بقلم ( عباس المعلم )
لا يجمعني بإيران رابط لغة، ولا وشيجة ثقافة، ولا انتماء قومي أو حضاري، ولا حتى الرابط الديني أو المذهبي ، فالتجربة الشيعية بذاتها ليست معيارًا سياسيًا، وأذربيجان مثال فاضح على ذلك ! دولة ذات غالبية شيعية، لكنها سقطت بكاملها في مدار التبعية، وتحوّلت إلى هامش وظيفي في المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
ما يربطني بإيران ليس شعبها، ولا قوميتها، ولا تاريخها، بل نظامها السياسي القائم اليوم، وفقط هذا النظام.
ما يعنيني في إيران يتمثّل، أولًا، في ذاك الرجل التسعيني الذي يقف في قمة دولة لا بوصفه جسدًا أنهكه الزمن، بل كفكرة استعصت على الشيخوخة ! رجل متكئ على عصا، لكنّه في جوهره متكئ على عقيدة صلبة، وإرادة متراكمة، وتجربة صدام طويلة مع أخطر منظومة هيمنة عرفها التاريخ الحديث.
يدٌ شُلّت منذ عقود، خذلها الجسد، لكنها لم تخذل المعنى؛ يدٌ لم تعد قادرة على القبض كما تفعل الأيدي، لكنها ما زالت، على نحوٍ يتجاوز الفيزيائي والمادي، تعانق سلاح المواجهة. تحوّلت من أداة حركة إلى رمز قرار، ومن فعل عضلي إلى موقف تاريخي. الجسد يتراجع، لكن القبضة الرمزية على خيار الصراع تزداد إحكامًا، كأن التاريخ عوّض ما سلبه اللحم والعصب.
هذا الرجل لا يحكم بقوة الجسد، بل بثقل المعنى. لا يواجه بعنف الاستعراض، بل بثبات الجبال التي لا تتحرك لكنها تغيّر اتجاه الريح ،، في عالم مكتظ بحكّام ذوي أجساد فتية خاوية، وبأيدٍ سليمة لا تمسك إلا أوراق الاعتماد لدى مراكز الهيمنة، يبدو هذا الرجل نشازًا تاريخيًا، واستثناءً وجوديًا، ومصدر قلق دائم لمنظومات السيطرة، لأنه لم يأتِ ليؤدي دورًا، بل ليكسر أدوارًا.
لا أعرف قائد دولة واحدًا، في موقع سلطة فعلية، واجه المشروع الأمريكي ــ الصهيوني بهذا القدر من الثبات، وبهذا النفس الطويل، وبهذه القطيعة الجذرية مع منطق الخضوع. من هنا، فالعلاقة مع إيران ليست علاقة هوية أو ثقافة، بل علاقة موقع سياسي ، إيران كنظام مواجهة، لا كدولة قومية، ولا كتراث لغوي، ولا كجغرافيا مجردة.
لا شغف لدي بالقومية الفارسية، ولا أجد في لغتها ما يستهويني، ولا يعنيني كيف يدير الإيرانيون شؤونهم العامة أو الخاصة. لم أتواصل يومًا مع أي مسؤول إيراني، ولا أرى في ذلك ضرورة أو دافعًا.
ما أعرفه يقينًا أن النظام القائم في إيران، بمرشده وحرسه الثوري، يشكّل اليوم القلعة الرسمية الكبرى الأخيرة التي لم تُرفع فوقها راية الاستسلام، ولم تُغلق بواباتها أمام خيار الصدام مع الاستكبار والاحتلال.
ومن هذا المنطلق، لا أشعر بحرج، ولا بخجل، ولا يرفّ لي جفن، إزاء الصراع القائم داخل إيران بين هذا النظام وخصومه. فالمسألة ليست نزاعًا إداريًا أو حقوقيًا معزولًا، بل معركة على اتجاه الدولة وموقعها في خريطة الهيمنة العالمية.
إيران، من دون هذا النظام، ستغدو بالنسبة لي دولة بلا معنى سياسي، وغريبة عني في كل شيء، لا تختلف عن أنظمة عربية وإسلامية كثيرة اختارت أن تكون توابع لا فواعل، وهوامش لا مراكز.
أنا مع إيران ما دام يحكمها نظام معادٍ لأمريكا وإسرائيل، سواء حمل عباءة دينية إسلامية، أم رفع راية علمانية حتى حدود الإلحاد.
ولا تعنيني إيران يحكمها شاه، حتى لو قضى ليله ساجدًا وراكعًا؛ فالسجود بلا سيادة طقس أجوف، والتدين بلا مواجهة زينة بلا روح.
المعيار عندي واحد، صارم، وغير قابل للتأويل ،، موقع النظام من معركة الاستقلال، والسيادة، وكسر الهيمنة.
أما ما عدا ذلك، فتفاصيل لا تغيّر في جوهر الصراع شيئًا.
عباس المعلم - كاتب سياسي