يمثل الانسحاب الأمريكي المنظم من العراق، واكتمال مغادرة قوات التحالف الدولي ومعداته من قاعدة أربيل في 30 أيلول 2026، نقطة تحول تتجاوز حدود العراق، إذ تنهي عملياً المهمة العسكرية لعملية «العزم الصلب» في البلاد، التي بدأت في 8 آب 2014 لمواجهة تنظيم داعش، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على تولي المؤسسات العراقية المسؤولية المباشرة عن أمن البلاد، مع استمرار التعاون الدفاعي والاستخباراتي والتدريب بين بغداد وواشنطن.
وبهذا المعنى، لا تبدو المسألة مجرد خروج قوات أجنبية من قاعدة عسكرية، بل انتقال من نموذج الوجود العسكري المباشر إلى نموذج الشراكة الأمنية. فالولايات المتحدة لم تغلق باب التعاون مع العراق، وإنما أعادت تعريف طبيعة العلاقة، فيما تؤكد بغداد أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على السيادة الوطنية، واستقلال القرار الأمني، وبناء القدرات العراقية، بعيداً عن تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب. فنجاح العراق في حماية أمنه، وملاحقة بقايا تنظيم داعش، وضبط حدوده، والحفاظ على التنسيق بين الجيش العراقي والبيشمركة، سيكون عاملاً أساسياً في تقييم قدرة الدولة على تحمل المسؤولية الأمنية من دون وجود عسكري أمريكي مباشر. والأكثر حساسية يبقى ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، بعدما وضعت الحكومة خارطة طريق لمعالجته وصولاً إلى حزيران 2027، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة.
وفي المقابل، فإن استمرار التهديدات الإقليمية، واحتمال عودة نشاط تنظيم داعش أو تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، سيضعان الدولة العراقية أمام اختبار صعب هل تستطيع الحفاظ على أمنها وسيادتها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد
ومن هنا تكتسب التجربة العراقية أهمية تتجاوز حدودها. فإذا نجح الانسحاب الأمريكي في العراق، ليس بمعنى مجرد مغادرة القوات، وإنما من خلال انتقال مستقر للمسؤولية الأمنية إلى الدولة العراقية مع استمرار التعاون السياسي والدفاعي، فقد يتحول العراق إلى نموذج قابل للدراسة في إعادة تعريف الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. أما إذا ظهرت فجوات أمنية أو عادت الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر، فقد تفرض التجربة حسابات مختلفة.
لذلك، فإن خروج القوات الأمريكية من العراق لا يمثل بالضرورة نهاية الدور الأمريكي في المنطقة، لكنه قد يكون بداية اختبار لنمط جديد من هذا الدور بين نفوذ وشراكات وقدرات استخباراتية وتعاون دفاعي، من دون انتشار عسكري واسع. وإذا أثبت هذا النموذج قدرته على تحقيق المصالح الأمريكية والحفاظ على الاستقرار، فقد يشكل أحد العوامل التي تدفع نحو إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي في ساحات إقليمية أخرى
ويبقى العراق أمام فرصة تاريخية لتحويل الانسحاب الأجنبي إلى ترسيخ فعلي لسيادة الدولة، بينما تراقب المنطقة نتائج هذه التجربة التي قد تحدد، جزئياً، شكل الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.