متى يصبح التسامح خيانةً للذات؟
مقالات
متى يصبح التسامح خيانةً للذات؟
عباس المعلم
14 آب 2026 , 17:12 م

يكون التسامح فعلًا ناضجًا حين يحرّر الإنسان من استدامة الغضب، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى ترخيص متكرر للأذى. فهناك فارق نفسي عميق بين أن تتجاوز ما حدث كي لا تبقى أسيرًا له، وبين أن تعيد فتح الباب للسبب الذي صنعه. الأول استرداد للذات، أما الثاني فقد يصبح تنازلًا عن حدودها. فليس كل من غفر مطالبًا بأن يعيد الثقة، وليس كل قلب تخلّص من الكراهية ملزمًا بإعادة الآخرين إلى المواقع التي أساؤوا استخدامها.

وتبدأ خيانة الذات حين يصبح التسامح وسيلةً للهروب من المواجهة؛ عندما يخشى الإنسان خسارة الآخرين أكثر من خوفه من خسارة احترامه لنفسه، فيعيد تفسير الإهانة، ويبرر التجاوز، ويخفض سقف ما يستحقه حتى يستطيع الاستمرار. هنا تعمل آليات مثل التبرير المعرفي وتجنب الصراع على تخفيف التوتر مؤقتًا، لكنها تترك أثرًا أعمق: يتعلم الجهاز النفسي أن حدوده قابلة للتفاوض كلما أصبح الحفاظ عليها مكلفًا.

ومع تكرار التجاوز والمسامحة قد يحدث ما يشبه تآكل الحدود النفسية؛ فلا يعود الفرد متأكدًا أين ينتهي التفهم ويبدأ الاستنزاف، وأين يصبح الصبر إلغاءً للذات. والأشد قسوة أن الإنسان قد يغضب من نفسه لاحقًا أكثر مما يغضب ممن أساء إليه، لأنه يدرك أنه رأى النمط مبكرًا، لكنه استمر في منحه أسماء أكثر لطفًا كي لا يواجه الحقيقة.

لهذا لا يكون النضج في القدرة على المسامحة بلا نهاية، بل في معرفة ما الذي يُغفر، وما الذي لا ينبغي السماح بتكراره. تستطيع أن تسامح إنسانًا دون أن تثق به، وأن تتجاوز الإساءة دون أن تنساها كدرس، وأن تتمنى السلام لمن آذاك دون أن تمنحه طريقًا جديدًا إليك. فالتسامح يحررك من حمل الماضي؛ أما الحدود فتحمي مستقبلك من أن يصبح نسخةً منه. وحين يُطلب منك أن تهدم الثانية باسم الأول، لا يعود ذلك تسامحًا… بل تنازلًا عن نفسك.

عباس المعلم - إعلامي لبناني