إيران من الصبر الاستراتيجي إلى مظلة ردع استراتيجي!
مقالات
إيران من الصبر الاستراتيجي إلى مظلة ردع استراتيجي!
حليم خاتون
11 حزيران 2026 , 16:21 م

كتب الأستاذ حليم خاتون:

بعد سبعة عشر ساعة، وافقت إيران على وقف إطلاق النار مع إسرائيل...

إنه نفس السيناريو؛

يكرر نفسه بعد أن وافقت إيران على وقف إطلاق النار بعد حرب الأربعين يوما مع أميركا وإسرائيل...

كذلك كان الأمر بعد حرب الإثني عشر يوما...

جون ميرشايمر لم يفهم قبول وقف إطلاق النار من قبل إيران بعد حرب الإثني عشر يوما؛ آنا كاسباريان لم تفهمه بعد حرب الأربعين يوما؛ في الحالتين كان الاعتداء والهجوم أميركي اسرائيلي، وفي الحالتين كان طلب وقف النار أميركي اسرائيلي بعد الفشل، وبعد شبه نفاذ الصواريخ الإعتراضية عند الدولتين النوويتين، أميركا وإسرائيل...

يبدو الأمر محيرا...

هل هو الصبر الاستراتيجي مجددا...

لقد دفعت إيران ومحور المقاومة ثمنا باهظا جدا طيلة حوالي ثلاث سنوات حين ترددت إيران، وتردد المحور أكثر من مرة...

ظهران جملة، "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"، كانت فعلا في محلها واستطاعت الإمبريالية الأميركية الاستفراد بساحات محور المقاومة!

كان هناك خوف فعلا من القوة الهائلة لدى الغرب عموما، وأميركا خصوصا، اللذين هبّا للدفاع عن الكيان بعد عملية السابع من اكتوبر المجيدة!

استطاعت الإمبريالية الأميركية الاستفراد بكل ساحات محور المقاومة، الواحدة تلو الأخرى؛ وجهّت ضربات قاصمة في غزة ولبنان؛ تلقت صفعة في اليمن... لكن أميركا أيضا كانت تحسب حسابات معقدة خوفا من العناد وقوة الاعتداد بالنفس عند الإيرانيين (على عكس العرب)...

بعد سقوط مادورو في فنزويلا بسهولة وبنفس طريقة إسقاط الدولة في سوريا عبر شراء قيادات في الجيش، تجرأت أميركا وأرادت ضرب مركز محور المقاومة: طهران...

هاجمت الدولة الأميركية النووية الأعظم في العالم إلى جانب الدولة النووية الصهيونية الأقوى في الشرق الأوسط طهران وفي الحساب أن النظام سوف يسقط خلال أيام؛ في الحد الأقصى بعد ثلاثة أسابيع...

إلى جانب هاتين القوتين النوويتين، وقف نظام دولي خائف ومرعوب من الغطرسة الأميركية؛ كذلك فعل النظام الإسلامي المنبطح حتى الزحف أمام ترامب ونتنياهو؛ وكذلك فعل النظام العربي الذي قدّم كل الدعم المالي واللوجيستي للأميركيين والإسرائيليين، والبعض منهم شارك فعليا في الهجوم على إيران...

صمدت إيران ووجهت ضربات مميتة إلى كل الجوار العربي الخاضع للسيطرة الأميركية؛

وصلت صواريخ إيران إلى القواعد الأميركية في الأردن والعراق...

الخسائر داخل حدود فلسطين المحتلة كانت كابوسا مٌنع معرفة مداه بفضل التعتيم الإعلامي داخل الكيان وفي معظم وسائل الإعلام العالمية التي تسيطر عليها الصهيونية بفضل التمويل الغربي والعربي...

وافقت إيران على وقف إطلاق النار بعد حرب الأربعين يوما بعد أن وافق ترامب على توقيع مذكرة من أربعة عشر بندا قدمتها إيران وتضمنت اعترافا صريحا بانتصار محور المقاومة...

أميركا البراغماتية أرادت اللعب في الوقت الضائع عن طريق التراجع عما قبلت به والقيام بعمليات محدودة لا ترتقي إلى حرب إقليمية ثانية، كما طلبت من إسرائيل فعل الشيء نفسه على جبهة لبنان بعدما تأكد خلال حرب الأربعين يوما أن حزب الله تخطى الزمن الصعب وأعاد ترميم صفوفه ويستطيع استنزاف القوات الغازية...

