التفريغات الكهربائية الناتجة عن غبار المريخ تؤثر على العناصر الكيميائية للكوكب
دراسات و أبحاث
التفريغات الكهربائية الناتجة عن غبار المريخ تؤثر على العناصر الكيميائية للكوكب
12 كانون الثاني 2026 , 15:56 م

يبدو كوكب المريخ هادئا من بعيد، لكنه في الواقع كوكب نشط جدا عند الاقتراب منه. تحت غلافه الجوي الرقيق، تعصف العواصف الترابية ، وتدور الشياطين الغبارية على السطح، وتفرك حبات الرمال الصغيرة بعضها ببعض باستمرار.

تتحول هذه الحركة المستمرة إلى مولد كهربائي طبيعي ضخم على المريخ. وأظهرت دراسة حديثة أن هذه الكهرباء تفعل أكثر من مجرد إضاءة سماء المريخ، إذ تلعب دورا فعّالا في تغيير كيمياء الكوكب.

التجارب تكشف التأثير الكهربائي على العناصر الكيميائية

أظهرت النتائج أن التفريغات الكهربائية الناتجة عن تحرك الغبار يمكن أن تغير البصمات النظيرية لعناصر أساسية مثل الكلور، والأكسجين، والكربون، مما يفسر بعض التواقيع الكيميائية الغريبة على سطح المريخ.

وقال كون وانغ، خبير علوم الكواكب في جامعة واشنطن ولم يشارك في الدراسة:

"هذه هي أول دراسة تجريبية تبحث في تأثير التفريغات الكهربائية على النظائر في بيئة مشابهة للمريخ."

إعادة إنشاء عواصف غبار المريخ في المختبر

لعدة سنوات، كان العلماء يعلمون أن المريخ غني بالمواد الكيميائية الغريبة، وخاصة المركبات القائمة على الكلور، والتي اكتشفها المسبارات والمركبات الجوالة على سطحه المغطى بالغبار.

في المختبر، حرك الباحثون جسيمات غبار دقيقة لتوليد الاحتكاك، كما يحدث في العواصف الترابية والشياطين الغبارية على المريخ. يؤدي هذا الاحتكاك إلى شحن الغبار كهربائيا، أحيانا بقوة كافية لإنتاج تفريغات كهربائية صغيرة تشبه البرق الخفيف.

وعندما تحدث هذه التفريغات، تتحلل الغازات الجوية مثل ثاني أكسيد الكربون والمركبات الحاملة للكلور، ثم تعيد الذرات تكوين نفسها لتشكل مواد كيميائية جديدة. تم قياس هذه المواد بدقة، وكانت تشمل غازات الكلور المتطايرة، وأكاسيد نشطة، وكربونات محمولة جويا، وبيركلورات، وهي نفس المواد التي تم اكتشافها على المريخ.

بصمات نظيرية تحل لغز المريخ

الخطوة الحاسمة جاءت بقياس نسب النظائر للكلور والأكسجين والكربون في هذه المواد. النظائر هي نسخ أثقل أو أخف قليلا من نفس العنصر، وتعمل كنقاط تعريف كيميائية.

ووجد الفريق انخفاضا كبيرا ومتسقا في النظائر الثقيلة لجميع العناصر الثلاثة. ونظرا لأن النظائر تمثل جزءا صغيرا من المادة، فإن مثل هذه التغيرات الكبيرة تشير إلى وجود عملية رئيسية مسؤولة عنها. وقدمت الكيمياء الكهربائية الناتجة عن الغبار التفسير الأكثر وضوحًا لإشارات النظائر الغريبة على المريخ.

وأشار أليان وانغ، أحد مؤلفي الدراسة:

"الانخفاض الكبير في النظائر الثقيلة لعناصر متحركة ثلاثة يشكل دليلا قويا على أهمية الكيمياء الكهربائية الناتجة عن الغبار في تشكيل نظام سطح-غلاف المريخ الحديث."

نموذج عالمي لدورة الكلور على المريخ

باستخدام هذه القياسات مع تجارب سابقة، بنى الفريق نموذجًا عالميًا جديدًا لدورة الكلور الحديثة على المريخ. في هذا النموذج، تخلق التفريغات الكهربائية الناتجة عن العواصف الترابية مواد كيميائية نشطة في الغلاف الجوي، والتي تستقر بعد ذلك على السطح، وتندمج مع التربة، وتغمر أحيانًا تحت الأرض، لتشكل تدريجيًا التركيب المعدني للكوكب.

خلال مليارات السنين، وخاصة في الفترة الجافة للأمازونيان على المريخ، يمكن لهذه العملية تفسير قيم النظائر السالبة جدا للكلور التي وصلت إلى 51 جزءًا في الألف، والتي تم قياسها بواسطة مركبة Curiosity التابعة لوكالة ناسا.

وقال وانغ:

"على الرغم من أن التجارب لم تنتج التواقيع النظيرية الخفيفة جدا للكلور التي سجلتها المركبات الجوالة، فإنها تظهر بوضوح أن التفريغات الكهربائية يمكن أن تؤثر على النظائر في الاتجاه الصحيح."

أهمية هذا الاكتشاف

تغير هذه الدراسة الطريقة التي يفكر بها العلماء في كوكب المريخ اليوم. فهي تثبت أن سطح المريخ وغلافه الجوي لا يزالان نشطين كيميائيا، لكن ليس بواسطة المياه أو البراكين، بل عن طريق الكهرباء الناتجة عن الغبار.

قد تحدث عمليات كهربائية مشابهة أيضا على كوكب الزهرة أثناء العواصف الرعدية، وعلى القمر عبر الإلكترونات النشطة، وفي جميع أنحاء النظام الشمسي الخارجي. ما يعني أن الكيمياء الناتجة عن الغبار والكهرباء قد تكون قوة كوكبية عامة، تشكل السطوح والجو عبر العديد من العوالم.

الخطوة القادمة للباحثين هي تحسين تجاربهم ودراسة ظروف إضافية قد تنتج تأثيرات أكبر على النظائر.

المصدر: arth and Planetary Science Letters