م. ميشال كلاغاصي
– 4/3/2026
مالذي تحاول فعله الولايات المتحدة وإسرائيل معاً، وقد تلتحق بهما بعض الدول الأوروبية، هل هو الصراع ما بين "حضارة" جزيرة إبستين، والحضارة الفارسية، على ملعب الشرق الأوسط "مهد الحضارات"، ومن ذا الذي لا يزال يصدق الشعارات الغربية كالحرية والمساواة، وخرافات التهديد الإيراني للولايات المتحدة وغير ذرائع.
في صباح السبت 28 فبراير/شباط، شنت القوات الإسرائيلية والأمريكية هجوماً صاروخياً وجوياً مشتركاً استهدف منزل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي وسط طهران، بالتزامن مع استهداف اجتماعه مع كبار القادة العسكريين والسياسيين في البلاد، وقد أسفر الهجوم عن مقتل الخامنئي وعدد من أفراد عائلته، بالإضافة إلى مقتل غالبية قادة الصف الأول من العسكريين والسياسيين الإيرانيين.
كذلك طالت هجمات الطائرات والصواريخ عشرات المدن الإيرانية، التي استهدفت مباني حكومية ومقرات استخباراتية وعسكرية ومنشآت مرتبطة ببرنامج طهران النووي، وبحسب وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية، فقد دمرت الغارات الجوية مصانع الصواريخ الباليستية، وقواعد الدفاع الجوي، وعدد من المنشآت البحرية والسفن الإيرانية.
وفي خطاب متلفز، أعلن دونالد ترامب عن بدء عمليةٍ عسكرية واسعة النطاق على إيران، مؤكداً أن هدفها الأساسي هو حماية المواطنين الأمريكيين، والقضاء على التهديدات التي تشكلها الحكومة الإيرانية، مجدداً تأكيده بأن واشنطن لن تسمح لطهران بإمتلاك الأسلحة النووية، وأوضح أن الضربات استهدفت منشآت نووية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، ودعا ترامب الإيرانيين إلى السيطرة على البلاد بعد انتهاء العملية العسكرية، وعرض على القوات الإيرانية خيار الإستسلام والحصول على "حصانة" أو اختيار "الموت الحتمي".
كما ألقى بنيامين نتنياهو خطاباً كرر فيه ما قاله ترامب، واصفاً إيران بأنها تُشكل "تهديد وجودي" لإسرائيل، وبأن "التحركات المشتركة مع واشنطن "ستضمن خلود إسرائيل"، و"ستخلق الظروف المناسبة للشعب الإيراني الشجاع كي يتمكن من تقرير مصيره بنفسه"، مؤكداً أن "إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية تحت أي ظرف من الظروف".
لم تتأخر إيران بالرد والدفاع عن نفسها وشعبها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وشنت هجوماً انتقامياً واسع النطاق، وأطلقت صواريخها وطائراتها المسيّرة بإتجاه "إسرائيل"، واستهدفت قواعد جوية للجيش الإسرائيلي، ومقر جهاز المخابرات الإسرائيلية، وغالبية القواعد الأمريكية في المنطقة، كذلك بدأ حزب الله اللبناني بقصف الشمال الإسرائيلي بمئات الصواريخ، فيما أطلق الحوثيون عدداً من الصواريخ على سفن تجارية في البحر الأحمر تابعة الولايات المتحدة وإسرائيل.
لقد كان ترامب واضحاً في إعلان أهداف العدوان الرئيسية على إيران، بأنها تستهدف برامج طهران النووية والصاروخية، ونظامها الحاكم الذي تأمل بتغييره، وبالقضاء على مراكز صنع القرار فيه، بما يؤكد رهان واشنطن وتل أبيب على انهيار النظام الإيراني من داخله، وتفكيك الدولة على أسس عرقية تعج بها إيران، ودفع التغيير بالقوة العسكرية الخارجية، لإنتاج نظامٍ موالٍ للولايات المتحدة، وأكثر وداً مع إسرائيل والغرب.
يبدو أن رهان الإدارة الأمريكية اعتمد على إسقاط القيادة الإيرانية وشل دفاعاتها وقدراتها، أتى لفسح المجال أمام اندلاع انتفاضة شعبية تخرج فيها الأوضاع عن السيطرة، وتسودها الفوضى، لإسقاط النظام، ومع ذلك، لا يزال ترامب يراهن على أهمية الضربات الأمريكية والإسرائيلية وبأنها "ستسهل المفاوضات مع الحكومة الجديدة التي ستبدأ استسلاماً تدريجياً"، لكن اّمالهم لم تتحقق، وخرج الإيرانيون إلى الشوارع للتعبير عن حزنهم على الزعيم الراحل ولدعم السلطات والقوات المسلحة.
وساهمت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية والعربية، بخلق ضجةٍ إعلامية حول النظام الإيراني، وبإدانة الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية الواقعة على أراضي بعض الدول، في محاولة لإرباك وتكبيل أيادي إيران وإجبارها على الطاعة، لكسر إرادتها، في معركةٍ يدرك فيها الأمريكيون وحلفائهم أن خسارتهم تهني خسارة كل شيء، وتعلم إيران بأنها ستُدمر تماماً في حال أظهرت ضعفها اليوم.