قررت إيران الرد على هذا المخطط الأميركي باعتماد معيار الرد على كل ضربة بضربة ونصف وفقا لمدير مؤسسة كوينسي تريتا بارس...

لم تقبل أميركا بهذه الاستراتيجية الجديدة...

أراد الأميركيون هذه المرة زيادة الضغط عبر زيادة الألم في الخاصرة الرخوة عند المدنيين في ضاحية بيروت الجنوبية لمعرفة مدى استعدادات حزب الله ومدى قوته الصاروخية وذلك بناء على خلاصات مؤتمر فك شيفرة حزب الله الذي كان قد عُقد سابقا في أبو ظبي والذي لعب فيها لُقمان سليم دورا مخزيا في الإشارة إلى أن إيلام حزب الله أسهل ما يكون في المدنيين من أهل الضاحية والجنوب والبقاع...

كان هذا تحدِِ كبير لإيران!

خرجت إيران بعد حرب الأربعين يوما وقد فرضت معادلة ردع لحماية الجمهورية الإيرانية من الاستباحة بعد أن ضربت بالصواريخ كل القواعد الأميركية في المنطقة إضافة إلى الكيان الصهيوني وكلاب التطبيع العربي الإبراهيمي...

قررت إيران إنها لا يمكن أن تسمح مرة أخرى باستفراد المقاومة الإسلامية في لبنان من قبل إسرائيل واميركا وألمانيا وبريطانيا؛ فانسحبت من المفاوضات الجارية وأعادت إقفال مضيق هرمز بعد أن وصل عدد السفن العابرة يوميا إلى حوالي ثلاثين سفينة...

أمس، ليل الإربعاء الخميس، قامت أميركا بشن ضربات على إيران في تكريس واضح لاستراتيجية الحصار والإنهاك التدريجي الذي يؤذي إيران كما ظهر من تصريحات الرئيس الإيراني بازيكشيان حول وجوب خروج إيران من حالة اللاحرب واللاسلم...

ردت إيران بقوة على القواعد الأميركية في الكويت والبحرين!

هل يكفي هذا؟

الحقيقة التي لا بد من تأكيدها والإصرار عليها رغم خروج الكثير من جماعة المقاومة الذين يتحدثون عن اتفاق وشيك وتفاهم على ٩٩% من الأمور؛

*يجب التأكيد على استحالة الإتفاق؛*

المسألة ليست فقط في سيطرة اللوبي الصهيوني على الكثير من مواقع وأهل القرار في أميركا...

نتيجة الحروب التي جرت حتى الآن تعطي إيران أفضلية معينة تجعل من إمكانية تقديم تنازلات كانت إيران قدمتها قبل الحروب مسألة خطيرة جدا...

اي تنازل، مهما بدا صغيرا، قد تُقدم عليه السلطة الحاكمة في إيران سوف يزعزع الإلتفاف الجماهيري العظيم الذي تحقق حول النظام...

بل أن الظاهر هو أن الجماهير الإيرانية تخطت القيادة الإصلاحية لحكومة بازيكشيان، وبدأت تطالب بالعودة إلى الحرب وفرض السيطرة المطلقة على مضيق هرمز والتدمير الشامل لكل المصالح الأميركية في كامل غرب آسيا...

وظهرت مطالب شعبوية تحث على عدم الاكتفاء بضرب الكويت والبحرين وكردستان العراق بل إرسال جيوش لغزوها وتأديبها...

عدم استطاعة السلطات الإيرانية تقديم اي تنازلات من اجل الإتفاق يقابله نفس الإستحالة في الجانب الأميركي؛

فترامب الذي انتقد أوباما في اتفاق ٢٠١٥ يجد نفسه مجبرا على تقديم تنازلات تفوق بكثير ما كانت إدارة أوباما قد قدمته؛

يكفي هنا شرط إيران برفع كل العقوبات والحصار والإفراج الفوري عن ربع الأموال الإيرانية المجمدة والتي يقدرها تريتا بارس بما بين ١٢٠ و١٥٠ مليار دولار مع برمجة واضحة محددة للإفراج عن كامل هذه الأموال...

حاول الاميركيون الإلتفاف على هذا عبر الطلب إلى قطر بتقديم قرض بدون فوائد بإثني عشر مليار دولار الى إيران تتم استعادته لاحقا عند الإفراج عن الأموال المجمدة؛ لذلك قام قاليباف بزيارة قطر مع مجموعة من خبراء المال والإدارة في إيران...

