفاء والاستغراق الوجداني، بينما تشير الميم إلى العالم المادي والتجلي الظاهري للدمع والبوح.
ثم يتواصل الفك النظري والتفكيكي في قوله (تئنُّ وقد فارقها الحبيبُ / بجراحٍ يوماً بعد يومٍ تمددت / كوردةٍ ربيعيةٍ امتصَّ الخريفُ رحيقَها / ثم هوت معقوفةَ الظهرِ)؛ حيث وقع الفعل الماضي (فارقَـها) ليرفع فاعله (الحبيبُ)، وجاءت (وردةٍ) مجرورة بالكاف الاستعارية، بينما انتصب (معقوفةَ) على الحال. ونرى أكاديمياً استدعاء تقنية "التشخيص الطبيعي وإسقاط المشاعر"، حيث تُسقط آلام الفراق البشري على دورة حياة الوردة الخريفية لتجسيد التحول الدرامي من العنفوان إلى الانكسار. وفي الجفر الأعلى، تنفجر طاقة حرف الحاء والراء في (الحبيب، جراح، رحيقها)؛ فالحاء هي حركية الحياة والعاطفة الحية، والراء هي طاقة الارتقاء والتطهير عبر الألم والنضج الروحي.
ويرتقي البناء البلاغي والأسلوبي في قوله (هي بالعشقِ مغرمةٌ / كغصنِ البانِ يتطاير ليلُها / سَبَتْ ألبابَ العاشقين كلما تمايلت وتبسمت / يعتصرُ من عنابي شفتيها شهدٌ يسكرُ مذاقُه)؛ حيث جاءت (هي) ضميراً منفصلاً في محل رفع مبتدأ، و(مغرمةٌ) خبراً، و(شهدٌ) فاعلاً مؤخراً للفعل (يعتصرُ). ونرى أكاديمياً توظيف "تداخل الحواس والمحسّات"؛ إذ يمتزج الرائي بالمعنوي (حركة غصن البان، شمس الشتاء، شهد الشفاه) لإنتاج تجربة إستاتيكية تعيد تعريف الجمال العراقي الأصيل. أما جفرياً، فتسري طاقة حرف الشين والسين في (شهد، شمس، سحر) بوصفها حروف الإشراق والتجلي، حيث تمنح النص نبرة الضياء والدفء التي تكسر حدة انكسار الخريف.
ويصل النص إلى خاتمته الرؤيونية في قوله (غناءٌ من غيرِ تجملٍ / عن غيرِ حبيبها قد أحجمت / تبهرُ العيونَ الشخاصاتِ إذا هيجها الشوقُ وحلقت)؛ حيث جاء (غناءٌ) خبراً لمبتدأ محذوف تقديره (هي)، ونُصب (العيونَ) مفعولاً به لـ (تبهرُ). ونرى أكاديمياً كيف يختم الشاعر مقطوعته بتأكيد مفهوم "العفة الإبداعية"؛ فالخمرية رغم فتنتها الساحرة تعزف عن غير حبيبها وتتسامى فوق التصنع، ليكون الشوق أداة تحليق وليس أداة سقوط. وفي الميزان الجفري، ترتبط الشفرة النهائية بحرف القاف والألف في (حلقت، أحجمت)؛ إذ تشير القاف إلى القوة والاستعلاء الروحي، والألف إلى الثبات والأصالة، ليتوج النص حركته الشعرية بالتسامي والانعتاق نحو أفق الجمال الخالص.
القصيدة المستخلصة من روح النص والتحليل (على بحر الكامل):
تَئِنُّ مِنْ شَوْقٍ وَفِي جَمْرِ الهَوَى
تَكْتَوِي، وَالدَّمْعُ يَبُوحُ كَالأَلْمَاسِ
تَسَاقَطَتْ مِنْ أَعْيُنِ اللَّيْلِ المُنَى
كَمَا انْحَنَتْ وَرْدَةٌ بَيْنَ الأَغْرَاسِ
خَمْرِيَّةُ البَوْحِ لا تَبْغِي سِوَى
خَلِيلِهَا بَيْنَ الوُجُوهِ وَالنَّاسِ
وَتَظَلُّ كَالشَّمْسِ صَبَاحاً دَافِئاً
تَزْهُو بِعِزَّتِهَا وَفِي كُلِّ كَأْسِ
نص قصيدة الشاعر حسن الساعدي:
تئَنِ مِنْ عِشْقٍ خَمرْيَةّ
بنِارِ العْشقِ قدَ اكْتوتَ
فتَساقطَتْ مِنْ مقُلِ الليلِ
مَاسَاتٌ باَحَتْ
ثُم اسْتوتَ
تئَنِ وَقدَ فاَرقهَا الحبَيِبُ
بِجرِاَحٍ يوَما بعَدَ يوَمٍ
تمَدّدتْ
كَوردَة رَبيعيِة
امْتصَّ الخرَيفُ رَحِيقَها
ثُم هوَتْ مَعقوفةَ الظَّهرِ
بِجراَحٍ نضَجَتْ
وَمَا اندْمَلتْ
هِي بالعشْقِ مغُرمَةٌ
كَغصُن الباَن يتَطاير ليلها
سرَقَتَ لبُابَ العاَشقين
كلُمّاَ تمَايلَتَ
وَتبَسّمَتْ
يعَتصَر مِنْ عِناِّبِ شَفتيَها
شهَدٌ يسُكِر مَذاقهَ
يسُحِر بوَحهَ
كلُمّاَ نطَقَتْ
هِي دَافئِةَ كَشمسِ الشتاء
كلَمّاَ نشَرتَ أَشعّتهَاَ
وَأشْرقتَ
غَنَاّء مِنْ غيَرِ تجَمَلٍّ
عَنْ غيَرِ حَبيِبها
قدَ أَحْجمَتْ
تبُهرِ العيون الشَاخِصَات
إِذَا هيَجَّهَا الشَوقُ
وَحلَقَّتْ
تئَنِ مِنْ عِشْقٍ خَمرْيةٍ
بَنِاّرِ العشِقِ قدَ اكْتوتْ !