حتى الآن، تصمد إيران وتبدي استعدادها للقتال والإنتصار، وتتصرف وفق حساباتها الدقيقة للغاية، ساعيةً إلى استنزاف منظومات الدفاع الصاروخي لخصمها بصواريخ باليستية قديمة نسبياً، وتحتفظ بصواريخ "فتح" الفرط صوتية للضربات الحاسمة، وتحاول إضعاف معنويات حلفاء أمريكا وإسرائيل في المنطقة بإستهداف مناطق حساسة، وقد أوضحت الدول النفطية بالفعل أن هذه "ليست حربها"، ودعت جامعة الدول العربية جميع الأطراف إلى "العمل على خفض التصعيد والعنف".. يبدو أن إيران لم تُفرغ كل ما في جعبتها.
ومع بدء الهجمات على أنظمة الطاقة والإقتصاد، بدأت دائرة الصراع في الشرق الأوسط بالإتساع، وتزايدت سرعة إنزلاق الشرق الأوسط نحو الفوضى، مع تعرض دول الخليج العربي لخسائر مالية وإقتصادية كبيرة، وهي التي منحت ترامب أموالها، لكنه خذلها، فالحرب لم تعد بين إسرائيل وإيران فقط، إذ بدأت دول الخليج العربي تتحدث عن شنّ ضربات انتقامية ضد إيران، وبات على ترامب البحث عن حلفاء يقبلون المشاركة في الحرب على إيران إلى جانبه، بعدما ثبُت أن تحالفه مع إسرائيل وحدها غير كافٍ، وبات عليه الإستفادة من قوة وقدرات جيوش دول الخليجية، الأمر الذي يُبشر بحربٍ طويلة الأمد، ووقوع واشنطن في الفخ الأول، وحتمية سقوطها في الفخ الثاني لإتمام الإنتصار، والذي يفترض بها بعد إنتهائها من العمليات الجوية، الإنتقال إلى مرحلة العمليات البرية، وسط صعوبة إتخاذ القرار، بالتوازي مع غضب الشارع الأمريكي جراء ارتفاع عدد من القتلى والجرحى في صفوف الجيش الأمريكي، في وقتٍ يقترب فيه ترامب من خوض معركة انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي يطرح السؤال، هل كانت حسابات ترامب مبنية على استسلام إيران الفوري بشروطه، بعد اغتيال المرشد الأعلى ؟.
يبدو أن مجرد التفكير بعملية برية في إيران، سيدفع ترامب لإستعادة ذكريات الكوابيس الأمريكية في العراق وفيتنام وجثث ودماء الجنود الأمريكيين، فهل فات أوان التفكير بالعملية البرية؟ أم فات وقت التراجع والموافقة على وقف إطلاق النار قبل نهاية الإسبوع الأول للعدوان، وهي العبارة التي استخدمها ترامب اليوم الرابع للعدوان في تصريحه الغامض بقوله: "الإيرانيون يريدون وقف إطلاق النار، وأقول لهم فات الأوان"...
مالذي تحاول فعله الولايات المتحدة وإسرائيل معاً، وقد تلتحق بهما بعض الدول الأوروبية، هل هو الصراع ما بين "حضارة" جزيرة إبستين، والحضارة الفارسية، على ملعب الشرق الأوسط "مهد الحضارات"، ومن ذا الذي لا يزال يصدق الشعارات الغربية كالحرية والمساواة، وخرافات التهديد الإيراني للولايات المتحدة وغير ذرائع.
لقد خدعهم ترامب، وبنى حملته الإنتخابية عام 2024، على أنه "صانع السلام"، وتباهى عشرات المرات بعدد الحروب التي ادعى إنهائها، وماذا عن غرينلاند و"الإستيلاء الودي" على كوبا، وغزو فنزويلا، والحرب الشاملة على إيران، هل اختلطت في رأسه شعارات "صانع السلام" و"السلام بالقوة" و"سنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" ... أيُّ مجدٍ يبحث عنه ترامب وهو الذي قال عام 2018 "ها قد أصبح النفط السوري في قبضتنا"، وفعل الشيء ذاته في العراق وفنزويلا، وما يحاول فعله اليوم في إيران، ماذا عن تخليه عن حلفائه الأوروبيين، وعن فشله بإنهاء الصراع في أوكرانيا خلال 24 ساعة، ماذا عن وعوده بحماية دول الخليج العربي، ماذا عن حروبه التجارية، وعقوباته، وفرض التعريفات الجمركية ...إلخ، ومجمل سياساته الخارجية، ناهيك عن سوء سياساته الداخلية، وفشله بوعود إعادة الأمريكيين إلى وظائفهم، وبخفض أسعار الطاقة، وفشله بإلغاء الضرائب، والقضاء على الفساد والرشاوى....
سياساتٌ بمجملها حرمت الأمريكيين والعالم من الاستقرار والأمن والسلم الدوليين، ارتفعت معها احتمالية اندلاع الحرب العالمية الثالثة، والحروب النووية، ومع ذلك يبذل الأمريكيون قصارى جهودهم للحفاظ على هيمنتهم ومواصلتهم لعبة "التضليل الإعلامي".
م. ميشال كلاغاصي – 4/3/2026