إلا أن الطاقم المحيط بترامب عاد ورفض ذلك...

وقد بيّن الدبلوماسي البريطاني آليستير كروك أن نتنياهو كان طلب من ترامب منذ الزيارة الأولى التي خططت للهجوم على إيران بوجوب تدمير القوة الصاروخية الإيرانية لما تشكله من مظلة ردع وحماية بعد تطورها التكنولوجي الهائل وعجز اسرائيل عن تنفيذ هذه المهمة...

إذاََ، لا إيران يمكن أن تتنازل عن ابسط حقوق الشعب والدولة الإيرانية، ولا أميركا تستطيع عقد اتفاق أفضل من اتفاق سنة ٢٠١٥ لأن هذا سوف ينتهي بسقوط مجموعة الصقور في أميركا ومعهم ترامب؛ كما سوف يطال الهيبة الإسرائيلية التي تجاوزت كل مظاهر الدبلوماسية والأخلاق وصارت إسرائيل دولة منبوذة في الكثير من البلدان والحضارات...

استمرار الوضع الحالي سوف يؤدي إلى انهيار الإقتصاد العالمي مع نفاذ الاحتياطات البترولية وكميات السماد ومواد التنقيب والتعدين في دول مجموعة السبع والتي يقدر معظم الخبراء انها سوف تنفذ ما بين أواخر حزيران الحالي ومنتصف يوليو القادم؛ وفي حال ترشيد الاستهلاك قد تمتد الفترة إلى أواخر شهر آب أغسطس ولكن ليس أكثر...

هنا بدأ البعض يخاف من لجوء إسرائيل إلى السلاح النووي لأن أميركا مضطرة للحفاظ على شيء من العقلانية خوفا من الصين في تايوان والروس في أوروبا الشرقية...

إسرائيل التي قامت بتنفيذ إبادة جماعية في غزة والتي تقوم بكسر كل القوانين الدولية في الضفة الغربية، والتي تقوم بتدمير منهجي في جنوب لبنان في ما يشبه كثيرا إبادة غزة؛ إسرائيل هذه كانت مستعدة لتنفيذ ضربات نووية تكتيكية إلى أن تم تسريب معلومات على لسان الخبير Pepe Escobar حول امتلاك طهران أكثر من رأس نووي؛

وهذا ما أكده الخبير السابق في الإدارة الأميركية Larry Johnson...

ورغم نفي الدكتور ميرشايمر لهذا الاحتمال إلا أن هناك أكثر من خبير تحدث إما عن حصول ايران على رؤوس نووية من كوريا الشمالية، أو عن تطوير إيران رؤوسا نووية باردة تشبه قنبلة هيروشيما ولكن مع عجز عن إيصال هذه القنبلة إلى حيث يجب بسبب ضعف السلاح الجوي الإيراني ورفض الصين تزويد إيران بما كانت زودت باكستان به؛ بالإضافة إلى عدم يقين وصول اي صاروخ حامل لهذه القنبلة إلى الهدف دون تصدي الأميركيين وعرب الخليج والأردن وحتى المصريين المتواجدين الآن في الإمارات لهذه الصواريخ قبل وصولها الى إسرائيل...

إسرائيل تخاف من الضربة النووية لأنها لا تضمن استحالة الرد... والجغرافيا الضيقة في فلسطين لا تحتمل بينما قدرة إيران على الاحتمال أكبر نسبيا؛ هذا دون الحديث أيضا عن السلاح الكيماوي السهل الامتلاك والتصنيع...

المسائل أعقد بكثير مما يتصور الكثيرون؛ لكن الحرب سوف تستمر بالتأكيد وإن بتقطع مع هدنة هنا أو هدنة هناك إلى أن يفرجها الله...

هنا وهنا فقط يلعب الصبر الاستراتيجي الإيراني دورا إيجابيا مع تطور مظلة الردع التي وصلت إلى بيروت وضاحيتها بانتظار وصولها إلى جنوب لبنان لأن النظام اللبناني أعجز من حماية شعب هذا البلد، والسلطة اللبنانية الحالية بشخص جوزيف عون ونواف سلام ليست أكثر من عبد مأمور لاميركا وإسرائيل على حد سواء...