✍️عبدالله علي هاشم الذارحي
لم تعد تطورات الساحل الغربي مجرد حدث عسكري عابر، ولا مجرد جولة جديدة في مواجهة مفتوحة منذ سنوات، لكنها تكشف عن تحول نوعي في معادلة المواجهة؛ فحين تتحرك صنعاء لفرض سيادتها على الأرض، وتُسقط طائرة استطلاع مسلحة معادية، وتضرب التحشيدات، وتستعيد ألأسرى، ثم تفتح باب العفو أمام من غرر بهم للعودة إلى صف وطنهم، فإنها لا تخوض معركة عسكرية فحسب، وإنما تعيد تثبيت معادلة سياسية وسيادية عنوانها الواضح: اليمن لن يقبل أن تكون أراضيه ورقة بيد المحتل السعودي.
وفي المقابل، تكشف تصريحات رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام أن الرياض لم تعد تملك الكثير سوى التصعيد ومحاولة تسويق الروايات التي تخدمها، بعدما عجزت عن تحقيق أهدافها بالعدوان والحصار والتصعيد.
فبدل أن تستجيب لدعوات السلام، تواصل الغارات والجرائم، وتحاول استدعاء الخارج للقتال نيابة عنها، وكأن المشكلة ليست في استمرار العدوان والحصار، وإنما في أن اليمن يرفض الخضوع.
لكن المفارقة أن العدو السعودي لم يعد قادرًا على تغيير حقيقة المشهد. فالدول التي كانت الرياض تراهن على تحريكها باتت أكثر حذرًا من التورط في حرب جديدة داخل اليمن، وهو ما ظهر بوضوح من تركيا وباكستان بشأن اقتصار أي التزام على الدفاع عن الأراضي السعودية، وليس الانخراط في حربها على اليمن.
وهنا تتجلى أزمة الرياض الحقيقية: تريد
حربًا بلا كلفة، وانتصارًا بلا مواجهة، وخصومًا ومرتزقة يقاتلون نيابة عنها.
أما صنعاء، فتقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا في إدارة المعركة: فقرار العفو الرئاسي عن المغرر بهم في جبهات الساحل الغربي ليس مجرد إجراء إنساني، إنما رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد: المعركة ليست مع أبناء اليمن، وإنما مع المشروع الذي يحول اليمنيين إلى أدوات في يد العدو السعودي.
ولذلك جاء العفو لمن يلقي سلاحه ويعود إلى رشده، ليؤكد أن باب العودة إلى الوطن مفتوح، وأن من تورط في القتال يمكنه أن يختار طريق النجاة بدل أن يبقى وقودًا لمشروع لا يخدم اليمن.
والأهم أن هذا القرار تزامن مع الحديث عن استتباب الوضع بمديريات الساحل الغربي، وتحرير الأسرى من سجون العدو السعودي والفصائل الموالية للعدوان؛ بما يجعل المشهد أكثر وضوحًا:
كلما حاولت الرياض تحويل الساحل إلى منصة للضغط على اليمن، أعادت صنعاء تعريفه باعتباره أرضًا يمنية لا تقبل الوصاية.
ومن هنا تأتي أهمية حديث الدكتور عبد العزيز بن حبتور عن أن ما يجري في الساحل الغربي شأن سيادي يمني، وليس تهديدًا للملاحة الدولية.
فمحاولة تصوير ممارسة اليمن لسيادته على أراضيه باعتبارها خطرًا دوليًا ليست سوى قلب للحقائق؛ إذ لا يمكن أن تكون السيادة مشروعة لدول المنطقة وممنوعة على اليمن، ولا يمكن أن يصبح الاحتلال أو التدخل الخارجي أمرًا طبيعيًا، بينما يُدان اليمن عندما يحاول حماية حدوده ومياهه وأمنه الوطني.
أما باب المندب، الذي أصبح محورًا رئيسيًا في الحسابات الإقليمية والدولية، فإن أهميته لا تمنح أي قوة أجنبية حق امتلاك القرار اليمني بشأنه، فصنعاء الآن تقول بوضوح إن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة ومنتظمة، وإن العمليات محددة الأهداف ومرتبطة بالعدوان على اليمن، وإن توقف العدوان ورفع الحصار يعنيان توقف عمليات اليمن الحالية.
وهنا تتضح المعادلة التي تحاول الرياض والقوى المتحالفة معها تجاهلها: السلام مع اليمن هو الطريق الأقصر والأقل كلفة، بينما التصعيد هو الطريق الذي يفتح أبواب الخسارة عليها على مصراعيها.
وبما أن الساحل الغربي أصبح تحت سيطرة صنعاء وصولًا إلى مناطق استراتيجية عند باب المندب، فإن الرسالة الأهم ليست جغرافية فقط، لكن سياسية أيضًا؛ فالرهان على صناعة كيان تابع للرياض أو منطقة نفوذ منفصلة عن القرار الوطني اليمني يتلقى ضربة جديدة، كما أن محاولة استخدام الساحل كورقة ضغط على صنعاء انقلبت
على العدو السعودي، وأقلقت كيان العدو.
والآية الكريمة تختصر جوهر الإنتصارات: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.صدق الله العلي العظيم.
ونحن من الشاهدين على أن الرسالة اليوم من الساحل الغربي اليوم ليست أن اليمن يريد الحرب، إنما اليمن يريد فعلًا السلام من موقع السيادة، لا السلام تحت الإحتلال، ويريدايضًا حسن الجوار، لا الوصاية؛ ويريد علاقات متكافئة، لا أن يكون تابعًا لمشيئة الرياض،
وعليه فإن معركة تحرير اليمن مستمرة بقوة الله تعالى، ولن ترى الدنيا على ارضي وصيا.